موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٢ يوليو / تموز ٢٠٢٦
وحدة الكنيسة في ضوء شركة الأساقفة مع خليفة بطرس

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

الشركة مع السلطة الكنسيّة العليا هو عنصر تأسيسي للشركة الكنسيّة أو الكاثوليكيّة. وإنَّ في المجمع الفاتيكانيّ الثاني الشركة التراتبية في حدّ ذاتها متعلقة بالعلاقة بين الأساقفة والحبر الروماني وتلك بين الأساقفة والكهنة، مع ذلك، الكنيسة بجملتها يمكن تحديديها على أنّها شركة تراتبية كون جميع الخدام والخدمات التي تمارس فيها منظّمة برباط مع خدمة خليفة القديس بطرس وخلفاء الرسل. في الحقيقة، خدمة الحبر الروماني والأساقفة هي ضمانة لصحة كلمة الله التي تعلن باستمرار في الكنيسة، ولحقائق الأسرار التي يحتفل بها في الكنيسة وطريق الإيمان المؤدي إلى القداسة.

 

تقوم شركة الأساقفة مع الحبر الروماني على أساس كتابي ولاهوتي واضح في العهد الجديد، حيث تظهر الكنيسة منذ بداياتها كجماعة مؤسسة على الرسل الذين اختارهم المسيح ليكونوا شهودًا لقيامته وخدامًا لكلمته. فالرسل ليسوا مجرد تلاميذ، بل هم أساس بنيوي للكنيسة، كما يشير بولس الرسول عندما يقول إن المؤمنين قد بُنوا «على أساس الرسل والأنبياء» (أفسس 2:20). هذا الأساس الرسولي يتجلى في كون الرسل جماعة واحدة، تعمل بروح الشركة، وتتخذ قراراتها في ضوء إرشاد الروح القدس، كما يظهر في حدث مجمع أورشليم حيث قال الرسل والشيوخ في رسالتهم إلى المؤمنين: «قد رأى الروح القدس ونحن…» (أعمال 15:28)، وهو نص يكشف بوضوح ممارسة جماعية للسلطة في الكنيسة الأولى. وفي قلب هذه الجماعة الرسولية يبرز بطرس بدور خاص، إذ يتلقى من المسيح تكليفًا مميزًا: «أنت صخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي» (متى 16:18)، كما يطلب منه الرب قبل آلامه أن يثبت إخوته في الإيمان قائلاً: «وأنت متى رجعت فثبّت إخوتك» (لوقا 22:32). هذه النصوص تكشف أن بطرس لم يُعطَ سلطة منفصلة عن الجماعة، بل مُنح خدمة الوحدة داخلها، بحيث يكون دوره عنصر تماسك بين الرسل، لا بديلاً عنهم ولا نقيضًا لهم. ومن هنا نشأت الفكرة اللاهوتية التي ترى في خليفة بطرس، أي الحبر الروماني، مبدأ الوحدة بين الأساقفة الذين هم خلفاء الرسل.

 

الأساقفة، بحسب التقليد الرسولي، ينالون ملء سرّ الكهنوت ويشتركون في السلطة التعليمية والراعوية، لكنهم يمارسون هذه الخدمة دائمًا في شركة مع خليفة بطرس، لأن الكنيسة بحسب العهد الجديد ليست مجرد جماعة بشرية، بل هي جسد المسيح الحي، حيث المسيح هو الرأس، والمؤمنون هم الأعضاء، والرسل وخلفاؤهم هم خدام الوحدة. هذه الشركة بين الأساقفة والبابا ليست علاقة إدارية أو تنظيمية، بل هي علاقة روحية ورسولية، تُفهم في إطار سرّ الكنيسة نفسها، إذ إن البابا يحمل خدمة تثبيت الإخوة في الإيمان وضمان وحدة الكنيسة الجامعة، بينما يحمل الأساقفة مسؤولية رعاية الكنائس المحلية وتعليمها وقيادتها في انسجام مع الكنيسة الجامعة.

 

وهكذا يتجلى البعد الكتابي واللاهوتي لشركة الأساقفة مع الحبر الروماني في كونها امتدادًا للبنية الرسولية التي أسسها المسيح، وضمانة لوحدة الإيمان، وممارسة جماعية للسلطة في روح الخدمة والمحبة، بحيث تبقى الكنيسة أمينة لرسالتها عبر التاريخ، محافظة على الوحدة التي صلّى المسيح من أجلها قائلاً: «ليكونوا واحدًا» (يوحنا 17:21).

 

اللاهوت المعاصر يربط بين المجمعية والشركة، فالمجمعية تعني مشاركة الأساقفة في التمييز واتخاذ القرارات، والشركة تعني وحدة الإيمان والمحبة بين الكنائس. شركة الأساقفة مع الحبر الروماني هي إذًا توازن دقيق بين سلطة البابا كخدمة للوحدة، وسلطة الأساقفة كخدمة للكنائس المحلية، والعمل المشترك كعلامة لحضور الروح القدس في حياة الكنيسة. وهكذا يتجلى البعد الكتابي واللاهوتي لهذه الشركة في كونها امتدادًا للبنية الرسولية التي أسسها المسيح، وضمانة لوحدة الإيمان، وممارسة جماعية للسلطة في روح الخدمة والمحبة، بحيث تبقى الكنيسة أمينة لرسالتها عبر التاريخ.

 

أقرَّ المجمع الفاتيكانيّ الثاني في الدستور نور الأمم (رقم 22) ما يلي: " كما يؤلف القديس بطرس وسائٍرٍ الرسل بأمر الرَّب، حلقة رسوليّة واحدة، هكذا يرتبط الحبر الروماني، خليفة بطرس، مع الاساقفة خلفاء الرسل...و لكن لا سلطة لحلقة او للجسم الأسقفي إلاّ بإتّحادها بالحبر الروماني، خليفة بطرس، كرأس لها ودونٍما اي انتقاص منْ سلطانه  هو رئيس على الرعاة والمؤمنين على السواء. فللحبر الروماني على الكنيسة، بقوّة مهمته كنائب للمسيح و راع للكنيسة جمعاء، سلطان كامل، و مطلق و شامل، يستطيع أن يمارسه دوماً كما يشاء". لذا هناك اختلاف بطريقة الخلافة بين الحبر الروماني والأساقفة. فالاول يخلف القديس بطرس بشكل مباشر، فيرث وظائف راعي كنيسة الجامعة و رئيس لمجلس الاساقفة. بينما الاساقفة يحصلون على خلافة الرسل من خلال مجلس الأساقفة لكونهم جزء منها. فإن كانت سلطة الرُّسل تمتدّ لكلّ كنيسة، فسلطة كلّ أسقف محدّدة بكنيسة خاصَّة.  فإنَّ منْصب البابا ذات حقّ إلهي ويُنسب أصل مهمته إلى الرَّبّ يسوع المسيح بشكل مباشر. عُليّا، هي السلطة التي لا تنجم عن اي سلطة ونشئت فوق جميع السلطات، لكن ممارستها محدّدة من الشرع الإلهي، سواء الطبيعي أم الايجابي الموحى، لكونه دائٍماً لخدمة جسد المسيح والشراكة الكنسيّة. فلا يوجد في الكنيسة سلطة أعلى من تلكَ التي للبابا ومجلس الأساقفة. كاملة، أي أنّ سلطة البابا العُليَّا هي غير مرئيَّة لأَنَّها أُعطيت من المسيح وتمارس بإسمه في خدمة شعب الله. و هذه السلطة تتضمّن ثلاث مهمّات في التعليم والحكم والتقديس فيما يخص مادّة الإيمان والقانون الكنسي والعبادة؛ وثلاث جوانب من سلطة الحُكم (التشريعيَّة، التنفيذيَّة، القضائيَّة). وأيضاً هي مباشرة، بقدر ما  يمارسه بدونٍ شروط. إنَّ الهَدَف منْ هذه الصفة هو استبعاد تدخل سلطة غير كنسيّة (تلك المدنيَّة بشكل خاصّ) يحقّ البابا أن يتوجّه إلى جميع المؤمنين بشكل مباشر. وأخيرأ هي جامعة، بقدر ما أَنَّه تمتد للكنيسة الجامعة بشكل مباشر، ولجميع الايبارشيات الكنسيّة الكاثوليكيّة-اللاتينيَّة و الشرقيّة- وتجمعاتهم ولجميع الرعاة والمؤمنين، وذَلك بٍسبب إختصاصه المكاني ratione loci الّذي يمتد على الكنيسة.

 

تؤمن الكنيسة الكاثوليكيّة اللاتينية أنَّ لها رئيساً أعلى واحد، هو أسقف روما الملقب بالحبر الروماني أو "بابا روما" ويحمل أيضاً لقب بطريرك الغرب. وهذا الأسقف هو الاول بين جميع البطاركة والأساقفة الكاثوليك، وله في الكنيسة الكاثوليكيّة "الأولوية" أو " المكانة الاولى الفعليَّة" اي أنّه يتمتّع بصلاحيات رئاسيَّة وإداريَّة وراعويَّة تشمل الكنيسة الكاثوليكيّة كُلها، وبسلطة تعليميَّة عليا معصومة. بينما الأساقفة فهم رؤساء الكنائس المحلّيَّة، خلفاء الرُّسل، يتمتّعون بالسلطة المألوفة والمباشرة على كنائسهم، و يؤلّفون مع رئيسهم أسقف روما، الهيئة الأسقفيَّة التي تملك بالإتّحاد معه السلطة العُليَّا و الشَّاملة في الكنيسة الكاثوليكيّة.

 

ومن المهم التأكيد على أنّ "الحبر الروماني، بصفة كونه خليفة بطرس، هو المبدأ الدائم المنظور والأساس للوحدة التي تربط بين الأساقفة، وتربط بين جمهور المؤمنين. فأسقف روما للمحافظة على ضمان وحدة الكنيسة الجامعة، "مجهّز بخدمة المحبة الخاصّة والفريدة من نوعها لهذا السبب، والذي كان موضوع صلاة المسيح عشية آلامه". هناك العديد من المقاطع من خطب الأحبار الرومانية يمكن ملاحظة الاعتراف من قبلهم للمهمّة الأساقفة الارثوذكس الرعوية في رعاياهم. على سبيل المثال: يقول البابا بولس السادس" أن الأساقفة الأرثوذكس يجب الاعتراف بهم واحترامهم كرعاة لقطيع المسيح، الذين أوكلت إليهم". أيضاً البابا يوحنّا بولس الثاني اعترف عدّة مرات لمختلف البطاركة غير الكاثوليك كرعاة حقيقيين لكنائسهم. وأخيراً البابا بنديكتوس السادس عشر وقع مؤخراً إعلانا مشتركا مع بطريرك القسطنطينية برتلماوس الأول، الذين أكّدا على الالتزام نحو الوحدة التي" تأتي من إرادة ربّنا ومن مسؤوليتنا كرعاة في الكنيسة المسيح؟