موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
التأمّل، بالإضافة إلى كونه عطيّة، بل وبسبَب كونه عطيّةً إلهيّة، هو أيضًا سرّ mysterium؛ لذلك لا يُمكن حصرُه في تعريفٍ جامع، ولا اختزالُه في مفهومٍ واحد، أو مجموعة كلمات. إنّه سرّ يلحّ على الإنسان، وسؤال يرافقه طوال مسيرته في الحياة، سؤال لا يستطيع أحد أن يُسكته. إنّه سؤال لا مفرّ منه، ويصير على نحوٍ خاصّ أكثر حدّة في أوقات الأزمات، سواءٌ كانت أزماتٍ خارجيّةً أو اجتماعيّة، أو أزماتٍ داخليّةً تمسّ الإنسان في عمقه، حين تنهار، أو يبدو لنا أنّها تنهار، المعارف الأساسيّة التي تقوم عليها حياته: أيْ معرفته بالله ومعرفتُه بذاته.
إنّه سؤالٌ حتميّ لا يستطيع الإنسان أن يتجنّبه، وهو في الوقت نفسه سؤالٌ وجوديٌّ جوهريّ؛ إذ يدرك الإنسان، بحدسه العميق، أنّ مصير شخصيّته كلّها، بل وُجوده ذاته، يتقرّر في التأمّل.
قد ذكرتُ أنّ التأمّل هو سرّ. وأسارع هنا إلى توضيح أنّ طابعه السرّيّ ينمو ويزيد بقدر ما تتعمّق خبرة التأمّل ذاتها. فلا يمكن للإنسان أن يعرفه من الخارج أو عن بُعد، ولا يمكن الحديث عنه أو الإصغاء إليه بصدق إلّا من الداخل، أي انطلاقًا من خبرةٍ حيّة ومُباشِرة. فحتّى أبلغ الكلمات وأعمقها ستظلّ صامتة وعديمة الأثر، كصرخة في مهبّ الريح، إن لم يكن كلّ من المتكلّم والمستمع، بدرجة أو بأُخرى، من أصحاب الخبرة التأمّليّة.
لهذا، فإن سرّ التأمّل تتجلّى حقيقته وتصير أقرب، حين يتحدّث عنه شخصٌ صوفيٌّ متأمّل. فالصوفيّ لا يصف التأمّل بكلماتٍ بعيدة عن حقيقته الروحيّة، بل إنّه يروي تأمُّلَه ويسرد خبرته الشخصيّة. ومن هنا، فإنّ كلّ كلمةٍ صادقة عن التأمّل هي -في جوهرها- سيرةٌ ذاتيّة. وفي هذه الحالة فقط، حين ينبع الكلام من عمق الخبرة المعيشة، تستطيع أن تنير طريق من يسمعها، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة، وتمهّد طرقًا للمغامَرة الروحيّة الشخصيّة. والصوفيّ لا يكتفي بطرح الإشكاليّات، بل يقدّم حلولًا وأجوبةً نابعة من نعمة عاشها واختبرها؛ لا يُثقِل القلب بالأسئلة، بل يُلهِمُه بعباراتٍ بسيطةٍ ومشجّعة، مثل: «انظروا ما صنعه معي»[1]. أو «إذا واظبت النفس على التأمّل، فأنا على ثقة بأنَّ الربّ يقودها إلى برّ الخلاص، كما يبدو لي الآن، أنّه قادني إليه»[2]. إنّ الحاجة إلى الاستماع إلى كبار المتأمّلين أمرٌ جوهريّ ولا غنى عنه. كما قالت تريزا نفسها: «إنّه أمرٌ عظيم جدًّا أن تتعامل وتصادق أُناسًا يتباحثون ويتبادلون الحديث حول هذا الموضوع؛ أي التأمّل»[3]. وقد تحوّلت هذه الحاجة اليوم إلى صرخةٍ حقيقيّة ومُلحّة. ومن الدلائل على ذلك، هو الإرهاق الذي يثقل الإنسان المعاصر بسبب كثرة الكلمات الفارغة من الحياة، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإنّ الأهمّ هو الاشتياق الداخلي والحاجة الدائمة التي تدفع المؤمنين باستمرارٍ نحو كلمة الله المتجسّدة في القدّيسين الذين هم شهوده، والذين تصل إلينا من خلالهم هذه الكلمة، لتلامس أعماق كلّ واحد منّا.
تُعَدُّ القدّيسة تريزا من أعظم المتأمّلين الصوفيّين في تاريخ الروحانيّة المسيحيّة. ففي شخصها تتوافر وتتحقّق الشروط الجوهريّة لكلّ تعليمٍ روحيّ أصيل؛ فهي أولًا، نالت فيضًا من الوحي الإلهيّ بسخاء، "أي الخبرة الروحيّة"، وثانيًا، أدركت ما منحها الله بفضل نعمة التأمّل، "أي عرفت وفهمت بعقلها المستنير معنى هذه النعمة وقيمتها"، وثالثًا، امتلكت القدرة على نقل هذه الخبرة للآخَرين بكلماتٍ واضحة ومعبّرة. هذه النعم الثلاث، تُميّز بوضوح بين النعمة التي يتلقّاها الإنسان من الله في التأمّل، وفَهْم ماهيّة هذه النعمة وقيمتها، وثَمّ نعمة أُخرى تتمثّل في القدرة على التعبير عنها وشرحها للآخَرين. وتشهد تريزا بدقّةٍ لافتة على اختبارها الشخصيّ لهذه النِّعم، قائلةً: «لكن الله مَنَّ عليّ في لحظةٍ أن أفهم بكلّ وضوح هذه المنَن، وأُحسن التعبير عنها، حتّى إنّ معلّمي اعترافي كانوا يَدهشون، وأنا كنتُ أدهش أكثر منهم؛ لأنّني كنتُ أعلم جيدًا بجهلي، وقد حدث هذا منذ زمنٍ قريب، وهكذا فأنا لا أُحمِّل نفسي مشقّة تعلُّم ما لم يُعلِّمني إيّاه الربّ، سوى ما يتعلّق بضميري»[4]. إذن، هي تتلقّى، وتفهم، وتنقل: نِعمٌ ثلاث متكاملة، جميعها ذات أصلٍ روحيّ كاريزميّ "موهبة"، وهي التي تجعل من تريزا معلّمة للتأمّل بجدارة.
ليس من الضروريّ أن نتوقّف طويلًا لتحليل هذه النِّعم بالتفصيل، بل -في الحقيقة- تكفي كلماتٌ قليلة تلخّص جوهرها ومعناها العميق. ففي كتاب "السيرة"، وعند حديثها عن خبرتها الروحيّة، تقول بلا تواضعٍ زائف، وإنما بثقةٍ نابعة من يقينٍ داخليّ: «في اعتقادي أنّ الذين وصلوا إلى خبرة في هذه الأمور قليل»[5]. وفي الواقع، فإنّ جميع كُتبها تشهد على وعيها العميق بالنعمة التي نالتها؛ فهي ليست مجرّد مسيرةٍ ذاتيّة فحسب، بل هي "رسائل وتعاليم" حقيقيّة في الحياة الروحيّة.
لقد حلّلت تريزا خبرتها الشخصيّة بعمقٍ نادر، وتأمّلت فيها تأمّلًا ناضجًا، حتّى استطاعت أن تنتقي منها ما يحمل قيمةً تعليميّةً واضحة ومحدَّدة، لتُضيء بها الطريق الروحيّ لقُرّائها. وقد شرحت لنا هي نفسها هذا المنهج بوضوح في الفصول الأخيرة من كتاب "السيرة"، قائلةً: «من بعض هذه النعم التي منحها لي الربّ يمكن استخلاص تعليم روحيّ مفيد؛ لأنّ هذا - كما قلتُ- كان هدفي الرئيس من الكتابة: أن أكتب ما يمكن أن يفيد النفوس»[6].
تتحدّث تريزا باستمرار عن القدرة على التواصل، بوصفها "نعمةً مُعطاة من الله"، وعن "امتلاك الروح" الذي تمكّنها من التعبير بكلماتٍ مناسِبة وصادقة عن خبرتها الروحيّة. فهي لا تكتب انطلاقًا من ذاتها، بل لأنّ الله نفسه هو المعلّم الذي يلهمها ما يجب أن تقوله، وكيف تقوله. ويقدّم لنا كتاب "السيرة" نصوصًا استثنائية تجسّد هذا الإيمان العميق بدور الإلهام الإلهيّ في الكتابة الروحيّة. فهي تُميّز بدقّةٍ بالغة بين أن يكون الإنسان قد اختبر شكلًا معيّنًا من التأمّل الصوفيّ، وبين أن يُوهَبَ "امتلاك الروح" التي تؤهّله لشرح هذه الخبرة ونقلها إلى الآخَرين. وتقول تريزا في هذا السياق: «عندما يلهم الربّ، تُكْتَبُ الأمور بسهولةٍ أكبر، وتمتاز بالوضوح، أمّا إذا غاب الإلهام، فإنّ الحديث يكون أصعب من الكلام بالعربيّة[7]، حتّى لو أمضى الإنسان سنواتٍ طويلةً في التأمّل»[8].
وفي موضعٍ آخَر، حين تصف مرحلة من مراحل التأمّل الصوفيّ، تكتب: «اليوم، بعد المناوَلة مباشَرة، منحني الربّ هذا التأمّل، حتّى إنّي لم أستطع مواصلته؛ وقد أَلهمني هذه المقارَنات، وعلّمني طريقة شرحها»[9]. وأمام عظمة تجربة "اتحاد النفس بالله"، تعترف تريزا بعجزها التامّ، وتُرجع الفضل كلّه إلى تدخّل الله الذي يمنحها القدرة على التعبير، قائلةً: «كان يبدو لي مستحيلًا أن أعالجَ نُقطة ما، كأنَّما طُلِبَ منّي أن أتكلَّم اليونانية [وأنا لا أتقنها]. تَبارك الربّ الذي يساعدنا، والذي أنارَ عقلي، فأحيانًا يلهمني الكلمات، وأحيانًا أُخرى يوضّح لي طريقة التعبير عن الفكرة. ويبدو أنّه جلّ جلاله يريد أن يقول ما لا أعرف قولَه ولا أستطيع»[10]. وفي لحظاتٍ أُخرى، تشعر فيها تريزا بفيض من الإلهام، تصف حالها بدهشةٍ صادقة فتقول: «لا أدري ما الذي أقوله! يُخَيَّلُ إليّ كأنّني لستُ أنا من يتكلّم حين أكتب هذا»[11]. وببساطةٍ بالغةٍ وثقةٍ عميقة، تكتب في الفصل الآتي: «فإنّ كثيرًا من الأمور التي أكتبها هنا ليست من نتاج أفكاري، بل إنّ معلّمي السماويّ هو الذي قالها لي»[12].
إنّ كلّ هذا يجعل من تريزا، بوصفها معلّمةً صوفيّة، شاهدةً مؤهَّلة، وذات تعليم روحيّ، يَحسُن الإصغاء إليها بِجدّيّة لكلّ من يرغب أن يكون متأمّلًا. فهي تكتب لكي تُشعل الرغبة، وتوقظ الشوق، وهي واعية أنّ لكلامها رسالةً خاصّة، ودعوة تحرّك القارئ لِيَتبعها في مسيرة التأمّل. فهدفها ليس أن تُقْرَأَ كلماتها لمجرّد القراءة أو الاطلاع، ولا تسعى إلى تقديم سيرةٍ ذاتية عن نفسها، بل تريد أن يختبر القارئ مسيرة التأمّل بنفسه، مُتَشجِّعًا ومُلهَمًا بكلامها؛ فالإنسان لا يتعلّم التأمّل عبر قراءة ما كتبه الآخَرون، بل بممارسته والدخول فيه، وبالعيش في أعماقه.
وتتميّز تريزا بنِعَمٍ ثلاثٍ روحيّةٍ صوفيّة تجعل منها معلِّمةً للتأمّل: الخبرة، والذكاء الروحيّ، وكلمة النور المصحوبة بشركةٍ روحيّةٍ مُبهِجة. وسنتّخذ هذه الثلاثيّة معيارًا نعتمد عليه في بناء هذا المقال. وسنبدأ أوّلًا بعرض وخبرة تريزا الروحيّة ودراستها؛ ثم نبني على أساسها لاهوت التأمّل الذي تبلور في كتاباتها. وأخيرًا، سنتناول منهجها التربويّ الروحيّ؛ أي المبادئ التي تُشكّل أساسًا لكلّ بدايةٍ، وكلّ تقدّمٍ في مسيرة الصلاة.
وإلى جانب هذا التعليم الثلاثيّ، فإنَّنا نجد تأمّلها الحيّ ذاته في كتاباتها؛ أي علاقتها المباشرة بالله، ذلك الحوار الشخصيّ الذي يتجلّى في مناجاتها، وهتافاتها، وتسبيحاتها، وصلواتها القصيرة المتّقدة، المنتشرة هنا وهناك كشذرات نور في كتاباتها، سواءٌ في سياق رواياتٍ نابضة بالحياة، أو في قلب شروحاتٍ لاهوتيّةٍ عميقة. ففي هذه المقاطع تسكب تريزا فيها لهيب مشاعر روحها، وحرارة قلبها، فتصير كتاباتها في جوهرها، مزاميرها الخاصّة: أصيلة، عميقة، وقويّة، وتشكّل في الوقت نفسِه أسمى وسيلة، وأعمق أداة لتعليم النفس فنّ التأمّل. وسنقوم في هذه السطور بتقديم هذه المقاطع وتحليلها؛ لما تحمِله من غِنًى روحيٍّ وتربويّ، يُنير مسيرة التأمّل ويُعمّق ممارسته.
إنّ سرّ استمرارية حضور تعاليم تريزا في واقعنا الروحيّ اليوم في ما يتعلّق بالتأمّل، لا يكمن ولا يقتصر في أنّ كلماتها تصل إلينا حيّةً ونابضة [تلامس الوجدان] فحسبُ، بل لأنّها تحمل معنًى عميقًا لروحنا، وقادرة على جذبنا وإشراكنا في خبرتها؛ بل تتجلّى أيضًا في قربها اللافت من قضايانا، وأزماتنا المعاصرة في مجال الصلاة. فمن الصعب أن نعثر في كتابات تريزا على صفحات لا تترك صدًى حيًّا في نفوسنا؛ إذ يمكننا أن نحمل إليها -تقريبًا- جميع تساؤلاتنا ومشكلاتنا الروحيّة.
فهي تساعدنا على فهم سبب احتياجنا إلى صلاة وتأمّلٍ شخصيّ إلى جانب الصلوات الطقسيّة، وكيفيّة تجاوُز الانغلاق على ذواتنا وعلى العالَم؛ لننطق بكلمات تصل إلى الله، كما ترشدنا إلى سبل لنعرف بها كيف نجمع بين الصلاة والعمل في مواجَهة المفارَقة الدائمة بين التأمّل والحياة اليوميّة، ولنجعل كيف نُدخل المسيح في صميم صلاتنا وجوهرها؛ فلا يظل فكرةً مجردة نناجيها، بل تكون حضورًا نحياه. وهكذا نبعث الروح في صلاتنا الجماعية، ونُغْني الليتورجيا [الخدمة والصلوات العامة] بفيض صلواتنا الشخصيّة وعمقها.
بيدَ أنّ الهاجس الأكبر الذي سكن وجدان تريزا وأرّق روحها، وأعمق القضايا التي شغلت فكرها، هو سؤالٌ جوهريّ عن حضور الصلاة المُلهَمة في الكنيسة، وما معناها وماهيّتها؟ وما معنى صلاةٍ مندفعة بقوّة الروح، تستمدّ قوّتها من البُعد الكاريزميّ للحياة الصوفيّة؟ تلك الحياة التي دعت إليها أعظم تقاليد معلّمي الصلاة في المسيحيّة، والتي لم تكن هبة لقلّةٍ مختارة، بل هي دعوة حيّة في قلب الكنيسة، ومنهاج حياة يسري في قلب جميع أعضائها ويغذّي رسالتها وتدفعُها نحو آفاق العالم.
أودّ أن أشير إلى أن "تعريف" تريزا للتأمّل بوصفه "علاقة صداقة"، يفتح هذا المفهوم؛ ليشمل أبعاد الحياة المسيحيّة كلّها. فالتأمّل -حين يُفْهَمُ كعلاقة صداقة- لا ينحصر في فعل الصلاة وحده، تمامًا كما لا يمكن أن تنحصر محبّة الصداقة في الأوقات التي يقضيها الأصدقاء معًا على انفراد؛ فالصداقة ليست لحظةً عابرة، بل نمطُ حياة يشكّل مسارها ويرسم مَعالمها. لذلك استطاعت تريزا -بلا تكلّف أو تصنّع- أن تصوغ مفهوم الحياة الروحيّة وتعرّفها انطلاقًا من جوهر الصلاة؛ أي من علاقة الصداقة القائمة بين الله والإنسان. وهكذا، يظهر الكمال الروحيّ والتأمّل بوصفهما وجهَيْن لعملةٍ واحدة، "فدرجات" الكمال، "ودرجات" التأمّل، ترتبط بعضها ببعض ارتباطًا تكامليًّا؛ لأنّ جوهرهما واحد وهو المحبّة. ويكفي أن نضع هذه الحقيقة في الاعتبار، لفهم منهج تريزا في التأمّل باعتباره معيارًا للحياة الروحيّة بأسرها. فجوهر الصلاة هو التعامل مع الله بصداقةٍ حقيقيّة؛ أي أن يَعيش الإنسان في خدمة المحبّة التي تجمعه بالله وفي كنَفِها.
[1] السيرة ( 19:15).
[2] السيرة (8: 4).
[3] المنازل الثانية 1 :6.
[4] السيرة . 12 :6
[5] السيرة 40 :8.
[6] السيرة 40 :8.
[7] أي لغة المغاربة التي لم يكن يفهمها الأسبان عامّة.
[8] السيرة 8:14.
[9] السيرة 16 :2
[10] السيرة 18 :8.
[11] السيرة 38 :22.
[12] السيرة 39 :8