موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ٤ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
قيامة المسيح: حقيقة إيمانية وحقيقة تاريخية

الأب جوزيف دانيال الكرملي :

 

«فإذا شهدت بفمك أن يسوع رب، وآمنتَ بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، نلتَ الخلاص» (روم 10: 9). بهذه الصيغة الموجزة يلخّص بولس الرسول جوهر الإيمان المسيحي. فـيسوع المسيح هو الرب (كيريوس (Kyrios، وقد تجلت ألوهيته كابن الله الأزلي في قيامته من بين الأموات.  فالرب القائم هو التجسيد الأسمى للإيمان المسيحي، على الصعيدين الشخصي والتاريخي؛ إذ تُعدّ القيامة نقطة الانطلاق الحاسمة في العهد الجديد. صحيح أن الإيمان بيسوع المسيح قد تهيّأ قبل القيامة، لكنها تشبه الشمس التي تُشِعّ في أرجاء الكرازة الرسولية كلّها. ففي الرب القائم ينكشف بشكلٍ تامٍّ معنى حياته العلنية وآلامه.

 

إن قيامة يسوع ليست مجرد رجوع إلى الحياة الأرضية (كما حدث مع ابنة يايرس، أو ابن أرملة نايين، أو لعازر)، بل هي تحوّل جذري إلى وجودٍ ممجَّد ونهائي. وبقيامته بدأ العالم الجديد، وتجلّى فيه مصير الكون والخليقة بأسرها. وفي الأناجيل نجد شهادات تفترض مسبقًا الإيمان بالرب القائم، ولهذا ننطلق في تأملنا من نصوص العهد الجديد عن قيامة يسوع.

 

وعلى هذا المنهج، سننطلق في دراسة أهم العناصر التي تُؤسّس الإيمان بقيامة الرب، متدرّجين بدايةً من الشهادات الكتابية، إلى دلالة القبر الفارغ، ثم معالجة تعدد روايات حدث القيامة في الأناجيل، وصولاً إلى استكشاف واقع هذا الحدث بين الأساس التاريخي والسر الإلهي.

 

 

الشهادات الكتابية للإيمان بالمسيح القائم

 

في البداية، نتوجّه إلى المصادر الكتابية نفسها لنستكشف أهميتها بالنسبة للحدث التاريخي، إذ نجد العديد من الصيغ الموجزة التي تتركّز على حقيقة موت وقيامة يسوع المسيح.

 

ففي الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي، وهي زمنيًا أول رسالة كتبها بولس الرسول وتُعدّ أقدم نص في العهد الجديد على الأرجح، حيث يقول بولس الرسول: «وتنتظروا أن يأتي من السماوات ابن الله الذي أقامه من بين الأموات، ألا وهو يسوع» (1 تس 1: 10). وكذلك في بداية الرسالة إلى أهل غلاطية، يُعرِّف بولس نفسه بأنه رسول «لا من قبل الناس ولا بمشيئة إنسان، بل بمشيئة يسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من بين الأموات» (غل 1: 1). إن عبارة «الله الذي أقام يسوع من بين الأموات» هي تعبير متكرّر ذو سمة لاهوتية مميزة في العهد الجديد. فكما كان تحرير الشعب من عبودية مصر السمة المركزية لعمل الله في العهد القديم، كذلك أصبحت قيامة يسوع العنصر الجوهري لوصف عمل الله في العهد الجديد.

 

أما الشهادة الأبرز والأكثر دلالة فتوجد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، حيث يقول بولس: «سلمت إليكم قبل كل شيء ما تسلمته أنا أيضا، وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا كما ورد في الكتب، وأنه قبر وقام في اليوم الثالث كما ورد في الكتب، وأنه تراءى لصخر فالاثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسمائة أخ معا لا يزال معظمهم حيا وبعضهم ماتوا، ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع الرسل، حتى تراءى آخر الأمر لي أيضا أنا السقط» (1 كور 15: 3–8).

 

في هذا المقطع، نلاحظ في جزئه الأول تأكيد بولس على أنه هو نفسه قد تسلّم البشارةَ التي سلّمها إلى أهل كورنثوس. ويمكننا تحديد زمن إقامته الأولى بينهم بدقّة، لأننا نعلم من سفر أعمال الرسل أن شخصًا يُدعى غالِيون كان حاكمًا على مقاطعة أخائية (أع 18: 12). وكان الوالي الروماني يمارس مهامه عادةً لمدة سنة واحدة. ومن خلال نقش أثري عُثر عليه في دلفي (Delphi تمكّن العلماء من تحديد تلك السنة، وهي سنة 52م. وعليه، فإن بولس كان قد حمل إلى كورنثوس بشارة القيامة التي تسلّمها مسبقًا قبل ذلك التاريخ. أما بخصوص الصيغة الإيمانية الموجودة في هذا النص، والتي تُعدّ صيغةً سابقةً لكتابات بولس، فيُرجعها المفسّرون إلى فترة تقديرية بين سنتي 35 و40م، وتتميّز هذه الفترة بقربها الزمني الكبير من الأحداث التاريخية نفسه -أي موت وقيامة يسوع المسيح- التي حدثت حوالي سنة 30م، مما يمنح هذه الشهادة قيمةً تاريخيةً استثنائيةً لكونها تقرّبنا من الحدث الأصلي.

 

وفي الفصل الخامس عشر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، كان على بولس أن يدافع عن الإيمان بالقيامة أمام معارضيه. ولهذا السبب يذكر أيضًا عددًا كبيرًا من الشهود: في المقام الأول بطرس باعتباره صاحب الأسبقية والسلطة، ثم «الاثنا عشر»، ثم ظهور المسيح دفعةً واحدةً لأكثر من خمسمائة أخ، ثم ليعقوب أخو الرب، ثم لـ«جميع الرسل» (أي للدائرة الأوسع من الاثني عشر)، وأخيرًا لـبولس نفسه. وكان كثير من هؤلاء الشهود لا يزالون على قيد الحياة، بحيث أصبح من الممكن الرجوع إليهم وسؤالهم عمّا اختبروه وعاينوه بأنفسهم. وعليه، فإن الإيمان بالقيامة لم ينشأ تدريجيًا كثمرة تأملٍ لاهوتي أو تحوّلٍ روحي داخلي، بل انبثق فورًا كاستجابةٍ للقاءٍ مباشر مع المسيح القائم من بين الأموات.

 

ومن ثمَّ، يغدو من الصعب جدًا على المعارضين تجاهل شهادة (1 كور 15: 3–8)، لاسيما مع وجود العديد من الأصوات العلمية التي تُبرز الأهمية التاريخية لهذا الخبر. فعلى سبيل المثال، يؤكد المؤرخ هانس فون كامبنهاوزن ((Hans von Campenhausen، وهو باحث بارز من خمسينيات القرن العشرين، بأن خبر بولس في (1 كور 15) يحقق جميع معايير الدقة والموثوقية التي يمكن أن نُطالب بها أيَّ نصٍّ من هذا القبيل.

 

وقدد شدّد العديد من اللاهوتيين على أهمية المنهج التاريخي في تأسيس الإيمان بقيامة المسيح، مُؤكّدين أن الحدث التاريخي أساسًا راسخًا لهذا الإيمان؛ إذ إن قيامة المسيح ليست أسطورةً متأخرةً، بل حقيقةً تاريخية مُعلَنةٌ بشهود عيان، نُقلت بأمانةٍ وحُفِظت في قلب الكنيسة الأولى لتكون حجر الزاوية في إعلان الخلاص.

 

 

القبر الفارغ ودلالته التاريخية

 

إن أهمية التأمل التاريخي تنطبق أيضًا على مسألة القبر الفارغ. إذ يؤكد المعارضون أن شهادة بولس لا تذكر هذا الحدث بشكل مباشر، يجب علينا أن ندرك أن القبر الفارغ يُعتبَر أمرًا مفترضًا ومُسلَّمًا به في سياق كلامه. فبولس يتحدث صراحةً (1 كور 15) عن دفن يسوع المسيح، ومن المستحيل تصور نشأة الإيمان بالرب القائم مع وجود قبرٍ جسده فيه.  وحتى المعارضون اليهود لم ينكروا هذه الحقيقة، بل حاولوا تفسيرها بادعائهم أن التلاميذ سرقوا الجسد (متى 28: 13–15).

 

وهناك عنصرٌ آخر جديرٌ بالاعتبار: إذ ترتبط الشهادة الأولى عن القبر الفارغ بالنسوة اللواتي جئن ليُطيّبن جسد يسوع. فلو كانت الكنيسة الأولى قد اخترعت تقليد القبر الفارغ، لما نسبت الشهادة إلى النساء، لأن المجتمع اليهودي آنذاك كان لا يعترف إلا بشهادة الرجال كشهودٍ شرعيين. ومع ذلك، فإن الأناجيل تذكر أسماء النساء كشاهدات أوليات على هذا الحدث الجوهري، مما يعكس أمانةً تاريخيةً عميقةً في نقل الخبر.

 

كما يشير التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أيضًا إلى شهادة يوحنا الرسول: «إن "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه" (يو 20: 6) "رأى فآمن" (يو 20: 8). وهذا يعني أن ما رآه، أي خلوّ القبر، لم يكن نتيجة عمل بشري» (فقرة 640).

 

إذن، لدينا عنصران جوهريان يُشكّلان أساسًا تاريخيًا للإيمان بالقيامة: روايات ظهور الرب لتلاميذه، وتقليد القبر الفارغ. غير أن هذين العنصرين يختلفان في طبيعتهما وقيمتهما: فالشهادة الحاسمة هي للظهورات، لأن واقعة القبر الفارغ وحدها لا تكفي لتأسيس الإيمان. غير أنه يجب التأكيد على أنه من دون القبر الفارغ لا يمكن التمييز بين حدث القيامة وبين مجرد وهمٍ ذاتي أو خيالٍ روحيٍّ محض. فالله يتدخل -كما في المعجزات التي رافقت الحياة الأرضية للمسيح- أيضًا من خلال الواقع المادي الملموس. وفي قيامة يسوع، بدأ يتحقق بالفعل، ولو بشكلٍ أوليٍّ، تمجيدُ الخليقة، الذي سيشترك فيه المسيحيون عند المجيء الثاني (الباروسيا)، عندما يعود الرب في المجد. ففي المسيح، صارت غاية الخليقة حاضرة بالفعل، كعربونٍ ورجاءٍ أكيدٍ للخليقة الجديدة.

 

وبالنظر إلى الأسس التاريخية للإيمان، نتمكن أيضًا من حلّ الصعوبات التي يثيرها المعارضون، خاصة رفضهم المستند إلى حجتهم القائلة بأن القيامة الجسدية مستحيلة من حيث المبدأ. وهي حجة متناقضة في حد ذاتها: فإذا كان الله لا يستطيع أن يتدخل مباشرة في هذا الكون، فكيف كان بإمكانه أن يخلق العالم من العدم؟ لأن كلَّ تدخّلٍ إلهيٍّ يحمل في طيّاته هذه القدرة الخلاّقة ذاتها. فإذا قُبلت الخليقة الأولى، فلا يمكن إنكار إمكانية أن يُحدِث الله عملاً جديدًا وجذريًّا في هذا العالم.

 

إن قيامة يسوع المسيح لا يمكن «استنتاجها أو اشتقاقها» من البيئة الوثنية، ولا حتى من الرجاء اليهودي السائد آنذاك. فلا يمكن مقارنةُ الأساطير المتعلقة بدورات الطبيعة والزرع والحصاد بالسياق التاريخي الواضح والمحدد لحياة يسوع. صحيح أن الفكر اليهودي—وخاصة في سفر دانيال—قد قدّم لنا "نموذجًا" للقيامة، لكن هذا الحدث كان مُنتظَرًا فقط في نهاية الأزمنة، وللشعب بأسره. أما أن يقوم شخص واحد بعينه (وهو يسوع) قبل قيامة الجميع، فذلك أمر غير مسبوق وغير مألوف إطلاقًا في الوعي الديني لذلك الزمن.

 

 

تعدد روايات حدث القيامة ووحدة الحقيقة في الأناجيل

 

تُعدُّ حُجّةُ الاختلافات في روايات الأناجيل من أكثر الاعتراضات شيوعًا. غير أن هذه الفروقات لا تمسّ إلا تفاصيلَ ثانويةً في السرد: فبينما يذكر إنجيلا مرقس ولوقا يذكران ثلاث نساء ذهبن إلى القبر (مر 16: 1؛ لو 24: 10)، يكتفي إنجيل متى بذكر امرأتين فقط (مت 28: 1). وكذلك الأمر بشأن الملائكة: فقد قابلت النساء ملاكًا واحدًا حسب متى (28: 2، 5) ومرقس (16: 5)، في حين يتحدث إنجيلا لوقا ويوحنا عن ملاكين (لو 24: 4؛ يو 20: 11 وما يليها). أما على صعيد مكان الظهورات، فيحصر مرقس ومتى الظهورات في الجليل فقط، بينما يركّز لوقا على أورشليم، أما يوحنا فيجمع بين الجليل وأورشليم في سرده.

 

لذلك لا يمكن التوفيق بين جميع التفاصيل الدقيقة في روايات الأناجيل، لكن هذا أمرٌ طبيعيٌّ ومنطقيٌّ من الناحية المنهجية. فحدثٌ مدهش وفريد كقيامة يسوع المسيح يُولِّد لدى الشهود خبراتٍ إدراكية مختلفة. ويمكن تشبيه ذلك بما يحدث في أعقاب حادثٍ على الطريق: فالشهود يروون ما عاينوه وما اختبروه، وقد تتباين رواياتهم في بعض التفاصيل الثانوية، لكنهم يتفقون جميعًا على الحقيقة الأساسية، وهي وقوعَ الحادثِ نفسه. وبالمثل، فإن جميع الشهادات حول القيامة تتفق على الحقيقة الجوهرية: وهي أن يسوع قد غلب الموت وظهر حيًّا أمام العديد من الشهود بجسد ممجَّد.

 

وعلاوة على ذلك، ينبغي الانتباه إلى الشكل الأدبي لروايات الأناجيل: فالقديس لوقا الإنجيلي يجمع عدة أحداث في سرده وكأنها وقعت في يوم واحد (لو 24)، ومع ذلك، يتضح من كتابه الثاني، سفر أعمال الرسل، أنه كان يدرك جيدًا وجود فترةٍ امتدت أربعين يومًا، ظهر خلالها الرب لهم. ويُبرز لوقا، وفقًا لرؤيته اللاهوتية، الأهميةَ المركزية لأورشليم؛ بينما يعتمد متى ومرقس على تقليد الجليل، في حين يجمع يوحنا بين التقليدين بشكل متناغم. إذن، هناك تقاليدُ متنوعة، لكنها ليست متناقضةً في جوهرها، بل متكاملة في الشهادة للحقيقة الواحدة.

 

إن تنوّع الروايات الإنجيلية في حد ذاته يشهد لأصالتها التاريخية: فلو كانت الكنيسة الأولى قد اخترعت هذه الأخبار، لحرصت على توحيد التفاصيل وتطابق الروايات تمامًا. لكن الاختلافات الثانوية، مع الاتفاق الجوهري على حقيقة القيامة، تُظهر أمانةً في النقل واحترامًا للتجارب الروحية المتنوعة للشهود. وهكذا، كما في سمفونيةٍ إيمانيةٍ، تتناغم الأصواتُ المتعددةُ لتعلن ترنيمةً واحدةً مجيدةً: المسيح قام حقًّا، وظهر لتلاميذه، وأسس كنيسةً حيةً على صخرة هذا الرجاء الذي لا يُخزى.

 

 

القيامة: بين الحدث التاريخي والسر الإلهي

 

هل قيامة يسوع المسيح حقيقةً تاريخية؟ إن من دلائل صدق كتابات العهد الجديد وأمانتها أنها لا تدَّعي وصفَ حدث القيامة ذاته بشكلٍ مباشرٍ ومُفصَّل، على عكس ما فعلت لاحقًا بعض الكتابات المنحولة (الأبوكريفية). فالشهادات تأتي بأسلوب غير مباشر: من خلال القبر الفارغ، وبصورة خاصة من خلال ظهورات المسيح القائم. أما الشهود أنفسهم، فقد برهنوا على مصداقيتهم قبل كل شيء بشهادة حياتهم؛ فكثيرون منهم بذلوا دماءهم ثمناً للإيمان بالمسيح القائم. وتبقى شهادة بولس الرسول ذات قيمةٍ مميَّزةٍ وفريدةٍ، إذ إن لقائه بالرب غيَّر حياته تغييرًا جذريًا: فهو الذي كان مضطهِدًا صار رسولًا.

 

إن القيامة هي حدث تاريخي بالمعنى الذي يسمح للبحث التاريخي بإثبات وقوعها. وفيما يتعلق بالشهود الأوائل، يقول سفر أعمال الرسل: «أراهم نفسه حيًّا بعد آلامه ببراهين كثيرة» (أع 1: 3). وهنا يتحدث لوقا الإنجيلي عن «براهين وأَدِلَّة» قدّمها الرب لتلاميذه، أي عن علاماتٍ ملموسةٍ وشهاداتٍ مؤكّدةٍ تثبت حقيقة قيامته.

 

ومع ذلك، فإن القيامة، بوصفها حدثًا تاريخيًّا، تتجاوز في الوقت نفسه حدود التاريخ، لأنه لا يمكن اختزالها إلى مجرد واقعة عادية ضمن مجرى الأحداث البشرية؛ فهي سرٌّ خلاصيٌّ حيٌّ، يظلّ حاضرًا وفاعلاً في حياة الكنيسة وعبر أسرارها، وينفتح على بعد إلهيٍّ يفوق إدراك المنهج التاريخي وحده.

 

بالنسبة للمسيحيين في الأجيال اللاحقة، لم تعد الخبرة المباشرة للقيامة متاحة، لكن تبقى الشهادة الموثوقة بشأن جذور الإيمان راسخةً وقائمة. وحسب تعليم المجمع الفاتيكاني الأول، يمكن إثبات الأصل الإلهي للديانة المسيحية من خلال المعجزات. وبما أن القيامة هي أعظم معجزات الرب، فلا يمكن استبعادها من كونها أساسًا يمكن للعقل البشري أن يبرهن عليه لدعم الإيمان. «لا يحقّ أن ننتظر من غير المؤمن أن يعترف بقيامة مخلّصنا الإلهي قبل أن نقدّم له براهين أكيدة؛ وهذه البراهين تُستنبط بالعقل» (دنتسنغر 2754).

 

غير أن هذا لا يعني أنه يمكن إثبات الإيمان ذاته برهانيًّا، أي الإيمان الذي يعترف بألوهية يسوع المسيح، والذي يفترض—إلى جانب المعرفة والإرادة البشرية—وجود نعمة إلهية. فالإيمان لا يمكن فرضه قسرًا على أحد. إن القيامة هي حدث وقع في التاريخ، لكنها في الوقت ذاته حقيقةٌ تتجاوز التاريخ: إذ إن الخليقة الجديدة، والكون الممجَّد، حاضر بالفعل في الرب. إن البعد التاريخي ليس سوى القمة الظاهرة من جبل الجليد، بينما يبقى الجزء الأكبر من الحقيقة مخفيًا في عمق السرِّ الإلهي.

 

وكما يُعلِّم التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: «فالقيامة بوصفها حدثًا تاريخيًّا ملموسا يمكن التحقّق منه من خلال علامة القبر الفارغ، وبحقيقة لقاءات الرسل بالمسيح القائم، تظلُّ القيامة في قلب سر الإيمان لكونها تتجاوز التاريخ وتسمو عليه. ولهذا لم يظهر المسيح القائم من الموت للعالم، بل لتلاميذه (راجع يو 14: 22)، الذين هم الآن شهوده عند الشعب (أعمال 13: 31)» (فقرة 647).

 

إن قيامة الرب بحدّ ذاتها يمكن أن تكون موضوع معرفة تاريخية، لكنها تبقى في جوهرها سرًّا إلهيًّا يتجلّى حتى في روايات القيامة: فالرب يسوع المسيح يظهر محتفظًا بآثار جراحه، ويُعلن ذاته بطريقة يستطيع التلاميذ من خلالها التعرف عليه؛ بل إنه مستعد لأن يُلمَس وأن يأكل معهم، لكي يبرهن على حقيقة جسده. ولا ينبغي تفسير هذه الإشارات على أنها مبالغات دفاعية (أبولوجيتية)، كما يُزعم أحيانًا. فمن الواضح أن الرب لم يعد بحاجة إلى طعام مادي، فلمَ إذن يأكل؟ إلا ليُظهِر، بطريقةٍ أرضيةٍ، حقيقةَ واقعه الجسديِّ؟

 

ومع ذلك، فرغم واقعية جسد الرب القائم، فإن الأمر يتعلق بجسديةٍ ممجَّدة: فقد ارتقت مادةُ الجسد إلى حالة أسمى، أكثر توافقًا وانسجامًا مع الروح، بحيث يمكنها أن تظهر أو أن تحتجب حسب مشيئته. ولهذا السبب لم يتعرّف تلميذا عمواس للوهلة الأولى على الرب الحاضر بينهما. لذلك، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الثنائية عندما نتحدث عن الرب القائم: فهو هو ذاته، حتى بجسده الذي به سار على الأرض وصُلب به؛ لكنه في الوقت ذاته دخل في البعد السريِّ للحياة الجديدة التي نرجو نحن أيضًا أن نشترك فيها يومًا ما.