موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد الكاردينال مايكل تشيرني، عميد الدائرة الفاتيكانية لخدمة التنمية البشرية المتكاملة، أن الكنيسة لا تكون مقنعة عندما تكون خاضعة ومتساهلة، بل عندما تبقى أمينة للمسيح، مشيرًا إلى أن هذا ما يعلّمه الطوباويان الجديدان، الكاهنان يان بولا وفاتسلاف دربولا، اللذان استشهدا ضحية للنظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد أُعدم الكاهنان بعد محاكمات صورية عامي 1951 و1952، في محاولة لترهيب الكاثوليك وإجبار الكنيسة على الخضوع للنظام الشيوعي. وجرت مراسم التطويب في مدينة برنو التشيكية، وترأسها الكاردينال تشيرني باسم البابا، وهو من مواليد هذه المدينة قبل أن يهاجر مع عائلته إلى كندا عندما كان في الثانية من عمره.
في عظته، شدّد تشيرني على راهنية شهادة الشهيدين اللذين بقيا أمناء لإيمانهما رغم التهديد والتعذيب. وقال إن خطأهما في نظر النظام لم يكن ارتكاب العنف، بل رفضهما خيانة ضميرهما الكهنوتي، ورفضهما التحول إلى أدوات في خدمة الأيديولوجيا والقمع. وأضاف أنهما لم يكونا مستعدين لترديد الكلمات التي فُرضت عليهما أو للصمت عندما كان الصمت يعني المشاركة في الكذب.
وأشار إلى أن المسيحيين اليوم لا يواجهون عادة السجن أو التعذيب أو الموت بسبب إيمانهم، لكنهم يتعرضون لأشكال أخرى أكثر تعقيدًا من الضغوط، مثل الدعوات إلى التكيف والخضوع وعدم «تعقيد الأمور». وأضاف أن المجتمعات المعاصرة لا تعاقب غالبًا بالعنف المباشر، بل عبر السخرية والتهميش وإسكات الأصوات، مما يجعل شهادة الشهيدين أكثر أهمية وواقعية في زمننا الحاضر.
وأوضح عميد الدائرة الفاتيكانية لخدمة التنمية البشرية المتكاملة أن الكنيسة، من خلال هذا التطويب، لا تقدّم شخصيات أسطورية أو مثالية بعيدة عن الواقع، بل تضع أمام المؤمنين كاهنين من لحم ودم عاشا الظروف نفسها التي يختبرها البشر.
وأشار إلى أن استشهادهما لم يكن نتيجة لحظة بطولية واحدة، بل ثمرة مسيرة طويلة من الاستجوابات والإذلال النفسي والعزلة. وقال إن عظمتهما تكمن في أنهما بقيا أمينين لفترة طويلة، ورفضا التسويات التي كان من السهل تبريرها بعبارات مثل: «ما قلته لا يعبر عما أؤمن به حقًا» أو «الله ينظر إلى القلب». لقد بقيا أوفياء لضميرهما حتى النهاية.
وأكد أن مثال الشهيدين يدعو المؤمنين إلى التمييز بين ما قد يضلل الضمير في عصرنا، مثل الراحة الشخصية، والخوف من خسارة المكانة الاجتماعية، والرغبة في السلام بأي ثمن. وأضاف أن الطوباويين يان وفاتسلاف يذكران بأن حقيقة الإنجيل لا تنسجم مع مثل هذه المساومات.
وشدد الكاردينال تشيرني على أن تطويبهما يبرهن أن الإنسان قادر على البقاء حرًا حتى في أحلك الظروف، وأن الضمير ليس ترفًا بل أساس كرامة الإنسان وضمان حقوقه غير القابلة للتصرف. كما أكد أن الكنيسة تكون أكثر إقناعًا عندما تبقى أمينة للمسيح، لا عندما تصبح خاضعة ومتساهلة.
وفي ختام عظته، قال ممثل البابا لاون الرابع عشر إن الطوباويين يان بولا وفاتسلاف دربولا يدعوان المؤمنين إلى عدم بيع الحقيقة مقابل الراحة أو تجنب الصراع، وعدم التخلي عن الإيمان من أجل نيل استحسان الآخرين، وعدم اختيار الصمت عندما يكون الشهادة مطلوبة، أو التضحية بالضمير من أجل المنفعة أو التقدم المهني أو الامتثال للتيار السائد. وأضاف أن كل ذلك قد يبدو معقولًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة خيانة لكرامة الإنسان وحريته ونزاهته.