موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الثلاثاء، ٧ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
من أرتميس 2 إلى البابا فرنسيس: تحوّل في زاوية النظر

أبونا :

 

لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، تواصل مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) تسجيل إنجازاتها، مع بدء رحلة دوران أربعة رواد فضاء حول القمر. وسيتمكّن الطاقم على متن مركبة «أوريون» من مراقبة القمر بالعين المجرّدة، بجانبيه المضيء والمظلم، خلال عملية دوران تستمر نحو سبع ساعات، قبل الشروع في رحلة العودة إلى الأرض التي يُتوقّع أن تستغرق عدة أيام.

 

وبعد وقت قصير من بدء هذه المرحلة، بلغ الطاقم أبعد نقطة عن الأرض يصل إليها بشر على الإطلاق، حيث حلّق الرواد الأربعة على مسافة تقارب 406,700 كيلومتر، متجاوزين الرقم القياسي الذي سجلته مهمة «أبولو 13» عام 1970.

 

وفي خضم هذا الإنجاز العلمي، برز بُعد إنساني لافت حملته كلمات أحد أفراد الطاقم. فقد عبّر رائد الفضاء فيكتور غلوفر عن مشاعره، وكيف ينظر إلى الوجود في الفضاء مقارنة بالحياة على الأرض، في رؤية بدت متقاربةً بشكل لافت، ولاقت رسالته الإيجابية صدى واسعًا لدى كثيرين.

 

 

رسالة عن وحدة البشر وجمال الأرض

 

في يوم السبت 4 نيسان 2026، سأل مراسل شبكة CBS News غلوفر عمّا إذا كان يرغب في توجيه رسالة إلى الناس على الأرض عشية عيد الفصح. فأجاب: «ليس لديّ شيء مُحضّر، لكنني سعيد أنك أثرت الموضوع؛ أعتقد أن هذه المناسبات مهمة».

 

وتحدّث غلوفر عن «جمال الخليقة»، قائلاً: «عندما أقرأ الكتاب المقدس وأرى كل هذه الأشياء المدهشة التي صُنعت لنا… مَن خلقها. لديكم هذا المكان المميّز. أنتم تتحدثون إلينا لأننا في مركبة فضائية بعيدة جدًا عن الأرض، لكنكم أنتم أيضًا على مركبة فضائية تُدعى الأرض، خُلقت لتكون مكانًا نعيش فيه في هذا الكون. ربما يجعلكم بُعدنا تعتقدون أن ما نقوم به مميّز، لكننا في الحقيقة على المسافة نفسها. وأنا أحاول أن أقول لكم -ثقوا بي فقط- أنتم مميزون».

 

وتابع: «في هذا الفراغ كله –هذا العدم المطلق، هذا الذي نسميه الكون- لدينا هذه الواحة، هذا المكان الجميل الذي نعيش فيه معًا. أعتقد أننا مع دخولنا أحد الفصح، وبالنظر إلى ثقافات العالم كافة، سواء احتفلتم به أم لا، أو آمنتم بالله أم لا، فهي فرصة لنتذكر أين نحن، ومن نحن، وأننا جميعًا شيء واحد، وأن علينا أن نتجاوز كل شيء معًا».

 

 

تغيير في المنظور

 

هنا يبدأ التحوّل في زاوية النظر.

 

لقد وجد رائد الفضاء غلوفر نفسه يقوم بشيء إنساني بامتياز: فمن تلك المسافة، لم تعد الأرض تبدو منقسمة، بل كاملة، هشّة، ومذهلة الجمال. وما وصفه ليس مجرد رؤية بصرية، بل إدراك وجودي عميق، إذ إن ما يختفي في تلك المسافة ليس الكوكب نفسه، بل الطريقة التي نعتاد أن نراه بها.

 

ومن الصعب هنا ألا نتذكر البابا فرنسيس، ونحن نقترب من السنة الأولى لرحيله. فقد قال من المستشفى في 2 آذار 2025، وببساطة لافتة: «من هنا تبدو الحرب أكثر عبثية». فمن الفضاء تبدو الأرض واحدة؛ ومن مكان المرض تبدو الحرب بلا معنى. وفي الحالتين، لا تتغيّر الحقيقة، بل تتضح الرؤية، وكأن المسافة تسمح لنا برؤية ما تحجبه القُرب.

 

وقد ذهب البابا فرنسيس أبعد من ذلك عندما تأمل قائلاً: «إن هشاشة الإنسان تملك قدرة على جعلنا أكثر وعيًا بما يدوم وما يزول». وهي عبارة تكتسب صدى خاصًا اليوم، إذ تضع الإنسان أمام حقيقة مزدوجة: ضعفه من جهة، وقدرته على الفهم العميق من جهة أخرى.

 

 

حقيقة تُرى من بعيد

 

ما وصفه قبل أيام رائد الفضاء غلوفر، وقبل نحو عام البابا فرنسيس، ليس سوى تعبيرين مختلفين عن حقيقة واحدة: عندما نبتعد عن مركز الأشياء، أو نُجبر على إعادة النظر فيها، نبدأ برؤيتها بشكل أصدق، لا لأن العالم تغيّر، بل لأننا نحن تغيّرنا.

 

وهنا، تحديدًا، تتجلّى رسالة عيد الفصح في معناها الأعمق. فالفصح ليس مجرد مناسبة دينية، بل دعوة إلى تغيير زاوية النظر: إلى رؤية الحياة من بعدٍ أوسع، حيث لا تكون الانقسامات هي الحقيقة النهائية، ولا الألم هو الكلمة الأخيرة.

 

من على بُعد مئات آلاف الكيلومترات من الأرض، رأى إنسان الأرض ككيان واحد. ومن سرير المرض، رأى آخر عبثية الحروب. وبين هاتين الرؤيتين، تبرز حقيقة بسيطة وعميقة: أن ما يوحّدنا أكبر بكثير مما يفرّقنا، وأن ما يدوم لا يُرى دائمًا من القرب، بل يحتاج أحيانًا إلى مسافة… كي يظهر بوضوح.