موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يحتلّ الحبر الروماني، بصفته أسقف روما وخليفة الرسول بطرس، موقعًا فريدًا في البنيَّة الكنسيَّة الجامعة، إذ يجمع بين البعد الرَّسوليّ والبعد القانونيّ والبعد الرَّاعويّ في أعلى درجاتها، ويُنظر إليه بوصفه مبدأ الوحدة في الإيمان والشَّركة، ورأس الهيئة الأسقفيَّة، والمرجع الأعلى في التشريع والقضاء والإدارة في الكَنِيسَة الكاثوليكيَّة بأسرها. ويقدّم كلٌّ من قانون الكَنِيسَة اللاتينيَّة لعام 1983 وقانون الكنائس الشَّرقيَّة لعام 1990 تعريفاً دقيقاً لطبيعة هذه الخدمة، وللحُقوق والواجبات المرتبطة بها، بحيث يظهر دور الحبر الروماني كرئيس جامع يمارس سلطته باسم المسيح، لا ضمن نطاق محلي أو طقسي، بل على الكَنِيسَة الجامعة كلّها، مع احترام التنوع الشَّرقي والغربي في إطار الوحدة الكاثوليكيَّة. فالقوانين اللاتينيَّة 330–335، والقوانين في الشَّرع الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة 43–48، توضّح ملامح هذه الخدمة، وتحدّد امتيازاتها وحدودها، وتبرز مكانة الحبر الروماني كأب ورأس، يمارس سلطته العليا والكاملة والمباشرة على جميع الكنائس الخاصة.
هذه الصياغات القانونيَّة تحمل دلالات لاهوتيَّة عميقة، إذ تربط سلطة البابا بخلافة بطرس الرسول، وبوحدة الكَنِيسَة الجامعة، وبالطابع الرَّسوليّ الذي يشكّل جوهر الهويَّة الكاثوليكيَّة. ولا تُفهم هذه السلطة بوصفها سلطة سياسيَّة أو إداريَّة، بل بوصفها خدمة للحفاظ على الإيمان، وضمان وحدة الشَّركة، وتوجيه الكَنِيسَة في رسالتها.
كما يخضع الأساقفة والكرادلة وسائر الرؤساء الكنسيين لسلطته التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة، وهو وحده من يملك سلطة قبول استقالتهم أو عزلهم، دون وجود آليَّة جماعيَّة محليَّة لمساءلتهم أو عزلهم، الأمر الذي يعكس الطبيعة المركزيَّة للسلطة البابويَّة في البنيَّة القانونيَّة اللاتينيَّة، ويُبرز دور البابا بوصفه المرجع الأوّل والأخير في تنظيم السلطة الكنسيَّة وضمان وحدة الشَّركة الكاثوليكيَّة الجامعة. وتُمارَس هذه السلطة التشريعيَّة ضمن إطار يضمن وحدة الإيمان والنظام، ويمنع نشوء تباينات تشريعيَّة قد تُفضي إلى اضطراب أو انقسام، كما تُعدّ عنصرًا جوهريًا في توازن العلاقة بين الكنائس الشَّرقيَّة (المتمتّعة بحكم ذاتيّ sui iuris ) والكرسي الرَّسوليّ، حيث تُمارس الكنائس سلطتها الذاتيَّة ضمن حدود الشَّركة، بينما يحتفظ البابا بسلطة الضمان والمصادقة والتشريع الأعلى.
والحبر الروماني حسب القانون اللاتينيّ 333 البند1، هو المشرّع الأعلى الذي يملك سلطة إصدار القوانين العامة للكنيسة، وتعديلها، وتفسيرها تفسيراً أصيلاً. وأنّ البابا يملك سلطة التدخل في شؤون أي كنيسة خاصة "لأجل الخير العام"، ما يجعل سلطته سلطة رعويَّة تهدف إلى خدمة الوحدة. وتستند السلطة التشريعيَّة للحبر الروماني على الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة إلى نصوص صريحة في مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، ولا سيّما القانون الشَّرقي 43 الذي يقرّر أنّ الحبر الروماني هو: "أسـقفَ الكنيسـة الرومانيَّة الذي تستـمرّ في شخصه المهمّة التي منحها الرب على وجه خاص لبطرس أوّل الرسل، لتنتقل لخلفائه، هو رأس هيئة الأساقفة ونائب المسيح وراعي الكنيسة بأسرها في هذا العالم، ومن ثمّ يتمتّع بحكم منصبه بالسلطان المألوف الأعلى المطلق المباشر الشامل في الكنيسة، وله على الدوام الحرّيَّة في ممارسته". وهو يتمتّع بسلطان كامل ومباشر وشامل على الكنيسة الجامعة وعلى جميع الكنائس الشَّرقيَّة sui iuris، سلطةً تشريعيَّة وتنفيذيَّة وقضائيَّة، تُمارَس بحريَّة تامة، والقرارات، سواء صدرت في صيغةMotu Proprio أو في أي صيغة تشريعيَّة أخرى، تتمتع بقوة قانونيَّة ملزمة للكنيسة جمعاء، بما في ذلك الكنائس الشَّرقيَّة، دون حاجة إلى موافقة أي سلطة أخرى.
أمّا سلطة البطريرك الشَّرقي، فهي سلطة تنبع من تقاليد الكنائس الشَّرقيَّة ومن تطوّر بنيتها الكنسيَّة عبر القرون، وهي سلطة أبويَّة‑سينودسيَّة يمارسها البطريرك بوصفه أباً ورئيساً لكنيسته البطريركيَّة، ضمن إطار الشَّركة الكاملة مع الكرسي الرَّسوليّ. وتمتاز هذه السلطة بأنها خاصة ومحدودة بكنيسة معيّنة، يمارسها البطريرك ضمن الإقليم البطريركي ووفقاً للشَّرع العام الذي أقرّته السلطة العليا في الكنيسة، أي الحبر الروماني أو المجمع المسكوني. والبطريرك، وفقاً للقانون الشَّرقي 56 هو أسقف له السـلطان على جميع الأسـاقفة -بما في ذلك المتروبوليت- وعلى سائر مؤمني الكنيسة التي يرئسها، وفقًا للشرع المعتمَد من قِبَل سلطة الكنيسة العُليَا. غير أنّ هذه الصلاحيات تُمارس دائماً ضمن إطار سينودسي يشارك فيه أساقفة الكنيسة البطريركيَّة، لأن التقاليد الشَّرقيَّة الأصيلة تشدّد على المسؤوليَّة المشتركة في الحكم وعلى البنيَّة المجمعيَّة التي تُعدّ جزءاً جوهرياً من هويَّة الكنائس الشَّرقيَّة، بحيث لا تُفهم السلطة البطريركيَّة بمعزل عن المجمع الأسقفي الذي يحيط بالبطريرك ويشاركه في تدبير الكنيسة.
وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية هو الهيئة المؤسساتيَّة التي تمارس مع البطريرك السلطة العليا في الكنيسة الشَّرقيَّة الكاثوليكية، بحسب القانون 55 الذي يصف البطريرك بأنه "أب ورأس" tamquam pater et caput، يعمل دائمًا في شركة مع سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية. هذه الشركة هي أساس البنية القانونية الشَّرقيَّة، حيث لا تُمارَس السلطة منفردة بل ضمن جماعة الأساقفة. والسينودس المذكور، هو الجهة التي تنتخب البطريرك الجديد عند شغور السدة البطريركية، ويُرفع اسم المنتخب إلى الحبر الروماني لطلب الشركة الكنسية. هذا الدور الانتخابي يكشف الطبيعة الجماعية للسلطة البطريركية.
وهكذا يتّضح أنّ سلطة الحبر الروماني، بما لها من طابع بطرسي إلهي، تُعدّ سلطة شاملة وعليا تتجاوز حدود الكنائس الخاصة، بينما سلطة البطريرك سلطة محليَّة‑سينودسيَّة ذات مصدر تقليدي‑كَنَسي، تُمارس ضمن حدود كنيسة sui iuris، وفي إطار الشَّركة مع الكرسي الرَّسوليّ. وليست العلاقة بين السلطتين علاقة تضاد أو ازدواج، بل علاقة تكامل وتناسق، إذ يمارس البطريرك رئاسته على كنيسته في إطار الوحدة الكاثوليكيَّة الشاملة، فيما يمارس الحبر الروماني سلطته العليا على الكنيسة الجامعة كلها، بحيث تبقى الكنائس البطريركيَّة محافظة على استقلالها القانوني الداخلي ضمن الشَّركة مع السلطة البطرسيَّة التي تخدم وحدة الإيمان والشَّركة بين الكنائس.
ويشير مصطلح Motu Proprio في الكنيسة اللاتينيَّة إلى مرسوم رسولي يصدره الحبر الروماني بمبادرة شخصيَّة منه، بحيث يُعدّ نصًا تشريعيًا نافذًا يصدر عن البابا بصفته القاضي الأعلى والمشرّع الأسمى. ويُستخدمMotu Proprio عادةً في الحالات التي تتطلّب توحيدًا تشريعيًا، أو معالجة فراغ قانوني، أو تنظيم بنيَّة إداريَّة أو ليتورجيَّة، ويصدر دون حاجة إلى استشارة المجامع الرومانيَّة أو المجالس الأسقفيَّة، ويُمنح قوة قانونيَّة مباشرة وملزمة للكنيسة الجامعة بمجرد صدوره.
كما في Motu Proprio «Mutua concordia» الصادر عن الحبر الروماني لاون الرابع عشر الذي يُعتبر تعديلاً بنيويًا في النظام القانوني للكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، إذ أرسى آليَّة قانونيَّة صريحة لمعالجة الحالة الاستثنائيَّة المتمثّلة في إمكان عزل البطريرك عند توافر «سبب جسيم» يهدّد الشَّركة الكنسيَّة ويُخلّ بوحدة السلطة. وبالتالي، فإنّ Mutua concordia، وإن كان موجّهًا لتعديل قوانين الكنائس الشَّرقيَّة، يبقى في الكنيسة اللاتينيَّة مثالًا واضحًا على ممارسة البابا لسلطته التشريعيَّة العليا، وعلى قدرة الكرسي الرَّسوليّ على إصدار نصوص قانونيَّة تُلزم الكنيسة جمعاء، بما يعكس الطبيعة المركزيَّة للنظام القانوني اللاتيني في مقابل الطبيعة السينودسيَّة للنظام الشَّرقي.
يمثّلMotu Proprio «Mutua concordia» مرسومًا رسوليًا صادرًا عن الحبر الروماني، يهدف إلى تعديل بنيَّة مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة من خلال إدخال آليَّة قانونيَّة صريحة لمعالجة الحالة الاستثنائيَّة المتمثّلة في إمكان عزل البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير عند توافر «سبب جسيم» يهدّد الشَّركة الكنسيَّة أو يخلّ بوحدة السلطة، وذلك عبر تعديل القوانين 106 و126 و152. بحيث يُمنح سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة إنشاء آليَّة قانونيَّة ملزمة تتيح للسلطة السينودسيَّة ممارسة صلاحياتها بصورة مستقلة عن إرادة الرئيس الكنسي، وذلك في الحالات التي يُهمل فيها البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير واجباته القانونيَّة أو يمتنع عن القيام بما يفرضه عليه القانون. وبموجب هذا التعديل، يُمنح أقدم الأساقفة من ذوي حقّ التصويت صلاحيَّة دعوة سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة للانعقاد بصورة مباشرة، دون الحاجة إلى موافقة الرئيس الكنسي أو تدخّله، بحيث يصبح انعقاد سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة إجراءً مؤسساتيًا قائمًا بذاته، يُفعَّل تلقائيًا عند توافر حالة الإهمال أو الامتناع. ويهدف هذا التعديل إلى منع تعطيل السلطة السينودسيَّة بسبب تقاعس الرئيس الكنسي، وضمان استمراريَّة العمل المؤسساتيّ، وتحصين البنيَّة القانونيَّة للكنيسة من أي فراغ أو شلل إداري قد ينشأ عن عدم قيام الرئيس بواجباته.
يُعدّ هذا النصّ المعدَّل تأكيدًا صريحًا لمبدأ الشَّركة الأسقفيَّة، وترسيخًا لسلطة سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة بوصفه الهيئة العليا في الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، كما يعكس الطبيعة القانونيَّة sui iuris لهذه الكنائس، ويؤصّل مبدأ خضوع الرئاسة الكنسيَّة للمساءلة المؤسسيَّة ضمن إطار القانون، دون المساس بدور الحبر الروماني كضامن للشرعيَّة والحريَّة في النظام الكنسي العام.
يقرّر القانون126 المعدَّل، إنشاء آليَّة قانونيَّة مُلزِمة تتيح للسلطة السينودسيَّة مباشرة إجراءات مساءلة البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير عند توافر «سبب جسيم» يهدّد الشَّركة الكنسيَّة أو يخلّ بوحدة السلطة، وذلك من خلال منح سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة صلاحيَّة مطالبة الرئيس الكنسي بتقديم استقالته بصورة رسميَّة عند وجود أسباب خطيرة تبرّر ذلك، وفي حال رفضه الاستقالة، يُنتخب رئيس جديد للجلسة لضمان حياد الإجراءات، ثم يُجرى اقتراع سرّي يشترط لنفاذه حصول القرار على أغلبيَّة ثلثي الأعضاء ذوي حقّ التصويت، وبعد صدور القرار يُرفع إلى الحبر الروماني للمصادقة، بحيث يتحقق من سلامة الإجراءات القانونيَّة، ومن احترام حقوق الدفاع، ومن حريَّة التصويت وعدم وجود ضغوط غير مشروعة، ولا يصبح القرار نافذًا إلا بعد صدور الموافقة البابويَّة النهائيَّة.
ويُعدّ هذا النصّ المعدَّل تأكيدًا صريحًا لسلطة سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة بوصفه الهيئة العليا ذات طبيعة مؤسساتيَّة تُعدّ الركن الجوهري في بنية الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكية sui iuris، إذ يقوم بوظيفة تشريعية ورئاسية ورقابية في آنٍ واحد، ويُناط به ضمان سلامة الشَّركة الأسقفيَّة واستمراريَّة العمل المؤسساتيّ، بما يجعله المرجعية العليا التي تُمارس صلاحياتها ضمن إطار قانوني مستقلّ عن إرادة الرئيس الكنسي.
أمَّا القانون 152 المعدَّل، فقد قرّر امتداد الآليَّة القانونيَّة الخاصة بمساءلة البطريرك وعزله إلى كنائس الرئاسات الأسقفية الكبرى(Ecclesiae Archiepiscopales maiores) بذات القوة والآثار القانونيَّة، بحيث تُطبَّق على رئيس الأساقفة الكبير جميع الأحكام الواردة في القانونين 106 و126 من حيث دعوة سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة وانعقاده، ومطالبة الرئيس الكنسي بالاستقالة عند توافر «سبب جسيم»، وإجراء الاقتراع السرّي بأغلبيَّة ثلثي الأعضاء ذوي حقّ التصويت في حال رفض الاستقالة، ثم رفع القرار إلى الحبر الروماني للمصادقة بعد التحقق من سلامة الإجراءات القانونيَّة وحريَّة التصويت وعدم وجود ضغوط غير مشروعة، ولا يصبح القرار نافذًا إلا بعد صدور الموافقة البابويَّة النهائيَّة.
ويؤدّي هذا التعديل إلى وضع البطريركيات والكنائس الكبرى في مستوى قانوني واحد من حيث آليات المساءلة، ويُرسّخ مبدأ الشَّركة الأسقفيَّة بوصفه أساسًا بنيويًا في الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، كما يعكس الطبيعة القانونيَّةsui iuris لهذه الكنائس، ويؤصّل خضوع الرئاسة الأسقفيَّة الكبرى لسلطة سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة ضمن إطار قانوني مؤسّساتيّ واضح، دون المساس بدور الحبر الروماني كضامن للشرعيَّة في النظام الكنسي العام.
وبموجب التعديلات الجديدة، أصبح سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة الحقّ في دعوة البطريرك إلى تقديم استقالته عند وجود أسباب خطيرة تبرّر ذلك، وفي حال رفض البطريرك، ينتخب سـينودس أسـاقفة الكنيسة البطريركيَّة رئيسًا جديدًا للجلسة ويُجري اقتراعًا سرّيًا على قرار العزل، ويُشترط لنفاذ القرار حصوله على أغلبيَّة ثلثي الأعضاء مع ضمان حقّ الدفاع للبطريرك، ثم يُرفع القرار إلى الحبر الروماني للمصادقة بعد التحقق من سلامة الإجراءات ومن حريَّة التصويت وعدم وجود ضغوط غير مشروعة.
يُحدَّد دور الحبر الروماني في المصادقة على قرار عزل البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير، بوصفه ضامنًا للشرعيَّة والحريَّة، لا دورًا إنشائيًا أو تنفيذيًا مباشرًا في اتخاذ القرار، إذ لا يباشر البابا إجراءات العزل ولا يتدخل في مضمون القرار السينودسي، بل يضطلع بسلطة التحقق من أنّ الإجراءات قد تمت وفقًا للقانون، وأنّ حقوق الدفاع للرئيس الكنسي قد حُفظت بصورة كاملة، وأنّ التصويت جرى بحريَّة تامة دون ضغوط أو تأثيرات غير مشروعة، وذلك قبل منح المصادقة النهائيَّة التي تُعدّ شرطًا لازمًا لنفاذ القرار ضمن النظام القانوني الكنسي العام.
نستنتج أنَّ المرسوم الرَّسوليّMotu Proprio «Mutua concordia» يمثّل محطة تشريعيَّة مفصليَّة في بنيَّة مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، إذ ينهض بوظيفة إصلاحيَّة دقيقة ترمي إلى سدّ فراغ قانوني طالما شُخِّص في النظام السابق، وذلك من خلال إرساء آليَّة مؤسساتيَّة واضحة لمعالجة الحالة الاستثنائيَّة المتمثّلة في إمكان مساءلة البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير وعزله عند توافر «سبب جسيم» يهدّد الشَّركة الكنسيَّة أو يخلّ بوحدة السلطة.
ويتّضح من ذلك، أنّ المشرّع الكنسي قد انتقل من مجرّد تنظيم إجرائي للعلاقة بين البطريرك أو الرئيس الأسقفي الكبير والسلطة السينودسيَّة، إلى بناء منظومة قانونيَّة متكاملة تُرسّخ مبدأ المساءلة المؤسساتيَّة للرئاسة الكنسيَّة. ويؤدّي هذا التطوير البنيوي إلى تعزيز الشَّركة الأسقفيَّة بوصفها الركن الجوهري في هويَّة الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة، وإلى ضمان استمراريَّة العمل المؤسساتيّ ومنع أي فراغ أو شلل إداري قد ينشأ عن تقاعس السلطة الرئاسيَّة، مع تأكيد أنّ سلطة البابا في هذا السياق ليست سلطة إنشائيَّة أو تنفيذيَّة للقرار، بل سلطة ضمان للشرعيَّة وحريَّة التصويت واحترام حقوق الدفاع.