موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تقوم الحياة الرهبانية، في بنيتها القانونية الكنسية، على مبدأ جوهري مفاده أنّ الحياة المكرّسة هي شكل ثابت من أشكال الحياة في الكنيسة، يعبّر عن طبيعة الكنيسة ذاتها، كما يوضح القانون اللاتيني 573 §1 من مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينية، الذي يعرّف الحياة المكرّسة بأنها حالة يُكرّس فيها المؤمنون ذواتهم لله بطريقة خاصة عبر ممارسة المشورات الإنجيلية. ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الكاريزما المؤسسة وبين العمل الرسولي ليست علاقة عرضية أو تنظيمية، بل هي علاقة ذات طابع قانوني‑لاهوتي، لأن الكاريزما تُعدّ عنصراً تأسيسياً في هوية كل مؤسسة رهبانية، وهي علاقة ليست ثنائية متعارضة، بل وحدة عضوية تتطلّب تمييزاً مستمراً وفهماً ناضجاً لطبيعة الحياة المكرّسة.
فالكاريزما، بما هي نعمة روحية أُعطيت للمؤسِّس أو المؤسِّسة، تشكّل الهوية العميقة للرهبنة، وتحدّد أسلوب عيشها، ونَفَس صلاتها، وطريقة حضورها في الكنيسة والعالم. إنها ليست مشروعاً بشرياً ولا تنظيماً إدارياً، بل هي إلهام إلهي يُترجم في نمط حياة، وفي رؤية روحية، وفي أسلوب خدمة. ومن دون هذه الكاريزما، يفقد العمل الرسولي جذوره الروحية ويتحوّل إلى نشاط اجتماعي لا يختلف عن أي مؤسسة بشرية أخرى. لذلك فإن كل ممارسة رسولية يجب أن تُقرأ في ضوء الكاريزما، وأن تُفهم كامتداد طبيعي لها، لا كبديل عنها. فالرسالة ليست منافسة للحياة الرهبانية، بل هي تجلٍّ لها، لأن الراهبة لا تعمل باسمها، بل باسم المسيح الذي تدعوه الكاريزما إلى التشبّه به.
وهذا المبدأ، الذي أصبح لاحقاً قاعدة قانونية في القانون اللاتيني 578، يبيّن أنّ الكاريزما ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي معيار قانوني يُلزم الرهبنة في تنظيم حياتها الداخلية وفي تحديد رسالتها الخارجية، بحيث تصبح الهوية الروحية جزءاً من النظام الأساسي للمؤسسة، ومن ثمّ جزءاً من التزام الطاعة الذي يقطعه الأعضاء، ويمنع الانحراف عن الهوية الأصلية للمؤسسة.
الجوهر اللاهوتي الكنسي لهذا القانون يمكن تلخيصه في أنّه يضع تراث المؤسّسة (patrimonium instituti) في قلب هويّتها ورسالتها، ويجعل حفظ هذا التراث واجباً قانونياً وروحياً في آن واحد. هذا التراث ليس مجرّد مجموعة من العادات أو القواعد التنظيمية، بل هو تعبير عن فعل الروح القدس الذي ألهم المؤسّسين، وعن الخبرة الروحية التي عاشوها ونقلوها إلى تلاميذهم. ومن ثمّ فإنّ الشرع الكنسي، في هذا القانون، لا يكتفي بوصف هذا التراث، بل يفرض على الجميع واجب الحفاظ عليه بدقّة، لأنّ المساس به يعني المساس بالهويّة الروحية التي أرادها الله للمؤسّسة.
ويُفهم هذا الواجب في ضوء النظرة اللاهوتية إلى الحياة المكرّسة بوصفها عطية إلهية للكنيسة. فالمؤسّسون، بحسب تعليم الكنيسة، ليسوا مجرّد مبتكرين لمشروع بشري، بل هم أدوات اختارها الروح القدس ليُنشئ من خلالها سبيلاً خاصاً لاتباع المسيح. لذلك فإنّ فكر المؤسّسين ومقاصدهم، كما أقرتها السلطة الكنسية المختصّة، يحملان طابعاً معيارياً، لأنّ الكنيسة نفسها قد ميّزت فيها عملاً أصيلاً من أعمال الروح. ومن هنا تأتي ضرورة أن يُحافظ عليها الجميع بأمانة، لا بوصفها ذكرى تاريخية، بل كمعيار حيّ يوجّه الحياة اليومية للمؤسّسة.
ومن الناحية القانونية، يضع هذا القانون حدوداً واضحة أمام أيّ محاولة لتغيير هوية المؤسّسة أو إعادة تفسيرها بطريقة تتعارض مع مقاصد المؤسّسين. فالسلطة الكنسية، وإن كانت تملك صلاحية الإشراف والتوجيه، إلا أنّها لا تستطيع أن تُلغي ما اعترفت به سابقاً بوصفه جزءاً من التراث المؤسّسي. كما أنّ الأعضاء، سواء كانوا رؤساء أو مرؤوسين، ملزمون بأن يعيشوا هذا التراث ويحموه، لأنّه يشكّل معيار الشرعية الداخلية لكلّ إصلاح أو تجديد.
يُقصد بعبارة "غاية محدّدة" أو "غاية خاصّة" للمؤسّسة الرهبانية أنّ لكلّ مؤسّسة مكرّس رسالة رسوليّة أو خيرية تشكّل جزءاً من جوهر الكاريزما التي ألهم بها الروح القدس المؤسّسين. فهذه الغاية ليست نشاطاً ثانوياً أو خياراً تنظيمياً، بل هي عنصر بنيوي في هوية المؤسّسة، لأنّ الكنيسة نفسها قد كلّفت أعضاءه بأن يمارسوا هذا العمل باسمها، بوصفه خدمة مقدّسة وامتداداً لرسالة المسيح في العالم. ومن ثمّ فإنّ الغاية المحدّدة تعبّر عن الطريقة الخاصة التي بها يشارك المؤسّسة في رسالة الكنيسة، وتشكّل معياراً لتمييز أصالة الكاريزما واستمراريتها.
ولهذا السبب يحرص المشرّع الكنسي على أن تُدرج هذه الغاية في القانون الأساسي للمؤسّسة، أي في الدستور الذي لا يمكن تغييره إلا بإذن السلطة الكنسية المختصّة. فإدراج الغاية في القانون الأساسي يعني أنّها جزء من تراث المؤسّسة الذي لا يجوز المساس به أو استبداله أو تقديم أعمال أخرى تناقضه أو لا تنسجم معه، لأنّ ذلك يغيّر هوية المؤسّسة ويشوّه الكاريزما التي اعترفت بها الكنيسة. ومن هنا تأتي ضرورة الحصول على إذن صريح من السلطة المختصّة قبل إضافة أيّ نشاط جديد لا يدخل في الغاية المحدّدة.
ويأتي القانون اللاتيني 675 §1 ليؤكّد هذا المبدأ، إذ يربط بين الرسالة وطبيعة الحياة المكرّسة ذاتها. فالعمل الرسولي ليس مجرّد نشاط خارجي، بل هو تعبير قانوني‑روحي عن التكريس، بحيث تُشبع حياة الأعضاء كلها بالروح الرسولي، وتُنعش الروح الرهبانية كلّ عمل رسولي يقومون به. فالرسالة هنا ليست وظيفة، بل هي امتداد للهوية الروحية، واشتراك فعلي في رسالة الكنيسة التي هي، بحسب تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، امتداد لرسالة المسيح نفسه.
إنّ هذا الترابط بين التكريس والرسالة يبيّن أنّ الغاية المحدّدة ليست خياراً عملياً، بل هي تجسيد للكاريزما. فالكاريزما، بحسب اللاهوت الكاثوليكي، هي عطية من الروح القدس تُعطى للخير العام ولخدمة الكنيسة. ومن ثمّ فإنّ النشاط الرسولي أو الخيري الذي يميّز المؤسّسة ما هو جزء من هذه العطية، ويجب أن يُمارس باسم الكنيسة وبروح الطاعة لها، لأنّها هي التي تميّز أصالة الكاريزما وتضمن عدم انحرافها. وبذلك يظهر أنّ الغاية المحدّدة للمؤسّسة الرهبانية هي المكان الذي يلتقي فيه القانون باللاهوت: فهي من جهة عنصر قانوني ثابت في الدستور، ومن جهة أخرى تعبير روحي عن الكاريزما التي ألهم بها الروح القدس المؤسّسين. إنّها معيار الهوية، وضمانة الأمانة للنعمة الأولى، وطريقة مشاركة المؤسّسة في رسالة الكنيسة عبر التاريخ.
إنّ العمل الرسولي في المؤسّسات المكرّسة، بوصفه عنصراً بنيوياً في هويّتها، لا يمكن أن يتعارض مع حقيقة التكريس الرهباني، لأنّ الكنيسة رفضت دائماً النظر إلى التكريس كأداة تُستخدم لخدمة النشاط الرسولي. فإذا افترضنا أنّ الشخص يكرّس ذاته لله لكي يكرّس ذاته للنشاط الرسولي، نكون قد شوّهنا جوهر الدعوة الرهبانية، التي هي أوّلاً دعوة إلهية للانتماء الكامل إلى الله على مثال حياة يسوع. وعندئذ يفقد التكريس معناه، لأنّ هبة الذات لله لا يمكن أن تُختزل إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى مهما كانت نبيلة. لذلك يجب أن يتّحد التكريس لله والتفاني في الرسالة اتحاداً عضوياً: فالراهب أو الراهبة لا يكرّسان نفسيهما ظاهرياً للعمل الرسولي أو للتأمل، بحجة أنّ الرسالة جزء من طبيعة الحياة الرهبانية أو أنّ الحياة الرهبانية بطبيعتها مُرسلة، بل يعيشان هذا الاتحاد في العمق. فـالروحانية الرهبانية يجب أن تستمدّ غذاءها من الرسالة، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون العمل الرسولي انبثاقاً أصيلاً لروحانية مكرّسة لله عبر عيش المشورات الإنجيلية.
ومن الواضح أنّ العمل الرسولي يحمل دائماً بصمة الأشخاص المكرّسين الذين يعلنون المشورات الإنجيلية علناً ويشهدون بفرح للحياة الأخوية المشتركة. ولذلك ينبغي أن تتميّز حياة المؤسّسة الرسوليّة بتكامل شامل بين النشاط الرسولي والقيم النبوية للحياة الرهبانية. ومن جهة أخرى، يجب أن يتدفّق العمل الرسولي باستمرار من اتحاد حميم مع الله، وأن يعود فينعشه ويثبّته. وهكذا يدين الشرع، بطريقة غير مباشرة، كلّ انحراف رسولي يجعل النشاط الخارجي يضعف الاتحاد بالله أو يقلّل من الوسائل التي تعزّزه. فالله هو الذي يرسل، وهو الذي يمنح القيمة والفعالية للعمل الرسولي. ومن هذا المنطلق، يولد العمل الرسولي من الصلاة ويقود إليها؛ ويترتّب على ذلك أنّ حياة كلّ راهب أو راهبة يجب أن تكون متّسقة مع كرامة التكريس، وإلا فقدت الرسالة طابعها الشهادة.
ومن الواضح أن العمل الرسوليّ هو الَّذي يحمل بصمة الأشخاص المكرَّسين الَّذين يعلنون علنًا عن المشورات الإنجيليّة ويعيشون بفرح الحياة الأخويَّة المشتركة. وبالتالي، ينبغي أن تتميز حياة المؤسّسة الرسوليّة عن طريق تدخل شامل للنشاط الرسوليّ والقيم النبويَّة للحياة الرَّهْبانيَّة. ومن ناحية أخرى، يجب أن يتدفق العمل الرسوليّ دائمًا من اتحاد حميم مع الله، وفي الوقت نفسه يحييه ويثبته. وبهذه الطريقة، يدين الشَّرع، بشكل غير مباشر، تلك التجاوزات في النشاط الرسوليّ الَّذي، بدلًا من تقوية الاتحاد مع الله، يميل إلى تقويضه أو يقلل من الوسائل الَّتي تعززه. الله هو الَّذي يرسل، والَّذي يعطي القيمة والفعاليَّة للعمل الرسوليّ. بهذا المعنى، يولد العمل الرسوليّ من الصَّلاة ويقود إلى الصَّلاة؛ ويترتب على ذلك أنَّ حياة كلّ راهب أو راهبة يجب أن تكون جديرة بالتَّكريس، وإلا فإنها لا تستطيع أن تتخذ قيمة الشهادة. لذا، العمل الرسوليّ ليس ملحقًا للتكريس، إنَّه عنصر من عناصر التعبير عن حقيقة فعل التَّكريس؛ إنَّه ينتمي إلى طبيعة الحياة المكرَّسة.
أعلن القرار في تجديد الحياة الرَّهْبانيَّة «المحبَّة الكاملة» من المجمع الفاتيكانيّ الثّاني (رقم، 8): «إنّ من جوهر الحياة الرَّهْبانيَّة، في تلك المؤسّسات، العمل الرسوليّ والخيريّ، وذلك كخدمة مقدّسة وكعمل يتميز بالمحبَّة، أوكلته الكنيسة إلى هذه المؤسّسات كي تقوم به باسمها. لذلك، فإنَّ الحياة الرَّهْبانيَّة ليست غاية، في حدّ ذاتها؛ ليست بتصميم أنانيّ وذاتيّ، سواء كان ذلك من الجانب العاطفيّ أو الفكريّ. الحياة الرَّهْبانيَّة هي هبة كنسيّة وخدمة؛ إنَّها من أجل الآخرين. في هذا السياق، يؤكّد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني على ضرورة التكامل بين الحياة الرَّهْبانيَّة والعمل الرسوليّ. هناك حقيقتان، بعيدتان عن التناقض، يجب أن تندمجا في الالتزام نفسه. كما هو مبين في النصّ نفسه، الرَّاهب بعمله الرسوليّ يجب أن يعتبر نفسه مبعوثًا لتنفيذ المهمة باسم الكنيسة. لهذا، يجب أن تكون حياة الأعضاء الرَّهْبانيَّة كلها مشبعة من الرُّوح الرسوليّ وأن يكون عملها الرسوليّ كله منتعشًا بالرُّوح الرهبانيّة. ولكي يلبّي الرّهبان قبل كلّ شيء الدعوة في اتّباع المسيح وخدمته شخصيًّا في أعضائه؛ يجب أن ينبثق نشاطهم الرسوليّ من اتحادهم به بالذات».
يُظهر القانون 610 بوضوح أنّ فتح بيت جديد أو تأسيس عمل رسولي جديد ليس قراراً إدارياً تقنياً، بل هو فعل قانوني‑كاريزماتي يتطلّب تمييزاً دقيقاً، لأنّ كلّ توسّع في حياة المؤسّسة يجب أن يكون امتداداً مباشراً لكاريزمتها، لا تعديلاً لها ولا خروجاً عنها. فالمشرّع الكنسي يشترط، قبل أي تأسيس جديد، أن يكون العمل المزمع القيام به متوافقاً مع طبيعة المؤسّسة وغايته، أي مع هويّتها الروحية ورسالتها الأصلية التي اعترفت بها الكنيسة.
في البند الأول، يربط القانون بين إقامة البيوت الجديدة وبين فائدة الكنيسة وفائدة المؤسّسة، ما يعني أنّ الرسالة ليست مبادرة ذاتية، بل هي مشاركة في رسالة الكنيسة نفسها، ويجب أن تُمارس باسمها ووفقاً لمعيار الكاريزما. كما يشترط القانون أن تتوافر الظروف التي تسمح للأعضاء بأن يعيشوا حياتهم الرهبانية «على الوجه المطلوب»، أي أن يبقى التكريس هو المبدأ المنظّم لكلّ عمل رسولي، وألا يتحوّل النشاط الخارجي إلى عنصر يبتلع الحياة الروحية أو يضعفها. فالمؤسّسة لا تُقيم بيتاً جديداً لكي تمارس نشاطاً إضافياً، بل لكي تُجسّد كاريزمتها في مكان جديد، وتقدّم شهادة إنجيلية متّسقة مع هويّتها.
أمّا البند الثاني، فيشدّد على ضرورة التأكّد «الحكيم» من إمكانية تأمين احتياجات الأعضاء بصورة مناسبة. وهذا الشرط ليس إدارياً فحسب، بل هو شرط روحي‑قانوني، لأنّ أي عمل رسولي لا يمكن أن يكون صحيحاً ما لم يضمن للأعضاء الظروف التي تسمح لهم بأن يعيشوا الاتحاد بالله، وأن يحافظوا على الحياة الأخوية، وأن يمارسوا المشورات الإنجيلية بفرح وحرية. فالمشرّع يريد أن يضمن أنّ الرسالة لا تُقام على حساب الحياة الرهبانية، بل تنبع منها وتعود لتغذّيها. وبذلك يتّضح أنّ القانون اللاتينيّ 610 يضع معياراً مزدوجاً: أولاً، معيار الكاريزما: فلا يُقبل أي عمل رسولي إلا إذا كان امتداداً أصيلاً للهوية الروحية للمؤسّسة. ثانياً، معيار الحياة الرهبانية: فلا يُفتح بيت جديد إلا إذا كان قادراً على حماية التكريس، وضمان الظروف التي تسمح للأعضاء بأن يعيشوا دعوتهم بملئها.
يمثّل القانون اللاتينيّ 677 §1، في ضوء ما يقرّره القانون 610، امتداداً عضوياً للرؤية الكنسيّة التي تجعل الكاريزما معياراً أعلى لكلّ توسّع رسولي ولكلّ تكييف في أعمال المؤسّسة. فكما يشترط القانون 610 أن يكون فتح بيت جديد أو إنشاء عمل رسولي جديد منسجماً مع طبيعة المؤسّسة وغايته، بحيث لا يُفهم أيّ نشاط إلا بوصفه امتداداً أصيلاً للكاريزما، كذلك يؤكّد القانون 677 §1 أنّ هذه الكاريزما نفسها، لكي تبقى حيّة وفاعلة، تحتاج إلى تكييف حكيم يتجاوب مع متطلبات الأزمنة والأمكنة دون أن يمسّ بروح المؤسّس ونواياه. وهكذا يتكامل القانونان في رسم معادلة دقيقة تجمع بين الأمانة والتجدد: فالأمانة للهوية لا تعني الجمود، والتجدد لا يعني الانحراف، بل إنّ الحيوية الروحية للمؤسّسة تقوم على القدرة على قراءة علامات الأزمنة وإعادة تجسيد الكاريزما في لغة الحاضر من دون أن تفقد جوهرها: "البند 1- على الرُؤَسَاء والأعضاء أن يحافظوا بأمانة على رسالة المؤسّسة وأعمالها الخاصّة، وعليهم أن يقوموا بتكييفها بفطنة، مع مراعاة ضرورات الأزمنة والأمكنة، مستخدمين أيضًا وسائل جديدة ومناسبة.
إنّ المشرّع، حين يطلب من الرؤساء والأعضاء أن يحافظوا بأمانة على رسالة المؤسّسة وأعمالها الخاصّة، وأن يكيّفوها بفطنة وفقاً لضرورات الأزمنة والأمكنة، إنما يعبّر عن قناعة لاهوتية عميقة مفادها أنّ الكاريزما ليست ذكرى تاريخية، بل عطية حيّة من الروح القدس تتطلّب إبداعاً مستمراً. غير أنّ هذا الإبداع لا يمكن أن يكون صحيحاً إلا إذا انطلق من روح المؤسّس، لأنّ الكاريزما، بحسب تعليم الكنيسة، تحمل في ذاتها مبدأ تمييز يحدّد ما يمكن أن يتجدّد وما لا يمكن أن يُمسّ. ومن ثمّ، فإنّ التكييف الرسولي لا يطال الهوية، بل يطال طرق التعبير عنها، ولا يغيّر الغاية، بل يغيّر الوسائل التي تخدم هذه الغاية.
وبذلك يصبح القانون 677 §1 مكمّلاً طبيعياً للقانون 610: فالأول يحمي الهوية من أيّ توسّع لا ينسجم مع الكاريزما، والثاني يحمي التجسيد التاريخي لهذه الهوية من الجمود أو الانغلاق. فالمؤسّسة، حين تفتح بيتاً جديداً، يجب أن تضمن أنّ الأعضاء قادرون على عيش حياتهم الرهبانية «على الوجه المطلوب»؛ وحين تكيّف أعمالها الرسولية، يجب أن تضمن أنّ هذا التكييف لا يغيّر روح المؤسّس، بل يترجمها في لغة الزمن الحاضر. وهكذا يصبح التوسّع الرسولي والتكييف الرسولي وجهين لواقع واحد: واقع الكاريزما التي تُعاش في التاريخ، والتي تتطلّب في آن واحد أمانة مطلقة وتجديداً مستمراً.
وفي ضوء هذا، فإن استعادة الانسجام بين الكاريزما والعمل الرسولي تتطلّب العودة إلى المؤسِّس، وإلى الوثائق التأسيسية، وإلى القوانين الخاصة بالمؤسسة، وإلى ممارسة التمييز الجماعي وفق ما يقتضيه القانون 631 بشأن المجالس العامة، التي تُعدّ السلطة العليا في تحديد مسار المؤسسة، وعبر تجديد الحياة الروحية التي تُعدّ المصدر الأول لكل رسالة، وعبر تنظيم الوقت بحيث لا يطغى العمل على الصلاة والحياة الأخوية، وعبر تعزيز الرسالة المشتركة التي تعبّر عن وجه الجماعة لا عن مبادرات فردية، وعبر قراءة علامات الأزمنة بعيون روحية لا بعيون السوق أو الضغط الاجتماعي.
إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى خدمات، بل إلى شهادة. شهادة لأسلوب حياة مختلف، لفرح الإنجيل، لحرية القلب، لقدرة الإنسان على أن يعيش لله وحده. وحين تتناغم الكاريزما مع العمل الرسولي، تصبح الراهبة علامة نبوية، ويصبح الدير نوراً، وتصبح الرسالة فيضاً من حياة داخلية لا مشروعاً خارجياً. فالحياة الرهبانية ليست صراعاً بين التأمل والعمل، بل هي وحدة ديناميكية بين الجذور والثمار؛ الجذور هي الكاريزما، والثمار هي الرسالة. وكلما تعمّقت الراهبات في الجذور، ازدادت الثمار نضجاً، وكلما نضجت الثمار، ازداد حضور الكنيسة إشراقاً في العالم، وازداد المجد لله الذي يدعو ويقدّس ويرسل.
وهكذا يتضح أنّ الكاريزما، في منظور القانون الكنسي وتعليم الكنيسة، هي الجذور القانونية‑الروحية للمؤسسة، وأنّ العمل الرسولي هو الثمرة التي تنمو من هذه الجذور. وأنّ الحفاظ على هذا التوازن ليس مجرد خيار روحي، بل هو واجب قانوني يضمن للمؤسسة ثبات هويته واستمرارية رسالته.