موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
غِنى النفس، أكثر من الثروة المادية والمجد، كان السمة التي ميّزت أعمال القديسة هيلانة، حتى قبل اهتدائها إلى المسيحية وهي في سنّ الرشد. فمن خلال المعلومات القليلة المتوافرة عن حياتها، يظهر بوضوح تواضعها وسخاؤها وتفانيها في خدمة القريب.
وُلدت هيلانة على الأرجح في منتصف القرن الثالث، في مدينة دريبانوم في آسيا الصغرى. وبعد أن أصبح ابنها إمبراطورًا، أُعيدت تسمية المدينة «هيلينوبوليس» تكريمًا لها. ووفقًا للقديس أنسلموس، كانت تعمل في شبابها خادمة في إسطبلات الخيل. وقد لفت تواضع هيلانة وفضيلتها نظر مسؤول روماني شاب يُدعى قسطنطيوس كلوروس، فاتخذها زوجة له رغم الفارق الاجتماعي بينهما. رافقته هيلانة إلى منطقة البلقان، وهناك، بعد سنة 270 تقريبًا، أنجبت ابنها الوحيد قسطنطين.
واصل قسطنطيوس صعوده في المراتب العسكرية الرومانية، وحصل في النهاية على لقب «قيصر» ضمن النظام السياسي المعروف بالحكم الرباعي، تحت حكم الإمبراطورين دقلديانوس ومكسيميانوس. وفي تلك المرحلة، ولأسباب سياسية، اضطر إلى تطليق هيلانة والزواج من ابنة مكسيميانوس. وبعيدة عن عائلتها وابنها الذي ربّته بمحبة وتفانٍ، لم تفقد هيلانة رجاءها يومًا. وعاشت في الظل فيما كان ابنها يرتقي إلى مكانة مرموقة في بلاط دقلديانوس.
أصبح قسطنطيوس كلوروس إمبراطورًا سنة 305، ولحق به قسطنطين إلى بريطانيا حيث شارك في الحملة ضد قبائل البيكت. وعندما توفي والده فجأة في مدينة يورك، أعلن الجيش قسطنطين إمبراطورًا. وكان من أوائل أعمال الإمبراطور الجديد أن استدعى والدته هيلانة ومنحها لقب «أوغستا» الفخري.
وبعد اعتلاء ابنها العرش بقليل، اعتنقت هيلانة المسيحية. وقد جعلها إيمانها الجديد أكثر تألقًا في فضائلها الأصيلة، فاستخدمت مكانتها للعناية بالفقراء، من خلال الصدقات السخية وتلبية احتياجاتهم، كما عملت على تحرير السجناء والمنفيين والمُرسَلين إلى المناجم.
ويُحتمل أن يكون إيمانها قد ألهم قسطنطين لإصدار «مرسوم ميلانو» سنة 313، الذي سمح للمسيحيين بحرية العبادة. وخلال الاحتفالات التي أعقبت ذلك، قيل إن هيلانة ارتدت ثيابًا بسيطة لتنضم إلى الجموع، وكانت بنفسها تقدّم الطعام للفقراء.
لكن عهد قسطنطين لم يكن خاليًا من المآسي. ففي سنة 326، أمر بقتل ابنه كريسبوس، وبعد فترة قصيرة أمر أيضًا بقتل زوجته الثانية فاوستا. أمام هذه المأساة العائلية، تمسّكت هيلانة بإيمانها، وفي العام نفسه بدأت حجًّا إلى الأراضي المقدسة. وهناك أمرت ببناء كنيستي المهد في بيت لحم والصعود على جبل الزيتون، كما دفعت ابنها إلى تشييد كنيسة فوق الأماكن التي شهدت موت يسوع المسيح وقيامته.
وبعد إزالة الأبنية الوثنية التي كانت قائمة في الموقع، بدأ العمّال ببناء الكنيسة. وكانت هيلانة تشرف على الأعمال بنفسها، راجية العثور على ذخائر آلام المسيح. وقد كوفئ إيمانها عندما تم العثور على الصليب الحقيقي. وتم التأكد من هوية الصليب عندما وُضع عليه رجل ميت فعاد إلى الحياة بمعجزة.
أما المسامير الثلاثة التي استُخدمت في الصلب، فقد أعطتها هيلانة إلى قسطنطين. وصُهر أحدها في «التاج الحديدي» كتذكير بأن لا سلطان يجب أن يكون خارج خضوعه لله. ولا يزال هذا التاج محفوظًا اليوم في كاتدرائية مونزا في إيطاليا. أما باقي ذخائر الصلب الثمينة، فهي محفوظة اليوم في بازيليك «الصليب المقدس في أورشليم» بروما.
توفيت هيلانة سنة 329 في مكان غير معروف. وأعاد قسطنطين جثمانها إلى روما، حيث دُفنت في ضريح يحمل اسمها على طريق فيا لابيكانا. أما تابوتها المصنوع من حجر البورفير، والذي نُقل إلى اللاتران في القرن الحادي عشر، فيمكن مشاهدته اليوم في متاحف الفاتيكان.
انتشر التكريم للقديسة هيلانة في الشرق والغرب، حيث يُحتفل بذكراها في 21 أيار و18 آب على التوالي. وفي الفن الكنسي، ترتبط هيلانة دائمًا بالصليب. وإلى جانب القديسين أندراوس وفيرونيكا ولونجينوس، اختيرت لتُمثَّل على إحدى الدعائم الضخمة التي تحمل قبّة بازيليك القديس بطرس.