موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٩ مايو / أيار ٢٠٢٦
البطريرك بولس الثالث نونا في أول كلمة بعد تنصيبه: أنتم ونحن الكنيسة

أبونا :

 

في أول كلمة له بعد تنصيبه بطريركًا، استند بطريرك الكنيسة الكلدانية بولس الثالث نونا إلى قول السيد المسيح في إنجيل مرقس: «لا تخف، آمن فقط»، ليقدّم رؤية راعوية تنطلق من الإيمان وسط التحديات، ومن الرجاء في مواجهة واقع يثقل الإنسان بالخوف والقلق.

 

واعتبر أن هذه العبارة الإنجيلية لم تكن مجرد تعزية عاطفية، بل «دعوة جذرية إلى تحوّل داخلي من منطق الخوف إلى منطق الإيمان»، موضحًا أن الخوف ليس مجرد شعور إنساني عابر، بل حالة قد تتحول إلى منطق حياة يقيّد الإنسان ويغلقه على ذاته ويمنعه من رؤية عمل الله.

 

وفي كاتدرائية القديس يوسف بالعاصمة العراقية بغداد، انطلق البطريرك نونا من هذه الآية بوصفها شعار خدمته البطريركية، معتبرًا إياها دعوة دائمة للثقة بالله وتجاوز الخوف نحو إيمان حيّ وفاعل في حياة الكنيسة والمؤمنين.

 

 

الإيمان في مواجهة الانكسار الإنساني

 

وتوقف البطريرك عند مشهد يائيروس رئيس المجمع، الذي جاء إلى يسوع طالبًا شفاء ابنته، قبل أن يصله خبر موتها. وقال إن هذا الحدث يكشف هشاشة الإيمان حين يُربط بالمنطق البشري وبحدود الزمن، حيث يبدو الموت نهاية لكل رجاء.

 

وأضاف أن يسوع لا يتدخل فقط لتغيير الحدث، بل لإعادة تشكيل الداخل الإنساني نفسه، حين يقول: «لا تخف»، وكأنه يدعو الإنسان إلى عدم السماح للواقع الظاهر بأن يحدد أفق الرجاء، ثم يضيف: «آمن فقط»، وهي كلمة، بحسب البطريرك، تختصر لاهوتًا كاملًا عن معنى الإيمان بوصفه «تسليمًا وجوديًا كاملاً لشخص المسيح».

 

وأوضح أن الإيمان الحقيقي ليس فكرة ذهنية ولا انتظارًا سلبيًا للمعجزة، بل هو ثقة عميقة بالله حتى عندما يبدو كل شيء مناقضًا لذلك، بل حتى في لحظات الصمت والموت.

 

 

الخوف حين يتحول إلى منطق حياة

 

وشدد البطريرك نونا على أن المشكلة لا تكمن في وجود الخوف، بل في السماح له بالتحول إلى رؤية كاملة للواقع، قائلاً إن الإنسان حين يستسلم للخوف يبدأ بتفسير كل شيء من خلاله، فيصبح العالم تهديدًا دائمًا، والآخر مصدر قلق، بل وقد يشعر الإنسان بأن الله نفسه غائب. وأشار إلى أن هذا الانغلاق الداخلي يقود إلى انكماش روحي وإنساني، حيث يتراجع الإنسان عن المخاطرة، ويغلق أبواب الثقة، ويفضل الأمان الوهمي على الانفتاح على الله.

 

وختم هذا الجزء بالتأكيد أن عمل الله غالبًا ما يظهر خارج الحسابات البشرية، وفي ما يبدو مستحيلًا أو غير متوقع، داعيًا المؤمنين إلى عدم السماح للخوف بأن يكتب الفصل الأخير من حياتهم، لأن «الإيمان هو الكلمة الأخيرة».

 

 

كنيسة موحدة ورسالة حيّة

 

وانطلاقًا من هذا التأمل الإنجيلي، أعلن البطريرك نونا بداية خدمته البطريركية بروح من التواضع والشكر، شاكرًا الله على الدعوة، والكنيسة الكلدانية على إرثها الروحي والليتورجي العريق، بما تحمله من طقوس وألحان وتراث إيماني عميق الجذور.

 

كما وجّه شكره إلى عميد دائرة الكنائس الشرقية في الفاتيكان، الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، وإلى سلفه الكاردينال لويس روفائيل ساكو على خدمته الطويلة للكنيسة، إضافة إلى البطاركة والأساقفة الحاضرين، وسفير الكرسي الرسولي، وكل أبناء الكنيسة. كما خصّ بالذكر الإكليروس والرهبان والراهبات، واصفًا إياهم بأنهم «قلب الكنيسة النابض وملح رسالتها»، إلى جانب الشمامسة والعاملين في الخدمة الرعوية والمؤمنين في مختلف أماكن وجودهم.

 

 

خارطة طريق للمرحلة المقبلة

 

وقدّم البطريرك نونا مجموعة من التوجهات الراعوية اعتبرها «قناعة إيمانية أكثر منها برنامجًا إداريًا»، مؤكدًا أن نجاحها يقوم على وحدة الكنيسة وتعاون جميع أبنائها، وهي: وحدة الكنيسة، الحياة الإيمانية والعمق الروحي، الإكليروس، المؤمنين والشباب، الهوية الكلدانية، والأخوّة مع الكنائس.

 

 

الوحدة في الكنيسة

 

وشدّد البطريرك على أن وحدة الكنيسة الكلدانية تُعدّ ضرورة قصوى، إذ إن الإيمان يتجسّد بعمق في جماعة مؤمنة موحّدة تعيش الرسالة معًا. وأوضح أن الكنيسة الكلدانية واحدة تحتضن جميع أبنائها من مختلف الأطياف، وأن هذه الوحدة لا تقوم على وحدة الأفكار أو المواقف، إذ إن هذه قد تتباين بطبيعتها، بل تقوم أساسًا على وحدة الهدف والرسالة، أي القدرة على العمل المشترك من أجل تحقيق غاية الوجود المسيحي في الكنيسة.

 

وأضاف أن الهدف الواحد يتمثّل في عيش حياة الرب يسوع في تفاصيل الحياة اليومية، سواء في خدمة الرعاة والمسؤولين أو في حياة المؤمنين. وأكد أن هذا الهدف المشترك هو أساس الوحدة وغايتها، وهو ما يمنح الكنيسة بساطة عميقة تولّد استمرارية الفعل وفعاليته في الحياة الروحية والرعوية.

 

وأشار إلى أن استمرار وجود الكنيسة الكلدانية في الشرق، ولا سيما في العراق، هو أمر أساسي وجوهري لبقاء هذا الشعب العريق في أرضه وتاريخه الممتد عبر القرون، مؤكدًا أن العمل سيتركّز على تعزيز هذا الحضور وتثبيته عبر مختلف المجالات، بما يخدم رسالة الكنيسة القائمة على التقديس والتعليم وترجمة الإيمان إلى واقع اجتماعي ملموس، ولا سيما من خلال دعم حقوق المؤمنين وتعزيز وجودهم في أرضهم.

 

ووجّه البطريرك كلمة مباشرة إلى المؤمنين في العراق والشرق، قائلاً إنهم «ملح الكنيسة وهذه الأرض»، وإن وجودهم في أرضهم هو رسالة بحد ذاته وشهادة لاستمرارية الجذور المسيحية في موطنها الأول. وفي المقابل، دعا إلى النظر إلى الكنيسة الكلدانية في بلدان الانتشار لا كخسارة أو عبء، بل كنعمة ورسالة حيّة، إذ إن حضور المؤمنين في تلك البلدان يشكّل فرصة جديدة للبشارة وإعادة إعلان الإيمان في مجتمعات تحتاج إلى تجدد روحي.

 

وأكد أن الكنيسة مدعوة إلى أن تكون مرسلة للتبشير وإعادة التبشير، حاملةً الإيمان بروح المشرق وعمقه وحيويته إلى العالم المعاصر. كما دعا المؤمنين في بلدان الانتشار إلى إدراك أن وجودهم هو رسالة بحد ذاته، فهم مدعوون إلى تثبيت الإيمان في بيئات قد تفقد حساسيتها الروحية بسرعة، ما يجعل شهادتهم أكثر إلحاحًا وفاعلية.

 

وختم هذا المحور بالدعوة إلى تعزيز التواصل والترابط بين الداخل والانتشار، وخلق تفاعل حي بين الطرفين، بما يسمح بتبادل الخبرات والطاقات في خدمة الكنيسة. وشدّد على أهمية إشراك الأجيال الشابة والإكليروس في هذا التفاعل، بحيث يعيش الجميع كجسد كنسي واحد متجذّر في الشرق ومنفتح على العالم، لا ككيانات منفصلة أو منعزلة، بل كجماعة واحدة تحمل رسالة واحدة في قلب الكنيسة الجامعة.

 

 

الحياة الروحية والعمق الإيماني

 

وفي ما يتعلق بالحياة الروحية والعمق الإيماني، دعا البطريرك إلى العمل بجدّية من أجل بناء حياة روحية متجذّرة في العمق، تقوم على تعميق المعنى الإيماني وإدراكه كركيزة أساسية للحياة المسيحية، لا كمجرد وسيلة أو ممارسة شكلية. وشدّد على أهمية بلورة ملامح هوية لاهوتية مشرقيّة كاثوليكية خاصة بالكنيسة الكلدانية، تنطلق من أساس إيماني واحد لا من مجرد أهداف متفرقة.

 

 

الإكليروس والمؤمنون

 

أما في ما يخص الإكليروس والتنشئة الدائمة، فأكد على ضرورة اعتماد رؤية كنسية تعتبر الكهنة شركاء حقيقيين في الرسالة، لا مجرد منفذين للتوجيهات، بل رفاق مسيرة في الخدمة، ورسلاً مدعوين إلى حمل البشارة، لا موظفين في مؤسسة ولا مقتصرين على أداء الطقوس والواجبات.

 

وفي حديثه عن المؤمنين والشباب، شدّد على أنهم يشكّلون مصدر قوة أساسي للكنيسة، مشيرًا إلى الشمامسة والشماسات، ومعلمي التعليم المسيحي، والجوقات، والمسؤولين عن النشاطات والأخويات، وأعضاء المجالس الرعوية والأبرشية، والمتطوعين، باعتبارهم جميعًا من يصنعون حياة الكنيسة اليومية ويجعلونها حاضرة وفاعلة في الواقع. وأكد أن الكنيسة لا تُختزل في مسؤوليها أو مؤسساتها، بل تتجسد في كل أبنائها، قائلاً: «أنتم ونحن الكنيسة».

 

 

الهوية الكلدانية والأخوّة مع الكنائس

 

وفي ما يتعلق بالهوية الخاصة، أعلن البطريرك العمل على ترسيخ الموروث والتقليد الكلداني المشرقي كأساس للمسيرة الكنسية، مشيرًا إلى أن هذه الهوية ليست طارئة أو حديثة، بل متجذّرة في تاريخ يمتد لأكثر من ألفي سنة من الإيمان والثقافة والحضارة. وأوضح أن الطقوس والتراث واللغة الكلدانية تشكّل مصدر فخر وخصوصية، ليس بمعنى التفوق على الآخرين، بل كغنى روحي يعبّر عن طريقة مميّزة في عيش الإيمان داخل الكنيسة الجامعة.

 

أما في محور الأخوّة مع الكنائس، فشدّد على أن الكنيسة الكلدانية ليست كيانًا معزولًا، بل جزء من فسيفساء إيمانية واحدة، تتكامل فيها الكنائس ولا تنفصل. وأكد أن قوة الكنيسة الكلدانية تنبع من قوة الكنائس الشقيقة، خصوصًا في العراق والشرق، داعيًا إلى تعزيز التعاون والعمل المشترك والانفتاح المتبادل في مختلف المجالات، بما يعكس شركة حيّة وشهادة مشتركة للإنجيل.