موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ١ يوليو / تموز ٢٠٢٦
الانشقاق والحرمان الكنسي والسيامات الأسقفية لجماعة القديس بيوس العاشر
فيما تستعدّ جماعة القديس بيوس العاشر الكهنوتية لإقامة سيامات أسقفية جديدة يوم الأربعاء 1 تموز 2026، نشرح التداعيات القانونية والكنسية لهذه الخطوة، بالاستناد إلى أحكام القانون الكنسي

أبونا :

 

لماذا تُعدّ السيامات الأسقفية التي أعلنت عنها جماعة القديس بيوس العاشر إشكالية؟ وما الذي سيترتب على الأشخاص المعنيين بها؟ وماذا سيكون مصير الكهنة والمؤمنين المرتبطين بهذه الجماعة؟ فمنذ انفصالها عن روما عام 1988، تفتقر جماعة القديس بيوس العاشر إلى أي وضع قانوني كنسي رسمي.

 

وفي ما يلي قراءة في تداعيات هذه السيامات المرتقبة في ضوء القانون الكنسي.

 

 

لماذا تُعدّ هذه السيامات مثيرة للجدل؟

 

تتطلّب أي سيامة أسقفية في الكنيسة الكاثوليكية تفويضًا بابويًا. ويخضع اختيار الأسقف الجديد لإجراءات دقيقة يشرف عليها السفير البابوي ودائرة الأساقفة في الفاتيكان. ويُرفع إلى البابا ثلاثة مرشحين، تُعرف هذه اللائحة باسم "الثلاثية"، ليختار أحدهم، مع احتفاظه بحق اختيار شخص آخر من خارج اللائحة إذا شاء. أما الإقدام على سيامة أسقف من دون تفويض بابوي، فيُعدّ مخالفةً لأحكام القانون الكنسي النافذ (القانون 1013).

 

 

هل سيكون هؤلاء أساقفة حقيقيين؟

 

من المهم التمييز بين صحة السيامة ومشروعيتها القانونية.

 

فبحسب القانون الكنسي، ستكون السيامات التي ستُجرى يوم الأربعاء صحيحة، لأن أسقفًا صحيح السيامة سيقوم بمنحها. إلا أنها ستكون غير مشروعة، لأنها تتم من دون تفويض بابوي. وبالتالي، تنظر الكنيسة إلى الرجال الذين سينالون السيامة كأساقفة حقيقيين وكاملي الدرجة الأسقفية، إلا أنهم سيمارسون خدمتهم خارج الإطار القانوني للكنيسة.

 

 

ما هو الانشقاق؟

 

كل من يرتكب عملًا متعمّدًا من العصيان تجاه سلطة الحبر الروماني يدخل في حالة انشقاق. ويعرّف القانون الكنسي (751) الانشقاق بأنه رفض الخضوع للبابا، أو رفض البقاء في الشركة مع أعضاء الكنيسة. ويُعدّ الانشقاق مخالفةً ذات طابع تأديبي.

 

لا ينبغي الخلط بين الانشقاق والهرطقة. فالهرطقة تعني الإصرار على إنكار حقيقة من حقائق الإيمان العقائدية. أما الردّة فهي أو الإنكار التام للإيمان المسيحي. إنّ جميع هذه المخالفات الثلاث تستوجب الحرمان الكنسي.

 

 

ما هو الحرمان الكنسي؟

 

الحرمان الكنسي يعني قطع شركة الشخص مع الكنيسة، ويُعدّ الجزاء المترتب على ارتكاب فعل انشقاقي. وفي حال مضت جماعة القديس بيوس العاشر في سيامة أربعة أساقفة كما أعلنت، فإن الحرمان سيكون من نوع الحرمان التلقائي، أي إنه يقع بمجرد ارتكاب الفعل، من دون الحاجة إلى صدور حكم قضائي أو إعلان مسبق. ويجوز لروما إصدار إعلان علني يقرّ بوجود هذا الوضع، كما فعلت سنة 1988 في الرسالة الرسولية Ecclesia Dei.

 

وعلى خلاف العقوبات الكنسية "التكفيرية" ذات الطابع العقابي، يُعدّ الحرمان الكنسي عقوبة "علاجية"، هدفها دفع الشخص إلى إدراك خطئه والسعي إلى تصحيح وضعه مع وفي الكنيسة. وفي حالات أخرى، ينصّ القانون الكنسي على الحرمان بحكم قضائي، حيث لا تُفرض العقوبة إلا بعد انتهاء محاكمة كنسية وإصدار الحكم.

 

 

هل يعني الحرمان الكنسي الهلاك الأبدي؟

 

لا. بحسب اللاهوت الكاثوليكي، فإن قطع الشركة الكنسية يحمل تداعيات خطيرة في الحياة الأرضية، وأبرزها أن الشخص الذي يقع تحت الحرمان الكنسي لا يعود قادرًا على نيل الأسرار المقدسة. لكن الكنيسة لا تصدر حكمًا على المصير الأبدي للشخص الذي تعرّض للعقوبة الكنسية، لأن الحكم النهائي على خلاص الإنسان يعود لله وحده.

 

 

من هم الذين سيقعون تحت الحرمان الكنسي يوم الأربعاء 1 تموز؟

 

سيُحرم الأساقفة الذين يمنحون السيامة والأساقفة الذين ينالونها شخصيًا، بمجرد وقوع المخالفة. لكن لهذا العمل أيضًا بُعد مؤسساتي، لأن جماعة القديس بيوس العاشر تقوم بهذه السيامات بصفتها مؤسسة. وقد أعلن دافيد باغلياراني، الرئيس العام للجماعة، القرار وأكد أنهم سيمضون في السيامات من دون تفويض بابوي.

 

وبناءً على ذلك، فإن جميع الأعضاء المسجلين في الجماعة، بمن فيهم الإكليروس والرهبان، وكذلك العلمانيون الذين يؤيدون هذا العمل، يجدون أنفسهم في وضع انشقاقي وفق نظر الكنيسة، وقد يكونون عرضة لعقوبة الحرمان الكنسي.

 

ومن الجدير بالذكر أنه خلال السيامات غير القانونية الأولى التي ترأسها رئيس الأساقفة مارسيل لوفيفر عام 1988، أعلنت روما الحرمان فقط بحق الأساقفة الذين منحوا السيامة ونالوها، وليس بحق جميع أعضاء جماعة القديس بيوس العاشر.

 

 

ما الخطوات المطلوبة للعودة إلى الشركة الكنسية؟

 

إن رفع الحرمان الكنسي هو أمر شخصي يخص كل فرد. ويتخذ الكرسي الرسولي القرار بعد أن يمر الشخص المعني بفترة توبة وتصحيح للوضع. كما يمكن للبابا أن يبدأ هذه العملية بهدف تعزيز الحوار والمصالحة.

 

وفي عام 2009، أصدر البابا بندكتس السادس عشر مرسومًا رفع بموجبه الحرمان عن أساقفة عام 1988، واصفًا ذلك بأنه «بادرة رحمة» تهدف إلى «دعوة الأساقفة الأربعة للعودة» إلى حظيرة الكنيسة. وتتطلب العودة إلى الشركة «قبولًا في الشركة الكاملة»، ويتم ذلك عبر احتفال ليتورجي خاص يعلن فيه الشخص قانون الإيمان أمام ممثلين عن الجماعة الكاثوليكية.

 

 

ما هو الوضع الحالي لكهنة جماعة القديس بيوس العاشر؟

 

كهنة جماعة القديس بيوس العاشر هم كهنة مرسومون بشكل صحيح من ناحية السرّ، لكنهم ما زالوا موقوفين عن ممارسة مهامهم. وبما أن الأساقفة الذين قاموا برسامتهم كانوا في وضع غير قانوني وداخل خلاف مباشر مع روما، فإن هؤلاء الكهنة يخضعون لعقوبة التعليق عن ممارسة الخدمة الكهنوتية، التي تمنعهم من ممارسة الأسرار. لكن، وبخلاف الأشخاص الواقعين تحت الحرمان الكنسي، يبقون هم أنفسهم قادرين على نيل الأسرار.

 

 

هل الأسرار التي يحتفل بها كهنة الجماعة صحيحة؟

 

إن سيامة كاهن من جماعة القديس بيوس العاشر هي غير شرعية لكنها صحيحة. والأسرار المقدسة التي يحتفلون بها تحمل الوضع نفسه: فهي صحيحة من ناحية السرّ، لكنها غير مشروعة من الناحية القانونية الكنسية. وتعلّم الكنيسة أن «نعمة الله» تبقى حاضرة وفاعلة في هذه الأسرار.

 

خلال سنة الرحمة عام 2015، سمح البابا فرنسيس لكهنة الجماعة بالاستماع إلى الاعترافات بشكل صحيح وشرعي، ثم مدّد هذا الإذن لاحقًا إلى أجل غير محدد. كذلك، منح البابا في آذار 2017 صلاحية الاحتفال بسر الزواج من خلالهم في حالات محددة، شرط الحصول على إذن الأسقف المحلي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه القرارات الرعوية ستبقى سارية في عهد البابا لاون الرابع عشر إذا تمت السيامات الأسقفية يوم الأربعاء 1 تموز.

 

 

هل توجد استثناءات تكون فيها الأسرار صحيحة ومشروعة؟

 

ينصّ القانون الكنسي على استثناء خاص في حالة المؤمن الذي يكون على وشك الموت ويحتاج بصورة عاجلة إلى أحد الأسرار في مثل هذه الحالات الخطيرة، يستعيد أي كاهن أو أسقف -حتى لو كان خاضعًا لعقوبات كنسية شديدة- الصلاحيات اللازمة لسماع الاعترافات بصورة صحيحة ومشروعة، وذلك من أجل الشخص المحتاج. وهذا الاستثناء لا يُمنح كامتياز للكاهن الموقوف أو المحروم، بل لأن الكنيسة تقدّم خلاص نفس الشخص المحتضر على أي اعتبار آخر.

 

 

لا توجد إشارة إلى التراجع

 

في 30 حزيران، وجّه البابا لاون الرابع عشر رسالة أخيرة إلى جماعة القديس بيوس العاشر، دعاها فيها إلى تعليق السيامات الأسقفية والدخول في حوار مع الفاتيكان. لكن الأب دافيد باغلياراني ردّ على البابا في بعد ظهر اليوم نفسه، ونشر رسالة مفتوحة على الموقع الإلكتروني للجماعة، رفض فيها طلب إلغاء السيامات الأسقفية.

 

ومع ذلك، شكر باغلياراني البابا على «عنايته الأبوية» التي عبّر عنها في رسالته، معربًا عن أسفه لعدم تمكنه من اللقاء به. وأوضح أن الأسقفين اللذين كلّفهما الكرسي الرسولي بالحوار مع الجماعة (المطران الراحل فيتوس هووندر والمطران أثناسيوس شنايدر) «أدركا الروح الكاثوليكية العميقة التي تتمتع بها الجمعية».

 

وأكد رئيس الجماعة أنه لا يريد «الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية». وأضاف الأب باغلياراني: «في يوم من الأيام، ستُحلّ كل الصعوبات بين الكرسي الرسولي والجمعية». ودعا البابا إلى القيام «ببادرة تفهّم».