موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
منذ الصفحات الأولى في الكتاب المقدس، يكشف الله عن قانون روحي ثابت يحكم علاقة الإنسان به: «الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة» (يعقوب 4: 6؛ 1 بطرس 5: 5). وهذا ليس مجرد تعليم أخلاقي عابر، بل مسيرة إلهية ممتدة عبر التاريخ كله، منذ سقوط آدم وحتى يومنا هذا.
فالكبرياء كان في جوهره بداية السقوط الأول. لم يسقط آدم وحواء بسبب الرغبة في الطعام فقط، بل بسبب إغراء الارتفاع الذاتي والاستقلال عن الله: «تصيران كالله» (تكوين 3: 5). ومنذ تلك اللحظة، صار الكبرياء جرح البشرية العميق، بينما أصبح التواضع طريق العودة إلى حضرة الله.
وعبر العهد القديم تتكرر الصورة ذاتها بصورة مدهشة. فقايين ارتفع قلبه فسقط في الحسد والقتل، بينما قُبلت ذبيحة هابيل المتواضعة. وبرج بابل كان محاولة لصناعة مجد أرضي مستقل عن الله، فانتهى بالتشويش والانقسام. أما إبراهيم، فحين خرج مطيعًا دون أن يعرف إلى أين يذهب، صار أبًا للمؤمنين.
وفرعون الذي قال بتكبر: «من هو الرب حتى أسمع لقوله؟» انتهى منكسرًا أمام البحر، بينما موسى الذي وصفه الكتاب بأنه «حليم جدًا أكثر من جميع الناس» صار قائد الخروج وصديق الله.
وجليات العملاق سقط، بينما داود الراعي المتواضع ارتفع.
ونبوخذنصر الذي افتخر بعظمته أُذل حتى اعترف أن «العلي متسلط في مملكة الناس» (دانيال 4: 32).
وفي المقابل، كانت حنّة المنكسرة في صلاتها تسبّح قائلة: «الرب يرفع المسكين من المزبلة ليجلسه مع الشرفاء» (1 صموئيل 2: 8).
ثم يأتي العهد الجديد ليكشف قمة هذا الإعلان، ليس فقط في التعليم، بل في شخص السيد المسيح نفسه. فابن الله لم يدخل العالم في قصور الملوك، بل وُلد في مذود، وعاش ببساطة، وغسل أرجل تلاميذه، ثم «أخلى ذاته» (فيلبي 2: 7). وهكذا صار التواضع ليس مجرد فضيلة، بل إعلانًا عن قلب الله نفسه.
ومن هنا نفهم لماذا خُلِّدت كلمات المنسحقين في الإنجيل والليتورجيا الكنسية. فالكنيسة عبر القرون لم تحفظ كلمات الأقوياء والمتكبرين، بل حفظت صلوات المنكسرين الذين عرفوا حقيقتهم أمام الله.
يبدأ هذا المسار مع القائد الروماني (متى 8: 5-13؛ لوقا 7: 1-10)، وهو رجل سلطة وهيبة، لكنه يقف أمام المسيح قائلاً: «يا رب، لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فيبرأ غلامي».
العجيب أن هذا القائد، الذي اعتاد أن يعطي الأوامر، أدرك أن سلطان المسيح يفوق كل سلطان بشري. لقد فهم أن كلمة واحدة من الرب تكفي للشفاء والخلاص. ولهذا لم تبقِ الكنيسة عبارته داخل حدود القصة الإنجيلية، بل أدخلتها إلى قلب القداس، ليعترف المؤمن قبل التناول أنه غير مستحق لدخول المسيح إلى “بيت قلبه”، لكنه يثق بقوة الكلمة الإلهية.
ثم يظهر يوحنا المعمدان في (يوحنا 1: 27-29؛ متى 3: 11)، ذلك النبي العظيم الذي هزّ اليهودية كلها بصوته، لكنه يقول: «لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه».
كلما اقترب يوحنا من المسيح، صغر في عيني نفسه. وهذا هو سر القداسة الحقيقي: فالقريب من الله لا يشعر بالعظمة بل بالانسحاق.
ومن عمق هذا التواضع خرج الإعلان الأعظم: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم». وكأن التواضع فتح عينيه ليرى ما لم يره الآخرون. لذلك أصبحت هذه العبارة قلب الليتورجيا الإفخارستية في الكنيسة.
ثم ننتقل إلى أليصابات في (لوقا 1: 41-45)، المرأة التي عرفت مرارة العقم وسنوات الانتظار، لكنها حين امتلأت من الروح القدس صرخت أمام العذراء: «مباركة أنتِ في النساء ومباركة ثمرة بطنك».
لم تنظر أليصابات إلى نفسها ولا إلى معاناتها، بل فرحت بعمل الله في غيرها. وهنا يظهر وجه آخر للتواضع: الإنسان المتواضع لا يغار من نعمة الآخرين بل يفرح بها. ولذلك دخلت كلماتها إلى صلاة “السلام عليكِ يا مريم”، لتصبح بركتها صلاة يومية في الكنيسة.
أما العذراء مريم ففي (لوقا 1: 38، 48) تمثل القمة الروحية للاتضاع، إذ تقول: «هوذا أنا أمة الرب»، ثم تعلن في تسبحتها: «لأنه نظر إلى اتضاع أمته».
العجيب أن أعظم دعوة في التاريخ -أن تحمل الكلمة المتجسد- ارتبطت بأعمق انسحاق. لم تتحدث العذراء عن استحقاقها، بل عن نعمة الله. ولهذا صارت “تطوبها جميع الأجيال”، وصارت كلماتها جزءًا من التسابيح اليومية، لأن الله يرفع من لا يرفع نفسه.
ثم يأتي بطرس الرسول في (لوقا 5: 8)، الذي بعد معجزة الصيد خرّ أمام المسيح قائلاً: «اخرج من سفينتي يا رب، لأني رجل خاطئ».
لقد اكتشف فجأة أن القداسة الإلهية تكشف ضعف الإنسان الداخلي. لكن المسيح لم يبتعد عنه، بل اقترب أكثر ودعاه ليكون "صيادًا للناس".
وهنا يتجلى سر مهم: الله لا يرفض المنكسرين بسبب ضعفهم، بل يبدأ عمله الحقيقي فيهم عندما يعترفون بهذا الضعف.
ثم نلتقي المرأة الخاطئة في (لوقا 7: 36-50)، التي دخلت بيت الفريسي ووقفت تبكي عند قدمي المسيح.
لا اسم لها في الإنجيل، لكن دموعها أصبحت أشهر من أسماء كثيرين. لقد غسلت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعرها، وكأنها تقدم توبة كاملة دون كلمات كثيرة.
وفي المقابل كان الفريسي ممتلئًا ببره الذاتي. ولذلك خرجت المرأة مبررة بينما بقي الفريسي أسير كبريائه.
إن الكنيسة حفظت دموع هذه المرأة لأنها تكشف أن الطريق إلى الغفران يبدأ بانكسار القلب.
ثم تظهر المرأة الكنعانية (متى 15: 21-28)، التي واجهت صمت المسيح أولًا، ثم اختبارًا صعبًا، لكنها تمسكت برحمته قائلة: «حتى الكلاب تأكل من فتات المائدة».
لم يكن هذا إذلالًا للكرامة، بل إعلانًا أن رحمة الله أهم من كبرياء الإنسان. ولذلك قال لها المسيح: «يا امرأة، عظيم إيمانك».
وفي (يوحنا 20: 11-18) تظهر مريم المجدلية تبكي عند القبر الفارغ.
كانت دموعها تمنعها من رؤية القائم، لكنها في الوقت نفسه كانت دليل محبتها العميقة. ولهذا كانت أول من سمع صوت المسيح القائم، وأول من أُرسل ليعلن القيامة للرسل.
فالقيامة أُعلنت أولًا لقلب منكسر قبل أن تُعلن للعقول المتشككة.
وفي سفر أعمال الرسل (أعمال 7: 54-60)، يقف استفانوس تحت وابل الحجارة قائلاً: «يا رب، لا تُقم لهم هذه الخطية».
حتى في لحظة الموت لم يتمسك بحقه الشخصي، بل تشبّه بالمسيح الغافر على الصليب.
إن الإنسان المتواضع لا يعيش للدفاع المستمر عن ذاته، لأنه يسلّم قضيته لله.
ثم نصل إلى شاول الطرسوسي (أعمال 9؛ 1 كورنثوس 15: 9؛ 2 كورنثوس 12: 10)، الذي كان واثقًا من علمه وبره، لكن لقاء المسيح أسقطه أرضًا.
ومنذ ذلك اليوم تغيّرت لغته بالكامل: «أنا أصغر الرسل… أول الخطاة أنا».
ثم يصل إلى ذروة النضج الروحي بقوله: «حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي».
لقد اكتشف أن النعمة لا تسكن في الإنسان الممتلئ بذاته، بل في الإنسان الذي يعرف احتياجه الكامل لله.
أما يوحنا الرسول فلم يكن يذكر اسمه غالبًا في إنجيله، بل يصف نفسه: «التلميذ الذي كان يسوع يحبه» (يوحنا 21: 20).
وكأن هويته لم تعد قائمة على اسمه الشخصي بل على محبة المسيح له.
ويظهر العشار في (لوقا 18: 13) وهو لا يجرؤ أن يرفع عينيه نحو السماء، بل يقرع صدره قائلاً: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».
هذه الصلاة القصيرة أصبحت من أعظم صلوات الكنيسة، لأنها تخرج من قلب يعرف حقيقته أمام الله.
وفي اللحظات الأخيرة على الصليب، يقول اللص اليمين في (لوقا 23: 42): «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك».
لم يقدم أعمالًا ولا تبريرات، بل مجرد انسحاق ورجاء. فجاءه الجواب الإلهي: «اليوم تكون معي في الفردوس».
وأخيرًا، في سفر الرؤيا (رؤيا 4: 10)، يلقي الأربعة والعشرون شيخًا أكاليلهم أمام العرش، وكأن السماء كلها تعلن أن كل مجد يعود لله وحده.
إن هذا المسار الكتابي كله يكشف حقيقة مذهلة:
كل الذين رفعهم الله كانوا أشخاصًا انحنوا أولًا أمامه.
أما المتكبرون -من فرعون إلى الفريسي إلى هيرودس- فقد سقطوا لأنهم امتلأوا بذواتهم.
فالتواضع في المسيحية ليس ضعفًا نفسيًا ولا احتقارًا للذات، بل رؤية صحيحة لله وللنفس.
هو إدراك أن الإنسان بدون النعمة فقير، ومع النعمة يستطيع كل شيء.
ولهذا تبقى كلمات المنسحقين حيّة في الإنجيل والقداس والصلوات، لأن الله نفسه جعل من أصواتهم ترنيمة أبدية تتردد في الكنيسة عبر العصور.