موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ١٠ أغسطس / آب ٢٠٢٦
إلى أين تذهب يا أبي من دون شماسك: الحوار الأخير بين سيكستوس ولاورنسيوس

أبونا :

 

تفصل أربعة أيام فقط بين تذكار استشهاد البابا سيكستوس الثاني وتذكار القديس لاورنسيوس، رئيس شمامسة كنيسة روما. ففي 6 آب عام 258، استُشهد البابا في زمن اضطهاد الإمبراطور فاليريان، وفي 10 آب لحق به لاورنسيوس. وبين الاستشهادين، حفظ التقليد المسيحي حوارًا مؤثرًا بين الأسقف وشماسه، نقله القديس أمبروسيوس في كتابه De Officiis.

 

ويشير القديس كبريانوس، أسقف قرطاجة، في إحدى رسائله إلى أن الإمبراطور فاليريان أصدر مرسومًا يقضي بقتل الأساقفة والكهنة والشمامسة. وفي خضم هذا الاضطهاد، أُلقي القبض على سيكستوس الثاني بينما كان يحتفل بالذبيحة الإلهية في مقبرة القديس كاليستوس في روما، واستُشهد في 6 آب مع عدد من شمامسته.

 

ولم تكن العلاقة بين سيكستوس ولاورنسيوس مجرد علاقة بين أسقف وشماسه. فقد تعرّف لاورنسيوس في شبابه إلى سيكستوس، الذي كان معلّمًا له، ونشأت بينهما مع مرور الزمن صداقة وشركة في الحياة. ثم جمعتهما روما، حيث مضيا في طريق البشارة والخدمة. وعندما اعتلى سيكستوس كرسي القديس بطرس، أراد أن يكون تلميذه وصديقه إلى جانبه، فعهد إليه بخدمة رئيس شمامسة كنيسة روما. وبعد سنوات من الشركة في الخدمة، لم يفصل بين شهادتهما الأخيرة سوى أيام قليلة.

 

 

«إلى أين تذهب يا أبي من دون شماسك؟»

 

بحسب الرواية التي نقلها القديس أمبروسيوس، رأى لاورنسيوس أسقفه سيكستوس يُقتاد إلى الاستشهاد، فبكى. لكنه لم يبكِ لأن البابا كان ذاهبًا إلى الموت، بل لأنه سيبقى بعده. ونادى لاورنسيوس أسقفه قائلًا: «إلى أين تذهب يا أبي من دون ابنك؟ وإلى أين تسرع، أيها الأسقف القديس، من دون شماسك؟ فأنت لا تستطيع أن تقدّم الذبيحة من دون خادم. يا أبي، هل وجدت فيَّ ما لا يرضيك؟ أتظنني غير مستحق؟ أعطنا علامة أنك وجدتني خادمًا جديرًا».

 

ثم ذكّره بالخدمة التي جمعتهما حول المذبح، وتابع: «أما تريد أن يسفك دمه معك ذاك الذي أوكلت إليه دم الرب، والذي شاركته الأسرار المقدسة؟». ويمضي لاورنسيوس في حديثه، طالبًا من أسقفه ألا يحرمه من أن يتبعه في الشهادة، ومعتبرًا أن قوة المعلّم تظهر أيضًا في تلاميذه: «إن إبراهيم قدّم ابنه ذبيحة، وبطرس أرسل إسطفانوس أمامه. يا أبي، أظهر قوتك في أبنائك؛ قدّم ذاك الذي نشّأته، لكي يبلغ المكافأة الأبدية في تلك الصحبة المجيدة».

 

 

«لا تبكِ... بعد ثلاثة أيام ستتبعني»

 

أما جواب سيكستوس، كما ينقله أمبروسيوس، فحمل للاورنسيوس وعدًا بأن الفراق لن يطول: «لن أتركك ولن أتخلى عنك، يا بني. لكن تجارب أشد صعوبة محفوظة لك. نحن الشيوخ أمامنا سباق أقصر، أما أنت، لأنك شاب، فينتظرك انتصار أكثر مجدًا على الطغيان».

 

ثم قال له: «قريبًا سترى. لا تبكِ. بعد ثلاثة أيام ستتبعني».

 

ويواصل سيكستوس حديثه إلى شماسه، موضحًا أن لاورنسيوس لم يعد بحاجة إلى معلّمه ليواجه الاختبار الأخير: «لم يكن مناسبًا أن تموت تحت قيادة شهيد، كما لو كنت لا تزال تحتاج إلى مساعدته. لماذا تريد أن تشاركني استشهادي؟ إنني أترك لك ميراثه كاملًا [...] هكذا ترك إيليا أليشع. وأنا أعهد إليك بثمرة قوتي».

 

ويرى القديس أمبروسيوس في هذا الحوار ما يشبه تنافسًا بين الأسقف والشماس حول مَن يسبق الآخر في تقديم حياته للمسيح. ويقول إن لاورنسيوس لم تدفعه إلى تقديم ذاته ذبيحة سوى رغبته في أن يقدّم نفسه بالكامل للمسيح.

 

 

ثلاثة أيام أخيرة

 

بعد استشهاد سيكستوس، بقي لاورنسيوس ثلاثة أيام أخرى، كان خلالها، بصفته رئيس الشمامسة، مؤتمنًا على كنيسة روما وخيراتها. فبعد أن أُخذ الأسقف من شعبه، حمل لاورنسيوس مسؤولية خاصة تجاه الجماعة، وأدار للمرة الأخيرة خيرات الكنيسة التي كانت موكلة إليه.

 

وفي تلك الأيام الأخيرة، وزّع لاورنسيوس خيرات الكنيسة على الفقراء، الذين كان يعتبرهم كنزها الحقيقي. ولم يكن ما فعله مجرد توزيع للأموال والممتلكات، بل تعبيرًا عن الخدمة التي كرّس حياته لها، واضعًا خيرات الكنيسة في خدمة المحبة والمحتاجين. وهكذا ارتبط اسم لاورنسيوس عبر القرون بالعبارة الشهيرة التي تعبّر عن نظرته إلى الفقراء: «هؤلاء هم كنز الكنيسة».

 

وبعد ثلاثة أيام، جاء دور الشماس ليلحق بأسقفه في الشهادة.

 

 

لاورنسيوس يلحق بسيكستوس

 

في 10 آب عام 258، استشهد لاورنسيوس في روما، بعد أربعة أيام فقط من استشهاد أسقفه سيكستوس الثاني. ووفق التقليد الذي كان منتشرًا على نطاق واسع منذ القرن الرابع، تحمّل عذاب الموت على مشواة حديدية.

 

وينقل القديس أمبروسيوس أن لاورنسيوس واجه عذابه بثبات استثنائي، حتى إنه خاطب جلاديه، بحسب الرواية المتوارثة، طالبًا منهم أن يقلبوه بعدما نضج أحد جانبيه، ليختصر أمبروسيوس مشهد استشهاده بالقول: «بهذه القوة الروحية انتصر على لهيب النار».

 

وهكذا تحقق ما قاله سيكستوس لشماسه: بعد أيام قليلة لحق لاورنسيوس بأسقفه في الشهادة.

 

ويرى أمبروسيوس في قصة لاورنسيوس صورة عميقة للخدمة الشماسية: ارتباط الشماس بأسقفه، وخدمته المرتبطة بالإفخارستيا، وتكريسه نفسه للمحبة وخدمة الفقراء. وفي لاورنسيوس بلغت هذه الخدمة ذروتها في الاستشهاد، إذ لم تقتصر محبته على تقديم خيرات الكنيسة للمحتاجين، بل وصلت إلى تقديم حياته نفسها للمسيح.