موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مستهل زيارته الرسولية إلى إسبانيا، ألقى البابا لاون الرابع عشر خطابًا رسميًا في العاصمة مدريد، بحضور الملك فيليبي السادس وعقيلته، ورئيس الوزراء الإسباني، وعدد من كبار المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي، عبّر فيه عن امتنانه للدعوة، وتقديره للتاريخ المسيحي العميق الذي يربط إسبانيا برسالة الإنجيل منذ قرون.
وأكد البابا أن هذه الزيارة تأتي ضمن «مسار متعدد المحطات، يكشف غنى بلدٍ كبير استقبل كلمة الإنجيل منذ ما يقارب ألفي عام»، مشيرًا إلى أن التقليد الكنسي يربط البشارة الأولى في شبه الجزيرة الإيبيرية برسالة القديس يعقوب الكبير، وهو ما يعكس، بحسب قوله، «وعي الكنيسة المحلية باستمرار رسالتها الرسولية منذ زمن العنصرة».
وشدد على أن هذا الإرث الروحي والثقافي، رغم تنوع الهوية الإسبانية، شكّل عنصرًا مؤثرًا في تاريخ البلاد، وقال إن «الارتباط العريق بين الإيمان المسيحي وهذه الأرض قد صاغ ثقافتها بعمق، ويشكّل مصدر رجاء وإرشاد في مواجهة تحديات العائلة البشرية اليوم»».
وفي حديثه عن الإيمان الشعبي، أشار البابا إلى مظاهره الحية في المدن والقرى الإسبانية، إلى جانب التراث الفني والموسيقي والأعمال الخيرية، واصفًا إياها بأنها تعبير عن «لقاء مثمر بين يسوع المسيح وشعبٍ مفعم بالشغف وحب الحياة».
ودعا البابا إلى تعزيز ثقافة اللقاء بدل الانقسام، مؤكدًا أن «التاريخ نفسه يدل على أن ثقافة المواجهة لا تصنع الاستقرار، بل ثقافة اللقاء والحوار هي التي تولّد الازدهار والسلام»، محذرًا من خطابات الانقسام التي تضعف المجتمعات وتعمّق الصراعات.
وتوقف عند الفكر الفلسفي والروحي الذي يدعو إلى التمييز بين الواقع والفكرة، مستشهدًا بتعاليم سابقة للبابا فرنسيس، إذ قال إن «الواقع هو الأساس، أما الفكرة فهي تُبنى عليه، ويجب أن يكون بينهما حوار دائم»، مضيفًا أن «الحقيقة أكبر منا جميعًا، وهي التي تقودنا إلى دروب المصالحة والتجدد».
وفي محور روحي لافت، استحضر البابا شخصيتي القديسين يوحنا الصليب وتيريزا الأفيليّة، واصفًا إياهما بأنهما قدّما «روحانية منفتحة على التاريخ، تصل إلى عمق الواقع الإنساني»، مشيرًا إلى أن تجربة «الليل الروحي» عند يوحنا الصليب تعبّر عن زمن يتحرر فيه الإنسان من أوهامه ليكتشف النور الحقيقي.
كما لفت إلى «القصر الداخلي» في فكر القديسة تيريزا، معتبرًا أنه يرمز إلى رحلة الإنسان نحو أعماقه حيث يلتقي بالحقيقة والسلام، مؤكدًا أن هذه التجربة «ليست انعزالًا عن العالم، بل انفتاحًا جذريًا على الله والآخر».
وفي سياق حديثه عن التحديات المعاصرة، حذّر البابا من تصاعد الانقسامات الاجتماعية واستغلالها سياسيًا، مشددًا على الحاجة إلى «ثقافة، وعمق داخلي، وتعليم حرّ، وانفتاح على ما هو متجاوز»، داعيًا إلى حماية حرية الضمير والدين باعتبارها أساس كرامة الإنسان.
كما دعا إلى تجاوز الخطابات التي تختزل الواقع وتغذّي الكراهية، مؤكدًا أن أوروبا مدعوة إلى أن تكون مساحة للالتقاء والتعدد، وأن «تقدير التعقيد وفهمه هو إحدى رسائلها الأساسية للعالم».
وتناول أيضًا التحولات التكنولوجية، محذرًا من مخاطرها حين تُستغل لتعميق الانقسامات أو إضعاف التفكير النقدي، داعيًا إلى الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والمجتمع المدني باعتبارها «حاضنات المشاركة وبناء المستقبل».
واستحضر البابا تجربة التعايش التاريخي في الأندلس، مشيرًا إلى أن «التاريخ الأوروبي لا يقوم فقط على الصراع، بل أيضًا على مساحات من اللقاء والحوار بين المسيحيين والمسلمين واليهود»، مذكرًا بدور مدن مثل قرطبة وطليطلة في نقل المعرفة بين الحضارات.
كما أشار إلى القديس إغناطيوس دي لويولا بوصفه مثالًا على التحول الروحي العميق، حيث قادته خبرته الداخلية إلى اختيار طريق السلام والتمييز الروحي، معتبرًا أن «الأزمات يمكن أن تتحول إلى نعمة حين تُعاش في ضوء الإيمان والتمييز».
وفي ختام خطابه، وجّه البابا رسالة إلى القادة وصنّاع القرار دعاهم فيها إلى دعم العدالة الاجتماعية، وتعزيز التعليم والبحث، والاهتمام بالفئات الأكثر ضعفًا، والعمل من أجل بناء مستقبل يقوم على «كرامة الإنسان، والعدالة، والسلام، والعناية بالبيت المشترك».
وختم البابا لاون الرابع عشر كلمته بتوجيه الشكر لإسبانيا على التزامها بالقانون الدولي والتعددية، داعيًا إلى تعزيز الحوار الداخلي والأوروبي، ومؤكدًا أن السلام لا يُبنى بالقوة بل بـ«السير معًا، كتفًا إلى كتف». وقال في ختام خطابه: «ليبارك الله إسبانيا».