موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ٨ أغسطس / آب ٢٠٢٦
بيت والدي القديسة تريزا: مزار يحتضن العائلات في مختلف مراحل الحياة

أبونا :

 

في مدينة ألانسون الفرنسية، لا تزال قصة القديسين لويس وزيلي مارتان حيّة بعد أكثر من قرن على رحيلهما. فالبيت الذي شهد حياتهما العائلية وولادة ابنتهما القديسة تريزا الطفل يسوع، تحوّل اليوم إلى قلب رسالة رعوية تستقبل العائلات والأشخاص في مختلف ظروف حياتهم، وتستمد إلهامها من زوجين عاشا القداسة وسط تفاصيل الحياة اليومية.

 

 

زوجان أرادا التكريس... فقادتهما الدعوة إلى الزواج

 

قبل أن يلتقي أحدهما الآخر، كان كل من لويس وزيلي يفكر في حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي ستجمعهما لاحقًا. فقد أراد لويس مارتان (1823–1894) في شبابه الانضمام إلى رهبان القديس برنارد الكبير، لكنه لم يُقبل لعدم إتقانه اللغة اللاتينية بالمستوى المطلوب. فاتجه إلى العمل صانعًا للساعات وصائغًا، وتمكن من بناء حياة مهنية ناجحة.

 

أما زيلي غيران (1831–1877)، فكانت ترغب بدورها في تكريس حياتها للرب لدى بنات المحبة للقديس منصور دي بول، لكن وضعها الصحي حال دون قبولها. فاتجهت إلى صناعة الدانتيل، وبرعت فيها حتى أسست مشروعها الخاص.

 

والتقى الاثنان أثناء مرورهما على جسر سان ليونار في ألانسون. ثم أسهمت والدة لويس في التقارب بينهما بعدما تعرفت إلى زيلي وأُعجبت بصفاتها الإنسانية والروحية. وبعد خطوبة قصيرة، تزوجا مدنيًا مساء 12 تموز 1858، ثم احتفلا بزواجهما الكنسي عند منتصف الليل في كنيسة نوتردام.

 

 

تسعة أبناء وتجربة مؤلمة مع الفقدان

 

رُزق لويس وزيلي بتسعة أبناء، لكن أربعة منهم توفوا في طفولتهم في زمن كانت فيه وفيات الأطفال مرتفعة، ولم تبقَ على قيد الحياة سوى خمس بنات. كانت خسارة أطفالهم مصدر ألم عميق للعائلة، لكنها لم تفقد الزوجين ثقتهما بالله. وكانت زيلي تصلّي مرارًا لكي تصبح بناتها قديسات.

 

ومن بين بناتهما الصغرى القديسة تريزا الطفل يسوع، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر قديسي الكنيسة ومعلّمة لها، ووصفها البابا بيوس العاشر بأنها «أعظم قديسة في الأزمنة الحديثة». أما شقيقتها ليوني مارتان، التي دخلت دير الزيارة في كاين وحملت اسم الأخت فرنسواز-تيريز، فتسير هي الأخرى على طريق إعلان القداسة.

 

 

من بيت عائلة إلى مزار للعائلات

 

بالقرب من المنزل الذي عاش فيه آل مارتان ووُلدت فيه تريزا، أصبح مزار ألانسون اليوم مركزًا مهمًا للرعوية العائلية، يقصده حجاج من بلدان مختلفة. وتحظى قصة الزوجين مارتان بمكانة خاصة أيضًا في إيطاليا، ولا سيما أن المعجزة التي كانت حاسمة في إعلان تطويبهما عام 2008 ارتبطت بالطفل الإيطالي بيترو شيليرو.

 

ويتولى رئيس المزار، إلى جانب الرهبان وراهبات الكرمل رسولات الروح القدس ومتطوعين علمانيين مدرّبين، استقبال الحجاج وتنظيم البرامج الرعوية. ولا تقتصر هذه البرامج على نموذج واحد من العائلات، بل تشمل المخطوبين والأزواج والعائلات والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، في محاولة لمرافقة الإنسان في ظروف حياته المختلفة.

 

 

أبواب مفتوحة للأمهات والأجداد

 

وفي 12 تموز، اجتمع عدد من الأزواج على جسر سان ليونار، الذي بات يُعرف بـ«جسر اللقاء»، مستعيدين في المكان نفسه ذكرى اللقاء الذي جمع لويس وزيلي وبدأت منه قصة عائلتهما. ومن 10 إلى 16 آب، يخصص المزار أسبوعًا للأمهات اللواتي يتولين تربية أبنائهن بمفردهن، ويشمل البرنامج زيارة المزار، وجولات في ألانسون وريفها على خطى عائلة مارتان، إلى جانب القداديس وسهرات الصلاة ولقاءات التنشئة.

 

كما تُنظم نشاطات خاصة للأطفال بمشاركة الراهبات والمنشطين والإكليريكيين، إضافة إلى النزهات والرحلات. ومن 7 إلى 11 أيلول، ينتقل الاهتمام إلى الأجداد، من خلال «أسبوع التجدد» الذي يجمع بين الصلاة والتنشئة والراحة واللقاءات الأخوية.

 

وهكذا يواصل المكان المرتبط بوالدي القديسة تريزا الطفل يسوع الرسالة التي عاشها لويس وزيلي في بيتهما: أن القداسة لا تنفصل عن تفاصيل الحياة العائلية اليومية، بأفراحها وتعبها وفقدانها ومسؤولياتها، وأن البيت نفسه يمكن أن يصبح طريقًا إلى الله.