موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٩ أغسطس / آب ٢٠٢٦
روحانية إيليا على جبل الكرمل: من التجلي إلى واقعنا اليوم
تأمل للمطران يوسف متّى، رئيس أساقفة عكا وسائر الجليل

Emiliano Eusepi :

 

في العشرين من تموز، اجتمعت الجماعة المسيحية في الجليل للصلاة على جبل الكرمل احتفالًا بعيد القديس إيليا النبي، قبل أن تتجه الأنظار مجددًا، في السادس من آب، نحو جبل طابور بمناسبة عيد تجلي الرب.

 

ويُعدّ إيليا واحدًا من أكثر الشخصيات تبجيلًا في التقليد الكتابي والإنجيلي، ويحظى بمكانة خاصة لدى مؤمني الشرق الأوسط والجليل. وتصفه الليتورجيا البيزنطية بأنه «الكوكب النيّر، وراكب المركبة النارية، والملاك بالجسد المتقد غيرة إلهية، وقاهر الكفر، وموبّخ الأثمة، ومرشد الأنبياء».

 

ويرتبط النبي إيليا ارتباطًا وثيقًا بجبل الكرمل، ذلك المرتفع المقدس المطلّ على مدينة حيفا، والذي تنكشف منه روعة الجليل. فمن الكرمل دافع بغيرة عن الإيمان بالإله الواحد الحقيقي في مواجهة عبادة البعل، وبين صخوره كان يعتزل للصلاة.

 

غير أن حضوره إلى جانب موسى في حدث تجلي الرب يكشف بصورة خاصة أهمية إيليا بوصفه نبيًا، ويدعونا إلى التأمل في مجد المسيح. فمن مرتفعات الكرمل إلى نور طابور، تواصل شخصية إيليا الإشارة إلى نور الله الذي ينتصر على ظلمات الليل والضلال.

 

 

حيّ هو الرب الذي أنا واقف أمامه

 

ولفهم راهنية رسالة النبي إيليا بصورة أعمق، قدّم المطران يوسف متّى، رئيس أساقفة عكا، الذي تشمل رعايته حيفا والناصرة وسائر الجليل، تأملًا بمناسبة عيد القديس إيليا، انطلق فيه من الآية الكتابية: «حيّ هو الرب إله إسرائيل الذي أنا واقف أمامه» (1مل 17: 1). ويظهر النبي إيليا، رجل جبل حوريب الذي لا يذكر الكتاب المقدس والديه، كما لو أنه صوت الله نفسه في زمن الظلمة.

 

ويقول المطران متّى: «ظهر فجأة في عهد الملك آحاب، الذي قاد شعب إسرائيل إلى عبادة البعل، متحديًا انحراف السلطة الدينية والسياسية، وما نتج عنه من تشويه للإيمان الحقيقي بالله. فالإيمان لا يقوم على المظاهر، بل يتجلى في الأعمال والحقيقة والعدالة».

 

ولم يكن إيليا نبيًا بالكلمات فحسب، بل بالأعمال والشجاعة أيضًا. فعندما ضرب الجفاف البلاد وانتشرت عبادة الأوثان، وقف وحيدًا في مواجهة سلطات زمانه، مظهرًا أن «إيمان إيليا لم يكن نظريًا، بل كان واقعيًا وعميقًا. لقد آمن بأن الله هو الحياة والحق، وأنه لا تستطيع أي سلطة بشرية إسكات صوت الله. ولهذا امتلك الشجاعة لمواجهة الملك آحاب وزوجته الملكة إيزابل، التي جسدت القمع الروحي والسياسي».

 

 

نبي قوي... عرف أيضًا الخوف والضعف

 

على جبل الكرمل، ابتهل إيليا إلى الرب طالبًا أن يستجيب بالنار. وأمام المعجزة، سقط الشعب على وجوههم معلنين أن الرب هو الله. لكن شخصية إيليا تكشف في الوقت نفسه هشاشة الإنسان وضعفه. ويلفت المطران متّى إلى أن «إيليا كان إنسانًا. فالأنبياء أيضًا يمكن أن يتعبوا ويخافوا».

 

فبعد الانتصار على جبل الكرمل، خاف إيليا من تهديدات إيزابل، فهرب إلى البرية وصلّى. وهناك، وسط ضعفه، اختبر حنان الله، الذي أطعمه وكلّمه في همس النسيم اللطيف، لا في النار ولا في العاصفة، وكأنه يقول له: «لا تخف، أنا معك». وهي رسالة طمأنينة لا تزال تتردد بقوة اليوم لدى مسيحيي الأرض المقدسة، كما لدى كل واحد منا: «لا تخافوا، أنا معكم. أنا رب الجنود والقوات. ثقوا».

 

 

نعيش في عالم يشبه كثيرًا زمن النبي إيليا

 

ويربط المطران متّى، في تأمله، بين زمن النبي إيليا والواقع المعاصر، قائلًا: «نعيش في عالم يشبه كثيرًا زمن النبي إيليا: فالسلطة تشوّه أحيانًا الحقيقة الإلهية وتغلق أمام الشعب أبواب العدالة؛ والإيمان يتعرض للسخرية أو الاضطهاد هنا وفي مختلف أنحاء أرضنا المقدسة؛ كما أن الضمير النبوي وطريق إعلان الإنجيل معرضان لأن يُفرضا عليهما الصمت».

 

لكن مثال النبي إيليا، بحسب المطران، يعلّمنا «أن الشجاعة الروحية واجب في مواجهة الانحراف عن الحقيقة، وأن الحقيقة لا تُقاس بالأعداد، بل بالإيمان والعمل المسؤول تحت إرشاد الكنيسة وحمايتها، وأن الله لا يتخلى عن أبنائه، بل يمنحهم القوة من العلى ليكونوا شهودًا للحقيقة».

 

 

أن نعيش اليوم بروح إيليا

 

وشدد رئيس أساقفة عكا على أن العيش اليوم على مثال إيليا يعني أن نكون «صوتًا للحقيقة في مجتمعنا، وفي عائلاتنا، وفي كنيستنا، وأن ندعمها وألا نهرب من مسؤولياتنا، وألا نخاف من قول الحقيقة بمحبة، حتى عندما يترتب على ذلك رفض أو تعب أو تحديات». إنه نداء إلى قول الحقيقة بمحبة، وإلى تذكّر أن الإنسان مدعو إلى أن «يقف أولًا في حضرة الله، قبل أن يقف أمام البشر».

 

واختتم المطران يوسف متّى تأمله أمام المؤمنين بصلاة يمكن لكل واحد أن يجعلها صلاته، طالبًا من الرب نعمة السير على مثال النبي إيليا: «يا رب، امنحنا قلبًا شبيهًا بقلب إيليا، لا يخاف الظلمة ولا يساوم على الحقيقة. أنر ضمائرنا وقوِّ شجاعتنا، لكي نبقى شهودًا لك في عالم يحتاج إلى صوت نبوي أصيل وصادق. آمين».