موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٨ مايو / أيار ٢٠٢٦
ميلانو تحتفل باختتام المرحلة الأبرشية من دعوى تطويب المونسنيور لويجي جوساني

أبونا :

 

احتفلت أبرشية ميلانو، شمال إيطاليا، رسميًا بانتهاء المرحلة الأبرشية من دعوى تطويب المونسنيور لويجي جوساني، مؤسس حركة «الشركة والتحرير»، على أن تُحال قضيته إلى دائرة دعاوى القديسين في الفاتيكان لمتابعة الدراسة. وجاء الاحتفال خلال صلاة الغروب في عيد الصعود، في 14 أيار، في بازيليك القديس أمبروزيوس، برئاسة رئيس الأساقفة ماريو دلبيني.

 

وبحسب الأبرشية، فقد شارك في الاحتفال ممثلون عن السلطات المدنية والإكليروس المحلي، إضافة إلى نحو 3000 من أعضاء الحركة. كما حضرت ليندا غيسوني، نائبة أمين دائرة العلمانيين والعائلة والحياة في الفاتيكان، التي أشارت إلى أن اختيار التاريخ والمكان «لم يكن عشوائيًا».

 

 

أجيال من الشباب وجدت طريقها إلى الإيمان

 

وُلد لويجي جوساني في 15 تشرين الأول 1922 في بلدة ديزو قرب ميلانو، ونشأ في عائلة حملت تنوعًا فكريًا ودينيًا لافتًا؛ فوالده كان يعمل في النجارة والفن، ومتأثرًا بأفكار اشتراكية وأناركية، فيما كانت والدته عاملة في مصنع نسيج وامرأة كاثوليكية تقية وملتزمة.

 

وقد نشأ في هذا المناخ العائلي المتباين، حيث تداخل الحسّ الجمالي المرتبط بالفن والعدالة الاجتماعية الذي ورثه عن والده، مع الإيمان العميق والتقوى اليومية التي زرعتها فيه والدته، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته المنفتحة وقدرته على قراءة العلاقة بين الإيمان والحياة والثقافة.

 

بعد رسامته الكهنوتية عام 1945، واصل دراسته في اللاهوت والأدب، وبدأ مسيرته التعليمية في المدرسة الثانوية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى التدريس في الجامعة الكاثوليكية للقلب الأقدس في ميلانو، حيث ظل حاضرًا في الوسط الجامعي لعقود طويلة.

 

وتُبرز سيرته اهتمامه العميق بالشباب، إذ رأى أن التحدي الأساسي في زمنه يكمن في الفجوة بين الإيمان والحياة اليومية، ما دفعه إلى البحث عن طرق جديدة لعيش المسيحية بشكل أكثر ارتباطًا بالواقع. في هذا السياق، أسّس عام 1969 حركة «الشركة والتحرير»، التي قامت على فكرة أن الإيمان هو «لقاء حيّ مع المسيح» ينعكس في الثقافة والعمل والحياة الاجتماعية، وليس مجرد ممارسة طقسية منفصلة عن الواقع.

 

 

الإيمان كخبرة حيّة

 

كان جوساني يؤكد أن المسيحية ليست منظومة فكرية، بل خبرة لقاء تغيّر الإنسان من الداخل وتعيد تشكيل نظرته إلى ذاته والعالم من حوله. وانطلاقًا من هذا الفهم، أولى اهتمامًا كبيرًا بالثقافة والفن والأدب، معتبرًا أنها مساحات تكشف الشوق الإنساني إلى المعنى وتفتح الطريق نحو التجربة الروحية.

 

خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، واجهت الحركة التي أسسها جوساني تحديات فكرية واجتماعية في ظل التحولات الكبرى في أوروبا وصعود التيارات الطلابية الراديكالية. وفي هذا السياق، اعتمد أسلوب الحوار والمرافقة بدل المواجهة، مؤكدًا حرية الإنسان في اكتشاف الحقيقة. ورغم هذه التحديات، توسعت الحركة تدريجيًا داخل إيطاليا وخارجها، وحصلت على الاعتراف الكنسي الرسمي عام 1977.

 

ارتبط جوساني بعلاقات وثيقة مع عدد من كبار رجال الكنيسة، من أبرزهم الكاردينال جوزيف راتزينغر، البابا بندكتس السادس عشر لاحقًا، الذي ترأس جنازته عام 2005 وعبّر عن تقديره العميق لشخصيته وتأثيره الفكري والروحي. كما حظيت الحركة باهتمام وتشجيع من البابا القديس يوحنا بولس الثاني، في سياق تطور الحركات الكنسية داخل الكنيسة الكاثوليكية.

 

عُرف جوساني بتجربة إنسانية مع المرض منذ شبابه، ما أثّر على مسيرته الكهنوتية، إذ رُسم كاهنًا في سن مبكرة نسبيًا وسط ظروف صحية دقيقة. ومع ذلك، واصل رسالته التعليمية والفكرية لسنوات طويلة. وتميّز أسلوبه التربوي بأنه لم يكن يقوم على التلقين، بل على دعوة الشباب إلى اختبار الإيمان بحرية شخصية وربطه بتجربتهم اليومية، في مقاربة تركت أثرًا واسعًا في طلابه.

 

 

نحو الفاتيكان

 

وقد شملت المرحلة الأبرشية من دعوى تطويبه، التي بدأت عام 2024، جمع الوثائق والشهادات المتعلقة بحياته وتعليمه ومسيرة الحركة، إضافة إلى أرشيف واسع من المواد المكتوبة. وسيتم رفع هذه الملفات إلى دائرة دعاوى القديسين في الفاتيكان لدراستها. وفي حال التقدم في المسار، تبدأ مرحلة الاعتراف بالفضائل البطولية، يليها التحقق من معجزة قبل إعلان التطويب.