موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
هذه حقيقة بسيطة، لكنها تحمل في داخلها سرًّا عظيمًا من أسرار الرجاء. فالقمر يعقبه الشمس، والليل يعقبه النهار، والشتاء مهما طال يفسح الطريق للربيع، والأرض التي تبدو يابسة في لحظة، تستطيع بعد المطر أن تستعيد خضرتها وتزهر من جديد.
هكذا هي الحياة… تدور ولا تتوقف.
وما نعيشه اليوم، مهما كان قاسيًا ومؤلمًا، ليس بالضرورة ما سنعيشه غدًا.
قد تكون الأيام ثقيلة على أهلنا في الأراضي المقدسة، وقد تراكمت الأوجاع والقلق والخوف من المستقبل، وقد جعلت الظروف الصعبة بعض الناس يفكرون في الرحيل بحثًا عن مكان أكثر أمنًا واستقرارًا. ومن حق الإنسان أن يحلم بحياة أفضل، ومن حق العائلة أن تبحث عن مستقبل كريم لأبنائها.
لكن وسط كل هذا الألم، يبقى سؤال كبير يطرق أبواب القلوب: ماذا يحدث إذا تركنا الأرض التي حملت إيمان آبائنا وأجدادنا؟ ومن يبقى ليحرس الحكاية؟ ومن يبقى ليحمل النور إلى الجيل القادم؟
الأرض المقدسة ليست مجرد قطعة من التراب.
إنها ذاكرة الإيمان، وموطن الحجارة التي مشت عليها أقدام الأنبياء والرسل، والأرض التي شهدت ميلاد المسيح وحياته وآلامه وقيامته. إنها أرض الكنائس والأديرة والمزارات، وأرض الأجداد والبيوت والكروم والزيتون، وأرض الحكايات التي تناقلتها العائلات جيلًا بعد جيل.
إنها أرضنا، لا لأنها سهلة، بل لأنها عزيزة.
وفي زمن الأزمات، لا ينبغي أن نسمح لليأس بأن يقنعنا بأن الرحيل هو الحل الوحيد.
فالتاريخ يعلمنا أن شعوبًا كثيرة مرت بأيام أشد قسوة، ثم عادت الحياة فيها من جديد. مدنٌ دمرتها الحروب نهضت، وقرى هجرتها العائلات عادت إليها الحياة، وقلوبٌ انكسرت استطاعت أن تحب من جديد.
فلماذا لا يكون الغد في أرضنا المقدسة أفضل من اليوم؟
لماذا نمنح اليأس حق كتابة مستقبل أبنائنا؟
قد لا نستطيع تغيير كل شيء في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نغيّر شيئًا كل يوم. نستطيع أن نبقى، وأن نعمل، وأن نعلّم أبناءنا، وأن نحافظ على بيوتنا ومدارسنا وكنائسنا، وأن نزرع الأرض، وأن نبني المؤسسات، وأن نتعاون معًا، وأن نفتح أبواب الرجاء أمام الشباب بدل أن نتركهم أسرى لفكرة أن المستقبل لا يمكن أن يكون إلا بعيدًا عن الوطن.
البقاء ليس عنادًا.
البقاء موقف رجاء.
والتمسك بالأرض ليس رفضًا للعالم، بل هو حب لجذورنا ووفاء لذاكرتنا ومسؤولية تجاه المستقبل.
نحن لا نريد أن يبقى الإنسان في أرضه لأنه لا يملك خيارًا آخر، بل نريده أن يبقى لأنه يشعر أن له فيها كرامة، وعملًا، وأمانًا، ومدرسةً لأبنائه، وكنيسةً يصلي فيها، وبيتًا يستطيع أن يقول عنه: هنا أنا، وهنا أريد أن يكبر أولادي.
ومن هنا تأتي مسؤوليتنا جميعًا.
أن نجعل البقاء ممكنًا، لا أن نطالب الناس بالبقاء فقط.
أن نساند العائلات، ونشجع الشباب، ونخلق فرص العمل، ونحمي التعليم، ونقوي المؤسسات، ونقف إلى جانب الفقراء والمتعبين، ونبني جسور التعاون والمحبة بين أبناء الأرض الواحدة.
فالأرض لا تبقى حيّة بالحجارة وحدها، بل بالإنسان الذي يعيش فيها ويحبها ويخدمها.
وقد يكون أمامنا طريق طويل، لكن الطرق الطويلة تُقطع خطوة بعد خطوة.
فلننظر إلى الزيتونة التي تقف شامخة في أرضنا؛ كم من صيف مرّ عليها، وكم من شتاء عصف بأغصانها، وكم من ريح حاولت أن تنحني بها، لكنها بقيت متجذرة في الأرض. وحين يأتي موسمها، تعطي ثمرها.
كونوا كالزيتونة… جذورٌ عميقة، وقلبٌ يعرف كيف ينتظر.
لا تجعلوا الخوف يقتلع الجذور، ولا تجعلوا اليأس يسرق المستقبل.
قد يأتي يوم تتبدل فيه الظروف، وقد تفتح الحياة أبوابًا لم نكن نراها. فالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية تتغير، والليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الفجر من المجيء.
لذلك، لنزرع اليوم ما نريد أن نحصد غدًا.
لنزرع الإيمان في قلوب أبنائنا، والأمل في نفوس شبابنا، والمحبة بين عائلاتنا، والتعاون بين مؤسساتنا، والسلام في بيوتنا، والثقة في مستقبل أرضنا.
ولنقل لكل شاب وشابة يفكران في الرحيل:
لا تتخذ قرارك وأنت أسير الخوف وحده. انظر إلى أرضك أيضًا بعين الرجاء.
فربما يكون الغد الذي تبحث عنه بعيدًا، وربما يكون الغد الذي تنتظره قريبًا منك، هنا، في هذه الأرض التي تحتاج إلى سواعدك وأفكارك وإيمانك.
الأراضي المقدسة لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عنها من بعيد؛ إنها تحتاج إلى أبناء يعيشون فيها، ويصلّون فيها، ويعملون فيها، ويبنون فيها، ويشهدون فيها للمحبة والسلام.
نحن لسنا أصحاب الماضي فقط.
نحن حراس المستقبل أيضًا.
فلنترك لأبنائنا شيئًا أكثر من الصور والذكريات والقصص التي نحكيها لهم عن أرض الأجداد…