موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لا أستهينُ أبدًا بهذه الكلمة التي يتضمنُّها قاموسُ إيمانِنا المسيحي، ولكنني أضعُها ضمن نطاق ثقافتِنا الحاليّة لأجدَها كلمةً يستعرُّ منها كثيرٌ من الناس، وخاصّة من يعتبرون أنفسَهم ذوي شأنٍ، في زمنٍ يثبّتُ استقلاليّةَ الفرد فلا يعيرُ اهتمامًا لمن هو أكثر منه خبرةً أو أكبر منه عمرًا. بينما يُجبَرُ على الطاعةِ آخرون، على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة... فيجدون أنفسَهم مُكرهين على اتّباع أوامر دون مناقشتها أحيانًا!
وفي مفهوم إيماننا المسيحي، هل تصبحُ الطاعةُ طاعةً إذا كانت بالإكراه؟ والإكراهُ بطبعه خالٍ من المحبّة، لأنّه مبني على الأمر والتهديد والوعيد. وهنا يسعدني أن أتذكّر المقولة الشهيرة للقدّيس الإيطالي الأب فيليبو نيري، الذي عاش في القرن السادس عشر واحتضن الأطفال المشرّدين في الشوارع، إذ قال: "إذا أردتَ أن تُطاع، فلا تُكثِر من الأوامر"، وهي مرتبطة بعبارةٍ شهيرةٍ أخرى كان يقولها لأولاده: "كونوا صالحين، إن استطعتُم!" إن قدّيسنا ثبّتَ أسسَ الطاعة على إيمانِنا، إذ جعلها تنطلقُ من الحرّية المسؤولة، ومن أفعالٍ تحترمُ وتقيّمُ آراءَ الآخرين.
إن اللهَ لا يُجبرنا على شيء، بل يريد أن نتبعَهُ بالمحبّة، وليس بغير المحبّة! ويسوع نفسُهُ، كان يُطلقُ كلمةَ "اتبعني" ويتركُ الجوابَ الحرَّ ليأتيه من التلميذ الذي يتركُ كلَّ شيءٍ ويتبعُهُ (راجع مثلاً دعوة متّى (متّى 9/ 9-13)، دعوة بطرس واندراوس (متّى 4/ 19-20)، دعوة فيلبس (يوحنا 1/ 43)).
وفي سياقنا الكنسي، تردُ كلمةُ الطاعة للرؤساء لأنّهم يحملون مسؤولية الحفاظ على الإيمان، ودخلتْ الطاعةُ لهم في مفاهيم قانونيّة، وتسرّبت هذه المفاهيم إلى روح الصلاة نفسها، فظهرتْ مصطلحاتٌ مثل "الصلاة القانونيّة" أو "صلاة الفرض"، إشارةً إلى صلواتِ الساعات اليوميّة التي يجب على الرهبان والكهنة، وبحسب نظامٍ يختلف من طقسٍ إلى آخر، أن يتلوها كجانبٍ من الحفاظ على تكريس حياتهم لله.
إلّا أنّ هذا الفرضَ في الأوقاتِ والصيغ، لم يُلغِ حرّيةَ الروح التي ترتفعُ إلى خالقِها دون قيود، ولا يوجدُ من يستطيعُ أن يمنعَ روحَنا أن تتّحدَ بروح الله في الصلاة والحياة. ومن هذا المنطلق، تكتسبُ الطاعةُ في الكنيسة مفهومًا سنشرحُهُ من روحِ الليتورجيا ذاتها؛ فعندما يُقرأ الإنجيل في الاحتفال بالقدّاس، يرفعُهُ المحتفلُ فوق رأسِهِ وهو يسيرُ به من المذبح إلى المنبر، إشارةً إلى أنّ كلمةَ الله هي التي تقودُنا وهي صاحبةُ الكلمة الأولى في حياتِنا، ولها توجَبُ الطاعة! كما أنَّ الأسقفَ يرفعُ من رأسهِ التاجَ، رمزَ السلطةِ على رعيته، إشارةً إلى أنَّ السلطةَ الأولى تعودُ إلى الإنجيل، ولا تقفُ أيُّ سلطةٍ بشريّة أمام سلطانِ الكلمة الإلهيّة.
هل يعني كلُّ هذا أن نلغي طاعتَنا لأيّ سلطةٍ على الأرض؟ كلا، فهذا مفهومٌ متطرّف، بل يعني أنّ على أيّ سلطةٍ أن تستقيَ سلطتَها من الله، وإلاّ فلا معنى لقوّتِها وحكمتِها وإبداعِها دون سلطة الله. وهذا ما يقوله بوضوح القدّيسُ بولس في رسالته إلى أهل روما (13/ 1-2): "على كلِّ إنسانٍ أن يخضعَ لأصحاب السلطة، فلا سلطة إلا من عند الله، والسلطة القائمة هو الذي أقامَها. فمن قاومَ السلطةَ قاومَ تدبيرَ الله، فاستحقَّ العقابَ". فنحن نطيع الإنجيل، ونطيع من يجسّد الإنجيل في حياته!