موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ١٧ أغسطس / آب ٢٠٢٦
الطاعة لرعاة الكنيسة

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

الطّاعة سمة إنسانيَّة إذ يجد الإنسان نفسه أمام مرجعيات يعتمد عليها ويخضع لها في مجال علاقاته الشَّخصيَّة. فهو كمخلوق يطيع بطبيعة وجوده الآخرين وهذا واضح جدًّا في المقام الأوّل في طاعته للحياة ولطبيعة؛ وكل إنسان يمارس هذه الطّاعة عندما يتكيف مع البيئات المختلفة الَّتي تنطوي على استغناء العديد من الخيارات والقيام بأعمال قد لا تتفق مع وضعه. فالإنسان مطيع بطبيعته لأنَّه موجه دائمًا نحو الحقيقة، يتحرك للبحثّ عن المطلق «وجهك، يا رب أسعى» (مز 16، 8)، هذا البحثّ المستمر عن المطلق وعن إيجاد الحلول لمجموعة من الأسئلة ذات الطَّابع الأنثروبولوجي والأخلاقيّ يقتضي أن يعتمد الإنسان على شخص ما، وبالتالي هذا ما نسميه الخضوع للطاعة. ليس من منطلق المصلحة، خوف عبد، أو عاطفة إنسانية، لكنَّ هي اتّحاد إرادة الإنسان مع الإرادة الإلهيّة.

 

للأسف، اليوم هناك سوء فهم لمعنى الطّاعة، المرادفة أحيانا لمفهوم التذلل، وخوف الإنسان من السُّلطة يهيمن على التأكيد بالحقيقة الإلهيّة. المقاومة لأوامر غير قانونيَّة في بعض الأحيان هو واجب نحو الله ونحو القريب الَّذي يحتاج لأفعال مثاليَّة من الأخلاق. «فمن دخل في الكنيسة وأصبح جزءًا منها بفعل سرّ المعموديَّة لا يستطيع «أن يعفي نفسه من واجب الطّاعة الَّتي تمتد للتعاليم المذهبيَّة وللأوامر التنظيميَّة، والتي تعتبرها الكنيسة كجزء متكامل لعضويتها».

 

ترتبط الطاعة في العهد القديم ارتباطًا جوهريًا بفعل الاستماع؛ لا بمعنى السماع المجرّد أو السماع المتبرّم، بل بمعنى القبول المحبّ للكلمة الإلهية. فالفعل العبري šāma‘ يتكرّر في النص العبري للكتاب المقدّس نحو 1159 مرّة، ولا سيّما في سفر التثنية، حيث تتجلّى ذروة هذا التعليم في النداء الشهير: "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ…» (تثنية 6: 4). هذا الاستماع ليس عملية ذهنية فحسب، بل هو فعلٌ يتمّ في القلب، لأنّ القلب هو موضع الحبّ والقرار. ومن هنا يقدّم الكتاب المقدّس، خلافًا لثقافتنا المعاصرة التي تمجّد العين، أولوية الأذن بوصفها باب الدخول إلى العلاقة مع الله، لأنّ الأذن هي أداة الإصغاء، والإصغاء هو بداية الطاعة. ويعبّر النبي إشعيا عن هذا البعد الروحي العميق بقوله: "السَّيِّدُ الرَّبُّ فَتَحَ لِي أُذُنًا، وَأَنَا لَمْ أَعْصِ وَلَمْ أَرْتَدَّ" (إشعيا 50: 5). أما المزمور فيقدّم صورة رمزية بليغة: "أُذُنَيْنِ حَفَرْتَ لِي" (مزمور 40: 6). هذه الصورة تحمل بُعدين لاهوتيين مهمّين: 1-الحفر أو التنقيب: أي أنّ كلمة الله تشقّ طريقها من الخارج إلى الداخل، لتبلغ القلب حيث تُتَّخذ القرارات المصيرية. إنّه الإصغاء الذي ينفذ إلى عمق الضمير. 2-أذن العبد المثقوبة: وهي علامة الانتماء الكامل للسيد، بحسب العرف القديم. فالعبد الذي يختار البقاء مع سيده تُثقب أذنه علامة ولاء دائم. وهكذا يصبح الإصغاء علامة الانتماء الحرّ لله.

 

في العهد القديم، لا يُرى الله، لكن يُسمَع. فاللقاء بالله يتمّ عبر الكلمة، كما في خبرة موسى: "فَنَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ…" (خروج 3: 4). ومن يصغي إلى الله يطيعه، لأنّ الله هو «الصَّخْرَةُ الَّتِي كَمَلَ فِعْلُهُ» (تثنية 32: 4)، أي الإله الأمين الذي لا يخون عهده.

 

الطاعة إذن هي لقاء بين أمانتين: 1-أمانة الله لنفسه وكلمته، 2-وأمانة الإنسان لله عبر الإصغاء الحرّ. ويتجلّى هذا اللقاء في دعوة النبي إرميا، حين يريه الربّ شجرة اللوز. فاللوز في العبرية šāqed يعني «الساهر»، فيقول الربّ: «إِنِّي سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لأُجْرِيَهَا» (إرميا 1: 12). فالطاعة هي مشاركة الإنسان في هذا «السهر الإلهي» على الكلمة. ويُختَتم هذا المنهج الروحي بجواب الشعب في العهد القديم، وهو جواب يعبّر عن التزام الطاعة قبل الفهم الكامل: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ" (خروج 24: 7). إنها طاعة مبنيّة على الثقة، لا على المعرفة المسبقة.

 

يقدّم العهد الجديد مفهوم الطاعة بوصفه ثمرةً طبيعيّةً لـ الاستماع إلى كلمة الله وحفظها. فالفعل اليوناني hypakouō (يُطيع) والاسم hypakoē (طاعة) مشتقّان من الفعل akouō (يسمع)، ما يكشف أن الطاعة ليست مجرّد خضوع خارجي، بل هي استماع متواضع، يقظ، وخاضع للحقّ الإلهي. فالطاعة في جوهرها هي الإصغاء الذي يتحوّل إلى التزام. تُظهر الأناجيل يسوع في حالة دائمة من البحث عن إرادة الآب وتحقيقها. فإرادة الآب هي غذاؤه الروحي الذي يمنحه الحياة، كما يقول: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 4: 34). هذا الإصغاء المستمر يقوده إلى إتمام رسالته الخلاصية، وفي هذا السياق يتّخذ صورة الخادم المطيع: "أَخْلَى نَفْسَهُ… وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ" (فيلبي 2: 7-8). فالطاعة هنا ليست تنازلاً، بل هي تعبير عن هوية الابن الذي يهب ذاته بالكامل للآب في خضوع حرّ وواعٍ لمشيئته.

 

عندما أوكل يسوع إلى تلاميذه مهمة التبشير، قال لهم: "مَنْ يَسْمَعْ مِنْكُمْ يَسْمَعْ مِنِّي، وَمَنْ يَرْفُضْكُمْ يَرْفُضْنِي" (لوقا 10: 16). لم يكن يسوع يرفع مقام الرسل لذواتهم، بل ليُظهر أن الكلمة التي يحملونها هي امتداد لصوته هو نفسه. لذلك، فإن الإصغاء إلى تعليم الكنيسة هو دخول في علاقة حيّة مع المسيح، والابتعاد عنه هو ابتعاد عن مصدر الحياة. وفي زمن تتعدّد فيه الأصوات وتتداخل فيه الآراء، تصبح الطاعة للرعاة فعلًا من التمييز الروحي الذي يحفظ القلب من الضياع، ويثبّت المؤمن في الإيمان. إنها طاعة مبنيّة على المحبة، تُنير العقل، وتهذّب الإرادة، وتفتح أمام المؤمن طريقًا آمنًا نحو ملء الشركة مع الله. فالرعاة ليسوا معلّمين بشريين فحسب، بل هم حملة كلمة الله، ومؤتمنون على صوت المسيح العامل فيهم.

 

تبلغ الطاعة ذروتها في مشهد بستان الزيتون، حيث يعلن يسوع: "لَكِنْ لَا تَكُنْ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" (لوقا 22: 42). هذا الموقف يكشف أن الطاعة هي دخول في علاقة ثقة مطلقة بالله، وقبول حرّ لمشيئته حتى عندما تكون صعبة أو تتطلّب تضحية. ويؤكّد يسوع هذا البعد بقوله: "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَا لِأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 6: 38). فالطاعة هي جوهر هوية المسيح كابن، وهي الطريق الذي يتحقّق به الخلاص.

 

تقدّم مريم العذراء نموذجًا فريدًا للطاعة الإيمانية. فقولها: "لِيَكُنْ لِي كَمَا قُلْتَ" (لوقا 1: 38) هو انفتاح كامل على عمل الله، وثقة بقدرته، واستعداد للدخول في مشروعه الخلاصي. وتؤكّد أليصابات هذا البعد بقولها: "طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ سَيَتِمُّ" (لوقا 1: 45). طاعة مريم ليست قبولًا خارجيًا، بل هي فعل إيمان عميق يفتح الباب أمام تجسّد الكلمة، ويجعلها نموذجًا للطاعة التي تُثمر حياة جديدة.

 

دعا القدّيس بولس الرسول جميع رؤساء الكنائس إلى الطاعة، وأن يكونوا أمناء لتعاليم الربّ يسوع المسيح، محافظين عليها وناقلين لها بأمانة إلى الآخرين. وهذه الأمانة الرسوليّة تتطلّب، من جهة المؤمنين، واجب اتّباع رعاتهم من خلال قبول تعاليمهم والخضوع لتوجيهاتهم، لأن العلاقة بين الراعي والرعيّة تقوم على الثقة المتبادلة وعلى الإيمان بأن الروح القدس يعمل في الكنيسة من خلال خدامها. ومن هنا، يصبح من الصواب أن تتوخّى السلطة الكنسيّة الحذر الشديد في حفظ نقاء التعليم، وأن تحمي مؤمنيها من أي خطر قد يهدّد إيمانهم أو يزرع في قلوبهم الشكّ والارتباك. ويربط القدّيس بولس مفهوم الإيمان بالطاعة، إذ إن الإيمان في جوهره فعل طاعة، هو ثقة بمن يوحي ويكشف، وقبول لكلمة الله التي تتجاوز حدود العقل البشري. وعندما نتحدّث عن الإيمان الإلهي أو اللاهوتي، نكون أمام حقيقة لا يستطيع الإنسان بلوغها بقواه الطبيعيّة، لأن الحقيقة الإلهيّة ليست ثمرة بحث فلسفي أو استنتاج عقلي، بل هي وحيٌ من الله نفسه، يتطلّب أن يأخذ الله المبادرة ويمنح قلب المؤمن نعمة تساعده على الاعتقاد. وفي هذا السياق، يؤكّد بولس في رسالته إلى أهل رومة: "لا سُلْطَةَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ" (رو13، 1)، ما يعني أنّ كلّ سلطة شرعيّة تستمدّ وجودها من الله، وأن ممارسة السلطة ليست مجرّد وظيفة اجتماعية أو تنظيم بشري، بل هي مشاركة في التدبير الإلهي الذي يعمل في التاريخ من أجل خلاص الإنسان. ومن هذا المنطلق، تصبح الطاعة للسلطة الشرعية، عندما تعمل وفق الحقّ والعدل، طاعة لله الذي أقامها، لأن النظام الأخلاقي والاجتماعي ليس منفصلًا عن إرادة الله، بل هو جزء من مشروعه الخلاصي الذي يهدف إلى حفظ النظام والخير العام، ويضمن أن يسير المجتمع في انسجام مع القيم التي أرادها الله للإنسان منذ البدء. وهكذا، تتجلّى الطاعة المسيحية كفعل إيمان، وثقة بالله، وقبول لتدبيره، والتزام بنظامه الذي يهب الحياة ويصون الجماعة.

 

تقدّم الفقرة25  من الدستور العقائدي نور الأمم إحدى أهم الصياغات اللاهوتية في المجمع الفاتيكاني الثاني حول طبيعة السلطة التعليمية في الكنيسة وواجب الطاعة لها: "أمّا المؤمنون فعليهم أن يتمسّكوا بالرّأي الّذي يعبّر عنه أساقفتهم، باسم المسيح، في موضوعي الإيمان والأخلاق كما عليهم أن يعتنقونه بروح الخضوع الدّينيّ. ويتطلّب هذا الرّضى، رضي الإرادة والعقل الدّينيّ بنوعٍ خاصٍّ لتعليم الحبر الرّومانيّ الأصيل وإن لم يتكلّم بصورة رسميّة، وهذا يقتضي اعترافًا محترمًا لسلطته التّعليميّة المطلقة، واعتناقا مخلصًا لأحكامه، وفقأ لفكرة وإرادته، الّتي يمكننا استنتاجها بنوعٍ خاصٍّ من شكل الوثائق، أو من التّشديد في تقديم التّعليم عينه، وأمّا من صيغةٌ التّعبير. وإن لم يتمتّع الأساقفة كلٍّ بمفرده بامتياز العصمة، فإنّهم، وإن كانوا منتشرين في العالم ومحافظين مع ذلك على رباطٍ الشّركة في ما بينهم ومع خليفة بطرس، يعبّرون بصورة معصومةٌ عن تعليم المسيح، عندما يعلمون تعليمًا أصيلًا يختصّ بالإيمان والأخلاق، موحّدين كلمتهم كي يعترف بها بصورةٍ مطلقة". النصّ لا يتحدّث عن طاعة شكلية أو إدارية، بل عن خضوع ديني (obsequium religiosum) موجّه إلى التعليم الذي يقدّمه الرعاة باسم المسيح، بوصفهم شهودًا للتقليد الرسولي وحاملين لسلطان التعليم في الكنيسة.

 

يبدأ النصّ بتحديد أن المؤمنين مدعوون إلى التمسّك بما يعلّمه الأساقفة «باسم المسيح» في موضوعات الإيمان والأخلاق. هذه العبارة تحمل دلالة لاهوتية أساسية: فالأسقف لا يعلّم من ذاته، بل يعلّم بصفته مشاركًا في خدمة المسيح الراعي والمعلم. وبالتالي، فإن الطاعة للأسقف ليست طاعة لشخصه، بل طاعة للمسيح الذي يعمل من خلاله. هذا ما يجعل الطاعة هنا فعلًا إيمانيًا، لا مجرّد امتثال خارجي. والنصّ يميّز بين التعليم الرسمي المعصوم والتعليم الأصيل غير المعصوم. فحتى عندما لا يتكلّم الحبر الروماني بصورة رسمية (أي خارج إطار التعريفات العقائدية المعصومة)، فإن تعليمه الأصيل يستوجب "رضى الإرادة والعقل الديني"، أي قبولًا حرًا ومسؤولًا ينبع من الثقة بسلطته التعليمية العليا. ويشدّد النص على أن هذا القبول لا يقوم على العصمة الشخصية في كلّ ما يقوله البابا، بل على دوره الفريد كخليفة بطرس، وعلى مسؤوليته في تثبيت الإخوة في الإيمان. أما الأساقفة، فيوضح النص أنهم لا يتمتّعون بالعصمة كلٌّ بمفرده، لكنهم عندما يعلّمون تعليمًا أصيلًا في الإيمان والأخلاق، وهم متحدون فيما بينهم ومع الحبر الروماني، فإنهم يقدّمون تعليمًا معصومًا. هذا المبدأ هو التعبير العملي عن العصمة في جماعة الأساقفة (magisterium ordinarium universale)، حيث يعمل الروح القدس في وحدة الكلمة، لا في فردية الأشخاص. فالعصمة هنا ليست خاصية نفسية للأساقفة، بل هي ثمرة الشركة الأسقفية التي تعبّر عن حضور المسيح في جسده. وهكذا، يضع نور الأمم (25) الأساس اللاهوتي لفهم الطاعة الكنسية بوصفها مشاركة في طاعة المسيح نفسه للآب، وفي وحدة الكنيسة التي يقودها الروح القدس عبر سلطتها التعليمية، من أجل حفظ الإيمان وخلاص النفوس.

 

يُظهر الشرع الكاثوليكي -اللاتيني والشرقي-هذا البعد بوضوح، مع اختلاف في الأسلوب القانوني الذي يعكس خصوصية كلّ تقليد. ففي الشرع اللاتيني، يقدّم السلطة الكنسية ضمن بنية هرمية واضحة، حيث يُنظر إلى الأسقف بوصفه صاحب السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في أبرشيته، وينصّ القانون 381 بند 1 على أنّ «الأسقف الأبرشي يتمتّع في أبرشيته بكلّ السلطة الاعتيادية اللازمة لممارسة مهمّته الرعوية»، فيمارس سلطته باسم المسيح، لا باسم جماعة بشرية. ويُبرز أيضًا أن السلطة تُمارَس ضمن علاقة طاعة من قبل المؤمنين، إذ ينصّ القانون 212 بند 1 على أنّ «المؤمنين ملزمون باتّباع ما يقرّره الرعاة المقدّسون بوصفهم ممثّلين للمسيح». وهنا يظهر البعد اللاهوتي للسلطة، فهي ليست امتيازًا بشريًا بل مشاركة في سلطان المسيح الراعي، الذي يعمل من خلال رعاته لأجل خير النفوس وخلاصها.

 

أمَّا الشرع الشرقي فيُظهر طبيعة السلطة الكنسية من خلال نصوص تُبرز البعد الجوهري للشركة بين المؤمنين والرعاة، إذ يرد في القانون 7 أنّ «جميع المؤمنين ملزمون بالمحافظة على الشركة مع الكنيسة، وباتباع ما يقرّره الرعاة المقدّسون»، وهو نصّ يكشف أن ممارسة السلطة ليست فعلًا فرديًا أو إداريًا، بل تتم داخل علاقة شركة حيّة تُعبّر عن هوية الكنيسة الشرقية التي ترى في الجماعة الأسقفية مصدرًا أساسيًا للسلطة. فالسلطة هنا ذات طابع جماعي، تُمارَس عبر السينودس والمجلس الدائم والبطريرك والأساقفة، في إطار يضمن وحدة الإيمان وتناسق الخدمة.

 

لذلك، تُفهم الطاعة والشركة في البنية الكنسية بوصفهما عنصرين متلازمين يُحدِّدان هوية الكنيسة ورسالتها، بحيث لا تُمارَس الطاعة خارج إطار الشركة، ولا تتحقّق الشركة من دون طاعة إيمانية تُعبّر عن وحدة الجسد. فالطاعة، في معناها الكنسي، ليست خضوعًا تنظيميًا ولا علاقة سلطة عمودية، بل هي فعل إيماني يقوم على الاعتراف بأنّ الروح القدس يعمل في الكنيسة عبر تنوّع المواهب والخدمات، وأنّ الرعاة يمارسون خدمتهم بوصفهم شهودًا للوحي وحافظين لوحدة الإيمان. فالشرع الكنسي يفرض على الرعاة واجبًا موازيًا: أن يمارسوا سلطتهم بروح الخدمة، وأن يصدروا قراراتهم وفقًا للعدالة والرحمة، وأن يصغوا إلى المؤمنين، وأن يراعوا ظروفهم وحقوقهم. وهكذا، فإنّ الطاعة القانونية ليست علاقة قوة، بل علاقة مسؤولية متبادلة، تُمارَس داخل إطار من الضمانات القانونية التي تحمي المؤمن من التعسّف، وتحمي الكنيسة من الانقسام.

 

ومن ثمّ، فإنّ الطاعة تُمارَس داخل الشركة، لا كقيد على حرية المؤمن، بل كوسيلة لحفظ وحدة التعليم والعبادة والتدبير. ولهذا، يقرّ الشرع الكنسيّ بحقّ المؤمنين في إبداء الرأي في ما يخصّ الخير العام للكنيسة، وبحقّهم في تقديم العرائض، وبحريتهم في التعبير في الأمور التي تُترك للرأي الحر. هذه الحقوق ليست استثناءً على الطاعة، بل هي جزء من بنيتها، لأنّ الطاعة في الكنيسة ليست صمتًا، بل مشاركة؛ وليست انغلاقًا، بل حوارًا؛ وليست إلغاءً للشخص، بل إدماجًا له في مسيرة التمييز الكنسي. ومن ثمّ، فإنّ الطاعة تُمارَس في مجال حقائق الإيمان والأخلاق والتعليم الأصيل، بينما تُمارَس حرية الرأي في المجالات الرعوية والتنظيمية والثقافية والاجتماعية التي تتركها الكنيسة للاجتهاد المشروع. وهكذا، تتكامل الطاعة والشركة في رؤية تجعل من الكنيسة جسدًا واحدًا: الطاعة تحفظ وحدته، والشركة تحفظ حيويته، وكلاهما يُمارَس بروح الحرية المسؤولة التي تُتيح للمؤمن أن يشارك في بناء الكنيسة دون أن ينفصل عن تعليمها الأصيل أو عن بنيتها الرسوليّة.

 

وهكذا تتكامل الطاعة والشركة والهرمية في بنية واحدة، تُظهر أن الخدمة الكنسية، رغم طابعها الهرمي، هي في جوهرها خدمة للإنسان ولخير الجماعة، وأن الخادم، المأخوذ من بين الناس ولأجل الناس، يمارس سلطته بوصفها مشاركة في خدمة المسيح نفسه. في الواقع، تجد مشورة الطّاعة الإنجيليَّة معناها في ضوء حياة الرَّب، موته وقيامته، من أجل افتداء البشريَّة. ليست الطّاعة محض إتمام القانون، إنَما هي مشاركة مع طاعة المسيح، وهذا يشمل بالضرورة العلاقة معه، علاقة حية، تجعل رسالة المسيح مستمرة في الزمان. بهذه المشاركة في حياة المسيح، نكتشف تدريجيا أن طاعة المسيح تخصّ رسالته: «فلا يمكن فهم وتكوين صورة المسيح، دون الانتباه إلى المعالم الأساسيَّة الَّتي تتخّذ فيه تحقيق مشيئة الآب، أي الطّاعة، الَّذي يجعله ينحني للخدمة أولا، وثم يرفعه إلى مجد الآب السماوي نفسه». يوضّح البابا الطوباوي القديس بولس السادس إلى ضرورة الطّاعة في الكنيسة: «تحتاج الكنيسة إلى الطّاعة. نعم، أبنائي وبناتي، الَّذين يحبون الكنيسة: الطّاعة. وحتَّى أكثر من الطّاعة الظاهريَّة السلبيَّة والعمليَّة، الداخليَّة وعفويَّة روح الطّاعة [...] كيف يتجدد روح، أعمال وهيكليّات في الكنيسة، إذا لم تكن صلبة مع نفسها؟».