موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد الرئيس العام لمرسلي قلب يسوع الكمبونيين، الأب لويجي فرناندو كودياني، أن رسالة الرهبنة في مناطق النزاعات لا تقوم على الانسحاب أمام الخطر، بل على البقاء إلى جانب الشعوب المتألمة، حتى في ظل القصف والحروب، مشددًا على أن الحضور وسط المعاناة هو «علامة رجاء» ورسالة الكنيسة في أكثر الأماكن احتياجًا.
وتعدّ الرهبنة الكمبونية، التي أسسها القديس دانيال كمبوني عام 1867 لخدمة الرسالة في أفريقيا، من أبرز المؤسسات الإرسالية في الكنيسة الكاثوليكية، وتضم اليوم نحو 1470 راهبًا ومرسلًا من 48 دولة، يخدمون في 41 بلدًا حول العالم، معظمها في أفريقيا، حيث يعمل كثير منهم في مناطق تشهد نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية متواصلة.
وفي حديث إلى وكالة الأنباء الكاثوليكية الإيطالية «سير»، أوضح كودياني أن المجلس العام للكمبونيين وجّه مؤخرًا رسالة تضامن إلى الجماعات الرهبانية والمسيحية التي تعيش في «أراضي المحنة»، حيث تعصف الحروب والعنف والمجاعات والاضطهادات وعدم الاستقرار السياسي والكوارث الطبيعية بملايين الأشخاص، ولا سيما في السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان، ولبنان، وموزمبيق، وتشاد، وغيرها.
وأوضح أن المجلس العام أراد من خلال هذه الرسالة التأكيد للرهبان العاملين في تلك المناطق أنهم ليسوا وحدهم، وقال: «أردنا أن نقول لهم: نحن معكم، ولم ننسكم، وأن نعبر عن امتناننا لأنهم اختاروا البقاء وعدم التخلي عن الشعوب التي يخدمونها في أصعب الظروف».
وأشار إلى أن جماعات الرهبنة في جمهورية الكونغو الديمقراطية تواصل رسالتها رغم أعمال العنف التي تنفذها الجماعات المسلحة، مستشهدًا بجماعة «مومبيري»، التي أبقت المستشفى مفتوحًا وواصلت خدمة السكان رغم المخاطر، مؤكدًا أن هؤلاء المرسلين أصبحوا «معلمي إيمان» لما يقدمونه من شهادة وصمود ورجاء.
وأضاف أن الرهبنة نادرًا ما تغلق رسالاتها، وقال: «اليوم نحن الرهبنة الرجالية الوحيدة التي ما تزال موجودة في السودان. لم نشأ أن نخون ثقة الناس بنا، ولذلك اخترنا أن نبقى». وأشار إلى أن الرهبان ما زالوا يقيمون في مدينة كوستي رغم القصف الليلي بالطائرات المسيّرة، كما يواصلون عملهم في بيت التنشئة ببيروت، على الرغم من استمرار التوترات الأمنية.
وشدد على أن هذا القرار لا ينبع من الرغبة في القيام بعمل بطولي، بل من الإحساس بالمسؤولية تجاه الشعوب التي تتطلع إلى مستقبل أفضل، قائلًا: «ليس الهدف أن نثبت شجاعتنا، بل ألا نخيب رجاء الناس الذين يريدون مواصلة الحياة وبناء مستقبلهم».
وفي السودان، أوضح الأب كودياني أن الرهبنة ترافق العائلات التي بدأت تعود إلى الخرطوم ومناطق أخرى بعد سنوات الحرب، وتعمل بالتعاون مع الأساقفة المحليين على إطلاق مشاريع لإعادة بناء الجماعات المسيحية، وتدريب القادة المحليين الذين اضطر كثير منهم إلى النزوح، دعمًا لعملية إعادة الإعمار الروحية والراعوية.
كما حذر من تجدد أعمال العنف في جنوب السودان، رغم اتفاق السلام الموقع عام 2018، مشيرًا إلى استمرار التوتر في مناطق عدة، بينها فانغاك، حيث ما تزال الأسر تعيش في ظروف من الخوف وعدم الاستقرار.
وأكد الرئيس العام للكمبونيين أن الوجود إلى جانب الناس يبقى الأولوية الأساسية للرهبنة، رغم تراجع المساعدات الدولية، موضحًا أن تقليص التمويل المخصص للتعاون الإنساني زاد من هشاشة الأوضاع في كثير من البلدان، ما دفع الرهبنة إلى تكثيف جهودها لتوفير الحد الأدنى من الدعم للسكان. وأضاف أن أكثر الاحتياجات إلحاحًا اليوم تتمثل في المساعدات الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الغذاء، والملابس، والمواد الضرورية، في ظل النقص الحاد الذي تشهده الأسواق في مناطق النزاعات.
وكشف أن الرهبنة أطلقت حملة دعم لصالح إقليم شمال كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتستعد لإطلاق مبادرة مماثلة لمساندة المتضررين في السودان، بالتعاون مع أسقف الأبيض، وذلك فور توافر تقييم ميداني أكثر دقة لاحتياجات المناطق التي بات الوصول إلى كثير منها، ولا سيما في دارفور وكردفان، بالغ الصعوبة.
وختم الأب كودياني بالتأكيد أن السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية يمثلان اليوم الأولوية القصوى بالنسبة للمرسلين الكمبونيين، مع مواصلة دعم الكنائس المحلية في مختلف مناطق الأزمات، إيمانًا بأن حضور الكنيسة إلى جانب المتألمين يبقى شهادة رجاء لا يمكن التخلي عنها.