موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تستقبل مدريد البابا لاون الرابع عشر في المحطة الأولى من زيارته الرسولية إلى إسبانيا. وفي هذا الإطار، شهدت العاصمة الإسبانية اللمسات الأخيرة من الاستعدادات، حيث أُغلقت بعض الطرقات، وكُشفت تنسيقات الزهور التي تحمل اسم «لاون الرابع عشر»، فيما رُفعت أعلام الفاتيكان في الشوارع الرئيسية للمدينة.
وقبل أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على هبوط الطائرة البابوية، تحدّث البروفيسور ياغو دي لا ثييرفا، المنسق العام للزيارة البابوية إلى إسبانيا، إلى «فاتيكان نيوز» عن أهمية هذه الزيارة الرسولية باعتبارها علامة رجاء لمدينة مدريد ولإسبانيا بأسرها.
وأوضح أن التطلعات المرتبطة بالزيارة تتجسّد في بعدين أساسيين؛ الأول أن يسهم حضور البابا في «تعزيز الحياة الروحية للمسيحيين والكاثوليك الممارسين»، والثاني أن تكون الزيارة دعوةً لكل من ابتعد عن الإيمان أو لم ينل تنشئة دينية كافية «للعودة إلى الكنيسة واكتشاف أن السلام والسعادة الحقيقيين يوجدان في إرادة الله التي تريد الخير للإنسان».
ورغم أن إسبانيا كانت تُعرف تاريخيًا بأنها من أكثر البلدان الكاثوليكية في العالم، فإن أعداد المؤمنين الممارسين شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فبينما يعرّف نحو 52% من الإسبان أنفسهم بأنهم كاثوليك، لا تتجاوز نسبة الممارسين منهم 15%.
ويرى البروفيسور أن هذا التراجع لا يقتصر على إسبانيا وحدها، بل يندرج ضمن ظاهرة أوسع تشهدها أوروبا. وقال: «أعتقد أن الإيمان يتراجع في أوروبا عمومًا. وقد بدأ هذا التراجع في إسبانيا متأخرًا مقارنة ببلدان أخرى، لكنه يتسارع بوتيرة أكبر وربما لأسباب مختلفة».
وأشار إلى أن نسبة الأطفال الذين يتلقّون سرّ المعمودية انخفضت إلى أقل من 50%، كما أن أقل من 20% من الأزواج يعقدون زواجهم في الكنيسة. لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة عدم الاكتفاء بقراءة الأرقام والإحصاءات فقط.
وأضاف: «قد توحي هذه الأرقام بأن كل شيء قاتم ومحزن، لكن الواقع ليس كذلك، فهناك العديد من المؤسسات والجماعات والحركات الكنسية الجديدة التي تنشط بقوة، كما أن عددًا كبيرًا من الرعايا يشهد حياة رعوية نابضة بالحيوية».
وأوضح أن هذا الواقع يظهر بوضوح في مدريد، حيث تعمل الأبرشية على بناء اثنتي عشرة كنيسة جديدة، فيما تشهد الحياة المسيحية في المدينة نموًا ملحوظًا. ويرى أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت البابا إلى اختيار مدريد كمحطة أولى في زيارته، إذ تتمتع العاصمة الإسبانية بمكانة مميزة من حيث كثافة الكاثوليك الممارسين وحيوية الحياة الكنسية فيها.
كما أكد أن الزيارات البابوية تترك دائمًا أثرًا خاصًا في المجتمعات التي تستقبل الحبر الأعظم. وقال: «لدينا خبرة واضحة في هذا المجال؛ فقد زار البابا يوحنا بولس الثاني إسبانيا خمس مرات، والبابا بندكتس السادس عشر ثلاث مرات، وفي كل مرة شهدنا تجددًا في الحياة الإيمانية».
وأشار إلى أن هذا التجدد ينعكس في زيادة أعداد الإكليريكيين الجدد، وارتفاع التبرعات، وتزايد طلب الأهالي بتدريس التربية الدينية في المدارس. ويضيف: «لقد حدث ذلك بالفعل بعد زيارة عام 2011، على سبيل المثال، ونحن نرجو أن يتكرر الأمر مجددًا هذا العام».
ستستقبل إسبانيا البابا لاون في وقت ما تزال فيه البلاد تحتفظ بجذور كاثوليكية عميقة. فعلى مدى قرون طويلة، حكمها ملوك كاثوليك وجعلوا الكاثوليكية دين الدولة الرسمي.
أما اليوم، فكما هو الحال في معظم الدول، باتت الكنيسة والدولة منفصلتين، مع استمرار تعاونهما في عدد من المجالات والقضايا. ويشير البروفيسور إلى أن الحكومة الحالية والكنيسة تتفقان، على سبيل المثال، على أهمية رعاية كل مهاجر يصل إلى إسبانيا.
ويؤكد المنسق العام للزيارة البابوية أن هذه الزيارة تأتي في لحظة بالغة الأهمية بالنسبة للبلاد، معربًا عن أمله في أن يشجّع البابا السياسيين على «العمل معًا، والسعي إلى تحقيق الخير العام، والتفكير على المدى البعيد بدلًا من التركيز على المصالح الآنية والقصيرة الأجل».
وفي هذا السياق، سيلقي البابا كلمة في البرلمان، وهو أمر نادر الحدوث. ويرى دي لا ثييرفا أن وقوف الحبر الأعظم أمام النواب المنتخبين والملك والملكة وسائر المسؤولين السياسيين يشكّل «علامة رجاء» وإشارة إلى إمكانية انبثاق «أمل جديد» في الحياة العامة للبلاد.
قبل خمسة عشر عامًا، ترأس البابا بندكتس السادس عشر اليوم العالمي للشباب في مدريد، حيث شارك ملايين الشبان والشابات في هذا الحدث الكنسي العالمي. وكان شعار تلك النسخة: «متجذّرون ومبنيّون في يسوع المسيح، وثابتون في الإيمان»، فيما دعا البابا الألماني آنذاك الشباب إلى أن يكونوا «روّادًا للتبشير الجديد».
واليوم، وبعد ما يقارب عقدين من الزمن، ومع وجود بابا جديد وعالم أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا، يعود الشباب ليكونوا مجددًا رجاء المستقبل. فعلى الرغم من تراجع أعداد الكاثوليك الممارسين، يلاحظ ازدياد اهتمام عدد متنامٍ من الشباب بالإيمان الكاثوليكي.
ويرى البروفيسور دي لا ثييرفا، الذي شارك أيضًا في تنظيم اليوم العالمي للشباب عام 2011، أن هذا الاهتمام المتجدد يعود إلى بحث الشباب عن السلام والسعادة والمعنى في حياتهم، مشيرًا إلى أن التحدي المطروح أمام الكنيسة هو أن تكون جماعة منفتحة وقادرة على استقبالهم واحتضانهم.
ويضيف: «لكن هذه ليست سوى البداية. فالتحدي الحقيقي أمام الكنيسة لا يقتصر على إدخال هؤلاء الشباب إلى مدخل البيت، بل مساعدتهم على الدخول والبقاء والتعرّف إلى الكنيسة بأكملها». ويختم بالتأكيد على أن زيارة البابا لاون يمكن أن تكون بمثابة الباب المفتوح الذي يعيد الشباب إلى الكنيسة، وأن تتحول إلى عامل أساسي في تجديد الحياة الكنسية في إسبانيا بأسرها.