موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ١٣ يوليو / تموز ٢٠٢٦
السلام هو ثقافة

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

إنّ القول بأنّ السلام هو ثقافة يرتكز على أساس لاهوتي عميق في الكتاب المقدّس، لأنّ السلام في الرؤية الإلهية ليس مجرّد حالة خارجية أو نتيجة اتفاقات بشرية، بل هو عطية من الله تُشكّل الإنسان من الداخل وتعيد إليه صورته الأصلية. فالكتاب المقدّس يقدّم السلام كصفة من صفات الله نفسه، إذ يُدعى «إله السلام»، ويقدّمه المسيح لتلاميذه كعطيّة شخصية قائلاً: «سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم»، وهذا السلام ليس كما يعطيه العالم، لأنّه لا يقوم على توازنات القوى بل على تجديد القلب بنور الله.

 

إنّ السلام في الرؤية الكتابية هو دخولٌ في علاقة جديدة مع الله تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين، وهو فعلٌ يعبّر عن انتماء الإنسان إلى الله، لأنّ «صانعي السلام أبناء الله يُدعون». فالسلام ليس مجرّد غيابٍ للعنف، بل هو حضورٌ لنعمةٍ تُحرّر القلب من الخوف وتُعيد إليه القدرة على الثقة، وتجعل الإنسان قادرًا على رؤية الآخر كأخٍ لا كخصم، وكشريكٍ في الحياة لا كتهديد. فالأنبياء يربطون السلام بالعدالة، ويُعلنون أنّ «عمل البرّ يكون سلامًا»، وأنّ الظلم يولّد العنف، وأنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يعيش في قلبٍ منقسم أو في مجتمعٍ يفتقر إلى العدالة. كما يربط الكتاب المقدّس السلام بالمغفرة، لأنّ المغفرة تُعيد بناء العلاقات وتُزيل الجدران التي ترفعها الخطيئة بين البشر. ولذلك، فإنّ السلام كثقافة هو تربية على المغفرة، وعلى الاعتراف بالخطأ، وعلى القدرة على البدء من جديد، لأنّ السلام لا يُبنى على الانتقام بل على الرحمة.

 

ويأتي تعليم الكنيسة، ولا سيّما المجمع الفاتيكاني الثاني، ليُعمّق هذا الأساس الكتابي، إذ يعلّم في الدستور الرعوي فرح ورجاء أنّ السلام هو «عمل العدالة وثمرة المحبة»، وأنّه لا يتحقّق إلا حين تُحترم كرامة الإنسان، ويُصان الحقّ، وتُبنى العلاقات الاجتماعية على الحقيقة والحرية والتعاون. وهذا يعني أنّ السلام ليس مجرّد حالة سياسية، بل هو نظام أخلاقي وروحي تُصان فيه كرامة كلّ إنسان، ويُعترف فيه بأنّ البشر جميعًا إخوة، وأنّ الله هو أبو الجميع. ويرى المجمع أنّ السلام يحتاج إلى تربية طويلة وصبر روحي، لأنّ الإنسان المجروح بالخطيئة يميل إلى الخوف والانغلاق، ولا يُشفى إلا عندما ينفتح على نور الله الذي يحرّر القلب ويُعيد إليه القدرة على الثقة. ولذلك، فإنّ السلام كثقافة هو ثمرة لقاء بين نعمة الله وحرية الإنسان، وهو نتيجة تربية الضمير على الخير، وإعداد الأجيال الجديدة على الحوار، وعلى احترام الآخر، وعلى البحث عن الخير العام. ويشدّد المجمع على أنّ السلام لا يُبنى بالقوة، بل بالمحبة التي ترى في الآخر قيمة، وبالعدالة التي تعطي كلّ إنسان حقّه، وبالحرية التي تتيح للإنسان أن يختار الخير، وبالحقيقة التي تُبعد العلاقات عن الخوف والكذب.

 

وهكذا، يتّضح أنّ عبارة «السلام هو ثقافة» تعبّر عن رؤية مسيحية متكاملة للإنسان وللعالم، لأنّ السلام ليس مشروعًا سياسيًا بل هو رسالة روحية، وهو الطريقة التي يعيش بها الإنسان إيمانه في التاريخ، وهو القدرة على تحويل الألم إلى تضامن، والخوف إلى ثقة، والعداوة إلى أخوّة. السلام هو ثقافة لأنّه أسلوب حياة يولد من الإنجيل، ويتجسّد في الإنسان، ويُبنى عبر الزمن، ويصبح شهادة حيّة لعمل الله في التاريخ. وهكذا، فإنّ السلام ليس حلمًا ولا شعارًا، بل هو دعوة إلهية ومسؤولية بشرية، وهو الطريق الذي به يشهد المؤمنون لعمل الله في العالم، ويصبحون أبناءً للنور وصانعي رجاء.

 

إنّ السلام هو ثقافة لأنّه عمل العقل والإرادة والإيمان: مسيرة تتطلّب المثابرة والشجاعة والقدرة على الإيمان بأنّ الله قادر أن يفتح طرقًا جديدة حيث لا يرى الإنسان إلا الجدران. وهكذا، يصبح السلام ثقافةً تُبنى على كلمة الله، وتستنير بتعليم الكنيسة، وتتجسّد في حياة المؤمنين الذين يختارون أن يعيشوا الإنجيل في عالمٍ يحتاج إلى نورٍ جديد. فالسلام ليس حلمًا، بل هو دعوةٌ إلهية ومسؤولية بشرية، وهو الطريق الذي به يشهد المسيحيون لعمل الله في التاريخ، ويُصبحون حقًا أبناءً للنور وصانعي رجاء.

 

إنّ القول بأنّ السلام هو ثقافة يجد صداه العميق في تعليم البابوات عبر العقود، لأنّهم جميعًا قد شدّدوا على أنّ السلام ليس مجرّد غيابٍ للعنف، بل هو بناءٌ روحي وأخلاقي واجتماعي يتطلّب تكوينًا للضمير وتربيةً للقلب. فقد أكّد البابا بولس السادس أنّ «التنمية هي اسم آخر للسلام»، مشيرًا إلى أنّ السلام لا يمكن أن ينمو في بيئة الظلم أو الفقر أو الإقصاء، بل يحتاج إلى عدالة تُعيد للإنسان كرامته. وهذا التعليم ينسجم مع رؤية المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يرى أنّ السلام هو ثمرة المحبة وعمل العدالة، وأنّه لا يتحقّق إلا حين تُصان كرامة الإنسان ويُعترف بأنّ البشر جميعًا إخوة.

 

كما شدّد القديس يوحنا بولس الثاني على أنّ السلام هو «ثمرة الحقيقة والحرية والمحبة»، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يكون صانع سلام إلا إذا عاش في الحقيقة، لأنّ الكذب يولّد الخوف، والخوف يولّد العنف. ورأى أنّ السلام هو ثقافة تُبنى عبر التربية على احترام الآخر، وعلى الحوار، وعلى الاعتراف بالخطأ، وعلى القدرة على المغفرة، لأنّ المغفرة وحدها تُعيد للإنسان حريته الداخلية. وفي هذا السياق، قال أيضًا إنّ «السلام هو عملٌ أخلاقي»، أي أنّه يتطلّب مسؤولية شخصية وجماعية، ولا يمكن اختزاله في اتفاقات سياسية مهما كانت ضرورية.

 

أمّا البابا بندكتس السادس عشر فقد أكّد أنّ السلام هو «هبة من الله ومسؤولية بشرية»، وأنّه لا يمكن فصل السلام عن الحقيقة، لأنّ الحقيقة وحدها تُحرّر الإنسان من الخوف ومن الانغلاق، وتجعله قادرًا على رؤية الآخر كأخ لا كخصم. ورأى أنّ السلام هو ثقافة تُبنى على العقل والإيمان معًا، لأنّ العقل يعلّم الإنسان أن يبحث عن الخير العام، والإيمان يعلّمه أن يرى في الآخر صورة الله. ولذلك، فإنّ السلام في نظره هو مسارٌ تربوي طويل، يبدأ من القلب وينتقل إلى المجتمع، ويتطلّب شجاعة روحية لا تقلّ عن الشجاعة السياسية.

 

وجاء تعليم البابا فرنسيس ليُعمّق هذا البعد الإنساني والروحي، إذ يؤكّد أنّ «السلام هو فنٌّ يُمارَس»، وأنّه يحتاج إلى صبرٍ يومي، وإلى قدرة على بناء الجسور، وإلى استعداد دائم لفتح الأبواب بدل إغلاقها. ويرى أنّ السلام هو ثقافة تُبنى عبر الاعتناء بالضعفاء، وبناء العدالة الاجتماعية، ومحاربة ثقافة الإقصاء، لأنّ السلام لا يمكن أن يعيش في عالمٍ تُهمَّش فيه الفئات الضعيفة. ويشدّد على أنّ السلام يبدأ من القلب، وأنّ «السلام الحقيقي يُصنع بالأيدي التي تُضمّد الجراح»، لا بالأيدي التي تُراكم الأسلحة. وفي نظره، فإنّ السلام هو ثقافة تُولد من اللقاء، ومن الإصغاء، ومن القدرة على رؤية العالم بعيني الرحمة.

 

وفي هذا السياق، يقدّم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا رؤيةً رعوية ولاهوتية متجذّرة في الإنجيل حين يقول إنّ «السلام هو ثقافة»، موضحًا أنّ السلام ليس شعورًا عابرًا ولا اتفاقًا سياسيًا، بل هو طريقة تفكير وأسلوب حياة، وأنّه لا يولد من توازن القوى بل من تربية القلب على رؤية الآخر كعطيّة لا كتهديد، وكأخ لا كخصم. ولهذا يؤكد البطريرك أنّ السلام يحتاج إلى مسارات طويلة لا إلى مبادرات معزولة، فهو ثقافة لأنّه يتطلّب لغة جديدة، واختيارات يومية، وذاكرة مشتركة، وقدرة على المغفرة، ورؤية للإنسان متجذّرة في كلمة الله.  يصبح السلام ثقافة عندما يتحوّل إلى أسلوب حياة: عندما تستمر الجماعات المسيحية، رغم جراحها وتعبها، في بناء العلاقات، وفي حماية الحياة، وفي رفض الوقوع في أسر الخوف.