موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بعد أقل من شهرين على لقائها البابا لاون الرابع عشر في برشلونة، استعادت الشابة الإسبانية كارمينا سانتاماريا تيخادا تلك اللحظة التي غيّرت شيئًا عميقًا في داخلها. فبعد سنوات من الصراع مع الاكتئاب انتهت بمحاولة انتحار فاشلة، وصفت احتضان البابا لها بأنه «راحة للنفس» و«لحظة نعمة» أعادت إليها الرجاء، بعد رحلة طويلة من الألم انتهت بالعلاج، والإيمان، والموسيقى.
وفي حديث إلى فاتيكان نيوز، روت المعلمة البالغة من العمر 35 عامًا أنها شاركت في لقاء الشباب مع البابا لاون الرابع عشر في برشلونة في التاسع من حزيران الماضي، حيث قدّمت شهادتها أمام آلاف الشبان. وقالت إن البابا استمع إليها بمحبة، ثم احتضنها بحرارة، مضيفة: «كان احتضانًا صادقًا منحني سلامًا عميقًا، كما لو أن الحمل الثقيل الذي كنت أحمله قد اختفى. شعرت بأنني مفهومة ومقبولة، وكانت تلك لحظة استراحة لروحي».
وأوضحت كارمينا أن معاناتها مع الاكتئاب بدأت منذ مرحلة المراهقة، لكنها لم تتلقَّ العلاج المناسب في حينه. ومع جائحة كورونا ازدادت حالتها سوءًا، إذ كانت تتابع دراستها الجامعية بالتزامن مع عملها لساعات طويلة، حتى سيطر عليها شعور بأنها عديمة القيمة وتشكل عبئًا على الآخرين.
وقالت إن هذا الانهيار النفسي دفعها في نهاية المطاف إلى محاولة إنهاء حياتها، لكنها عندما استعادت وعيها أدركت أنها لا تريد الموت، بل كانت تحتاج إلى من يساعدها على مواجهة مرضها، معترفةً بأنها تأخرت كثيرًا في طلب المساعدة المتخصصة.
وأكدت أن رحلة التعافي لم تعتمد على العلاج النفسي وحده، ولا على الإيمان وحده، بل على تكاملهما معًا. وروت أنها كانت خلال أصعب مراحل حياتها تحرص على حضور القداس يوميًا، رغم شعورها بالعجز والانهيار.
وقالت: «كنت أبكي طوال القداس تقريبًا، لكن قبل أن أغادر الكنيسة كنت أقول: يا رب، إلى الغد... سأعود غدًا، وسأصمد يومًا آخر». وأضافت أن هذا الالتزام اليومي، إلى جانب العلاج، منحها القوة للاستمرار حتى بدأت تستعيد حياتها تدريجيًا.
وتعمل كارمينا معلمةً للغة الإنجليزية والموسيقى، مؤكدة أن الموسيقى كانت أيضًا جزءًا أساسيًا من رحلة شفائها. وقالت إنها كانت تمسك الغيتار كلما اشتدت عليها الأزمة، وترنّم، ولا سيما الترانيم المريمية، فتشعر بأن السلام يعود تدريجيًا إلى قلبها.
وأضافت أن الغناء والعزف لم يكونا مجرد هواية، بل مساحة للتعبير عن مشاعرها والصلاة في الوقت نفسه، الأمر الذي ساعدها على تجاوز كثير من لحظات اليأس.
وانتقلت كارمينا للحديث عن عملها مع الطلاب، معربة عن قلقها من تزايد معاناة الشباب النفسية، ولا سيما بعد جائحة كورونا. ورأت أن وسائل التواصل الاجتماعي تمنح كثيرين شعورًا زائفًا بأنهم محاطون بالأصدقاء، فيما يعيشون في الواقع عزلة عميقة.
وأضافت أن أخطر ما في الأمر هو أن كثيرين يخفون آلامهم خلف ابتسامة دائمة، وقالت: «في حالتي، لم يكن أحد يعلم أنني أعاني من الاكتئاب، لأنني كنت أبتسم دائمًا. قد تصبح الابتسامة جدارًا يخفي وراءه ألمًا لا يراه أحد». وأكدت أن الشباب يعيشون اليوم تحت ضغط دائم ليكونوا مثاليين وناجحين وجذابين، فيما تتراجع قيم الحوار والتعاطف والإصغاء الحقيقي للآخر.
وختمت شهادتها بالتشديد على أهمية كسر الصمت حول الصحة النفسية وعدم الخجل من طلب المساعدة، مؤكدة أن البابا لاون الرابع عشر شدّد خلال لقائه بها على أن الله يسير مع الإنسان في ضعفه، لكن ذلك لا يُلغي أهمية العلاج المناسب، لأن العناية بالإنسان تشمل جسده ونفسيته وروحه معًا.
وقالت إنها تتمنى أن تمنح قصتها الرجاء لكل شخص يعيش في ظلمة الاكتئاب، وأن تشجعه على عدم الاستسلام، بل على طلب المساعدة والإيمان بأن النور يمكن أن يعود مهما اشتدّت العتمة.