موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ٢ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
السبب الخطير في المرسوم البابوي Mutua concordia

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

يُعَدُّ السَّبَب الخَطِير إحدى أهمّ الـصيغِ العامّة في البنيَّة التشريعيَّة للشَّرع الكنسيّ، خصوصًا في التقليد اللاتيني. وهو مصطلح قانونيّ يُستعمل عندما يريد المشرّع أن يربط صحة عملٍ إداريّ أو مشروعيّة قرارٍ رعويّ أو قضائيّ بوجود ظرفٍ موضوعيّ ذي خطورة معتبرة، بحيث يتجاوز مستوى "السَّبَب العادل" أو "السَّبَب المعقول" إلى درجةٍ أعلى من الضرورة والتناسب.

 

في الشَّرع اللاتيني، يظهر المصطلح في عدة قوانين: (ق. 151، 190 البند 2، 395 البند 3، 494 البند 4، 679، 686 البند 1، 688 البند 1، 726 البند 1، 767 البند 2، 860 البند 1، 866، 974 البند 1، 1000 البند 1، 1038، 1077، 1147، 1164، 1248 البند 2، 1331 البند 2، 1487، 1514، 1529). وهذه القوانين تعبّر عن حاجة الشَّرع اللاتينيّ إلى معيار ينظّم السُّلطة الفرديَّة ويحدّد متى يجوز اتخاذ إجراء غير إعتياديّ يمسّ الحقوق المكتسبة أو الاستقرار الرعويّ أو انتظام الإدارة، ولذلك يظهر المصطلح في سياقات إداريَّة، رعويَّة، ليتورجيَّة، تأديبيَّة، وقضائيّ، لأنّ البنيَّة اللاتينيَّة تعتمد على سلطة فردية تحتاج إلى ضوابط دقيقة.

 

أمَّا في الشَّرع الشَّرقيّ، يظهر مفهوم "السَّبَب الخطير" في مواضع ذات أهمية: (ق. 121، 794 البند 1، 840 البند 1، 975 البند 1). بينما نجد المصطلح "سبب خطير جداً" في هذه القوانين: (ق. 57 البند 3، 755، 792، 840 البند 3، 1090 البند 2، 1405 البند 2). لذلك، نجد بنية الشَّرع الشَّرقي مختلفة جذريًا، لأنّ الكنائس الشَّرقيَّة المتمتّعة بحكم ذاتيّ تقوم على مبدأ الشَّركة السينودسيّة، أي على ممارسة السُّلطة بصورة جماعيَّة، حيث يكون كلّ قرار يمسّ القيادة أو الشَّركة قراراً ذا طابع كنسيّ لا إداريّ، ولذلك لا يحتاج الشَّرع الشَّرقي إلى استعمال مصطلح «السَّبَب الخطير» في كلّ المواضع التي يستعمله فيها الشَّرع اللاتينيّ.

 

الشَّرع اللاتينيّ والشَّرع الشرقيّ الكاثوليكيّ يطلبان السَّبَب الخَطِير كلّما كان الفعلُ القانونيّ المرادُ اتخاذُه يتجاوز حدودَ الإدارة الاعتياديَّة، أو يمسّ استقرارَ الجماعة الكنسيَّة، أو يطالُ حقًّا مكتسبًا، أو يقتضي استثناءً من قاعدةٍ ذاتِ وزنٍ في النظام القانونيّ الكنسيّ. إنّ مفهوم السَّبَب الخَطِير ليس قيمةً مطلقة، بل هو معيارٌ نسبيّ يرتبطُ بأهمّيَّة القاعدة وبمدى تأثير الاستثناء عليها، وهو في جوهره تعبيرٌ عن التناسب بين خطورة الفعل وخطورة الدافع إليه.

 

لذلك، مصطلح "السَّبَب الخَطِير" في الـMotu Proprio «Concordia» الصادر عن الحَبْر الرُّومَانِيّ ليس مجرّد اختيارٍ لغويّ أو تقنيّ، بل هو قرارٌ تشريعيّ مقصود يهدف إلى ضبط العلاقة بين سلطة البطريرك من جهة، وسلطة السِينودُسِ من جهة أخرى، ضمن إطار الشَّركة الكنسيَّة الجامعة التي يضمنها الكُرْسِيُّ الرَّسُولِيّ.  وهو يعبّر عن إرادةٍ الحَبْر الرُّومَانِيّ في حمايَّة البنيَّة السِينودُسِيَّة للكنائس الشرقيَّة، بحيث لا تُترك المسائل الجوهريَّة—وخاصة تلك التي تتعلّق بسلامة الشَّركة الكنسيَّة أو بوظيفة الرئاسة البطريركيَّة—للتقدير الشخصيّ أو للانطباعات الذاتيَّة.

 

وبما أنّ موضوع«Concordia»  يتعلّق بإمكانيَّة دعوة السِينودُسِ من دون موافقة البطريرك في حالات معيّنة، فقد كان من الضروريّ أن يحدّد المشرّع معيارًا يضمن عدم إساءة استخدام هذا الحقّ، وأن يربط هذا التدخّل بوجود سببٍ خطيرٍ حقيقيّ، لا مجرّد سببٍ عادلٍ أو مناسب. وهكذا يصبح السَّبَب الخَطِير ضمانةً مزدوجة: ضمانةً للسِينودُسِ كي يمارس سلطته عند الضرورة، وضمانةً للبطريرك كي لا يُنتقص من سلطته إلا في الحالات التي يفرضها القانون. وهذا هو عنصرٌ جوهريّ في بنيَّة الإصلاح القانونيّ الذي أراده الحَبْر الرُّومَانِيّ، إذ يهدف إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين الرئاسة البطريركيَّة والسُّلطة السِينودُسِيَّة، ضمن إطار الشَّركة مع الكُرْسِيُّ الرَّسُولِيّ، بحيث تبقى الكنائس الشرقيَّة أمينةً لتقليدها السِينودُسِيّ من دون أن تفقد ارتباطها البنيويّ بالوحدة الكاثوليكيَّة الجامعة. لذلك، أراد الحَبْر الرُّومَانِيّ أن يضع حدًّا لأيّ تفسيرٍ ذاتيّ أو انطباعيّ يمكن أن يؤدّي إلى توتّر بين البطريرك و سِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة. ف"السَّبَب الخَطِير"يضمن أنّ السِينودُسِ لا يتحرّك إلا عندما يكون الوضع قد بلغ درجةً من الخطورة تجعل استمرار الامتناع أو التعطيل من قِبل البطريرك مؤدّيًا إلى ضررٍ مؤسّسيّ أو رعويّ.  والمشرّع الكنسيّ الأعلى (الحَبْر الرُّومَانِيّ)، في الـMotu Proprio «Mutua concordia»، لم يقدّم لائحةً حصريَّة بالأسباب الخطيرة، بل ترك للِسِينودُسِ الأَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة، عن قصد، سلطة التقدير الحكيم حالةً بحالة، وفق الطبيعة sui iuris التي تتميّز بها الكنائس الشرقيَّة.

 

في الحقيقة، يقوم السَّبَب الخَطِير على أربعة عناصر أساسيَّة:

 

1. الـموضوعيَّة: التي تقتضي أن يكون السَّبَب قائماً على وقائع قابلة للتحقّق والتوثيق، لا على انطباعاتٍ شخصيَّة أو دوافع عاطفيَّة. ويُعرَف من خلال طبيعة الوقائع: فإذا كانت الوقائع تمسّ جوهر الحياة الكنسيَّة - مثل تعطيلٍ يؤثّر على الشَّركة، أو امتناعٍ يهدّد النظام الليتورجيّ، أو وضعٍ يعرّض الصَّالح العامّ للخطر- فإنّها تُعدّ سببًا خطيرًا. أمّا إذا كانت الوقائع مجرّد خلافٍ شخصيّ، أو اختلافٍ إداريّ، أو صراع نفوذ، أو رغبة في تغيير القيادة، فإنّها تُعدّ سببًا مفتعلًا، لأنّها لا تمسّ البنيَّة الكنسيَّة نفسها. ولهذا يطلب الشَّرع أن تكون الوقائع موثّقة، لا مجرّد ادّعاءات عامّة أو رواياتٍ شفويَّة، بل تقارير مكتوبة، شهادات موثّقة، مراسلات رسميَّة، أو أدلّة تُظهر أنّ الوضع يمسّ جوهر الحياة الكنسيَّة. فإذا كانت الوقائع غير موثّقة، أو متناقضة، أو مبنيَّة على انطباعات، فإنّ السَّبَب يعتبر مفتعلًا، لأنّ السَّبَب الخَطِير يجب أن يكون قابلًا للتحقّق، من خلال شهادات أو وثائق أو تقارير.  فأيّ قرار يُتّخذ دون سببٍ خطيرٍ موثّق يُعدّ باطلًا من حيث القانون، ويمكن الطعن فيه أمام الكُرْسِيُّ الرَّسُولِيّ.

 

2. النيَّة، وهو فحصٌ دقيق يهدف إلى معرفة ما إذا كان السِينودُسِ يتحرّك بدافع حمايَّة الشَّركة الكنسيَّة، أم بدافع مصالح داخليَّة أو تحالفات أو ضغوط. ولهذا لا بُدّ من دراسة طريقة اتخاذ القرار، ونسبة الأصوات، وحرّيَّة التصويت، وغياب الضغوط، ويطلب أحيانًا شهادات فرديَّة من الأساقفة للتأكّد من أنّ القرار لم يكن نتيجة تحزّب أو صراع نفوذ. فإذا ظهر أنّ القرار اتُّخذ في سياق انقسامٍ داخليّ أو تحالفات، فإنّ السَّبَب يُعدّ مفتعلًا، لأنّ السَّبَب الخَطِير يجب أن يكون مرتبطًا بالصَّالح العامّ، لا بالمصالح الخاصة.

 

3. التناسب: وهو مبدأ أساسيّ في الشَّرع الكنسيّ، يربط بين خطورة الفعل وخطورة الدافع إليه. فإذا كان الإجراء المطلوب هو إجراءٌ خطير -مثل تجاوز سلطة البطريرك أو اتخاذ قرارٍ جوهريّ في غيابه- فإنّ السَّبَب يجب أن يكون خطيرًا بالقدر نفسه. أمّا إذا كان السَّبَب لا يتناسب مع خطورة الإجراء، فإنّه يُعدّ سببًا مفتعلًا، لأنّ الشَّرع الكنسيّ العامّ لا يسمح باتخاذ إجراءاتٍ استثنائيَّة بناءً على أسبابٍ عاديَّة أو شخصيَّة. ولهذا هناك علاقة متلازمة بين السَّبَب الخَطِير مع مبدأ التناسب أي بين السَّبَب والنتيجة، بحيث لا يُسمح بالاستثناء إلا عندما يكون الخلل بحجمٍ يبرّر الاستثناء. فلا يمكن لسِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة أن يتّخذ قرارًا خطيرًا -مثل عزل البطريرك أو تجاوز سلطته- إلا إذا كان الخلل بحجمٍ يبرّر هذا الإجراء. وهذا يمنع سِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة من استخدام النصّ كأداةٍ للصراع الداخلي، لأنّ أيّ محاولة من هذا النوع ستُظهر فورًا عدم وجود سببٍ خطير، وبالتالي تُعدّ مخالفةً صريحة للشَّرع (أو المرسوم الكُرْسِيُّ الرَّسُولِيّ). وبذلك يتّضح أنّ إدراج السَّبَب الخَطِير لم يكن لحمايَّة سِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة من البطريرك، بل لحمايَّة البطريرك من سِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة عندما ينشأ خطر التحزّب أو التلاعب، ولحمايَّة سِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة من نفسه عندما قد تنشأ داخله مجموعات ضغط.

 

4. أخيراً، يُعرَف السَّبَب الخَطِير من خلال علاقته بالشَّركة الكنسيَّة. فإذا كان الوضع يهدّد وحدة الكنيسة أو استقرارها أو سلامتها الليتورجيَّة، فإنّ السَّبَب يُعدّ خطيرًا، لأنّ الشَّركة هي المعيار الأعلى في التقليد الشرقيّ. أمّا إذا كان الوضع يهدّد مصالح مجموعةٍ من الأساقفة أو يعبّر عن رغبةٍ في تغيير القيادة أو عن تحالفاتٍ داخليَّة، فإنّه يُعدّ سببًا مفتعلًا، لأنّه لا يمسّ الشَّركة، بل يمسّ التوازنات الداخليَّة. ولهذا يربط القانون السَّبَب الخَطِير بمبدأ حمايَّة الشَّركة الكنسيَّة، بحيث لا يُسمح لسِينودُسِ أَساقفة الكَنيسَة البَطريركيَّة بالتحرّك إلا عندما تكون الشَّركة نفسها مهدَّدة، لا عندما تكون المصالح أو التحالفات مهدَّدة.

 

وهكذا يتّضح أنّ السَّبَب الخَطِير ليس مجرّد شرطٍ شكليّ، بل هو مبدأٌ أساسيّ في المرسوم البابويّ يحفظ التوازن بين السلطة السينودسيّة والسلطة البطريركيّة، ويضمن أن تبقى القرارات الكبرى خاضعةً للحقّ، وللخير العامّ، ولحماية الشَّركة، لا للمصالح أو التحالفات أو الضغوط.  بوجوده، يبقى الشَّرع الكنسيّ في خدمة الشركة، وتبقى الشركة في خدمة الرسالة، وتبقى الرسالة في خدمة خلاص النفوس، وهو الهدف الأسمى لكلّ تشريعٍ كنسيّ.