موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قال البطريرك الكلداني الجديد بولس الثالث نونا إن «المسؤولية الأهم» الملقاة على عاتقه هي أن يكون «أبًا للجميع» وأن «يحافظ على الوحدة» بين الأساقفة والكهنة والرهبان والمؤمنين، وأن ينقل إليهم «القوة» لمواجهة الأزمات الكثيرة في «عالم يعيش غارقًا في الخوف».
وفي مقابلة مع وكالة «آسيا نيوز»، بعد انتخابه من قبل السينودس وتثبيت انتخابه من قبل البابا لاون الرابع عشر في 12 نيسان الماضي، أوضح البطريرك الذي سيحتفل بقداس تنصيبه الرسمي في 29 أيار، أنه يريد أن يعيش رسالته مستلهمًا خبراته الرعوية، سواء بين مؤمني الانتشار في أستراليا أو سابقًا في الموصل، حيث اختبر بنفسه الاضطهادات الدينية.
وأضاف: «الرسالة الأولى والأهم هي أن المحبة أقوى من الكراهية»، مستشهدًا بشهادة الأب رغيد كني، الكاهن الكلداني في الموصل الذي قُتل عام 2007، والمطران بولس فرج رحو، رئيس أساقفة الموصل للكلدان الذي خُطف واستُشهد عام 2008، «اللذين ضحّيا بحياتهما من أجل هذه الرسالة».
وُلد البطريرك نونا عام 1968 في بلدة القوش شمال العراق، ويُعدّ من الشخصيات البارزة في الكنيسة الكلدانية. ومنذ عام 2009 خدم رئيسًا لأساقفة الموصل خلفًا للمطران رحو الذي قُتل عام 2008، وقاد الجماعة المسيحية خلال واحدة من أحلك مراحل تاريخها، مع صعود تنظيم داعش في صيف 2014 وتهجير مئات آلاف المسيحيين من المدينة وسهل نينوى. وفي ما بعد، عُيّن أسقفًا لأبرشية مار توما الرسول الكلدانية في سيدني، حيث توسعت مسؤولياته الرعوية في خدمة جماعات الانتشار.
وتعود جذور الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى كنيسة المشرق، وقد نشأت في بلاد ما بين النهرين القديمة على يد القديسين مار أدي ومار ماري، تلميذي القديس توما الرسول. ويقع الكرسي البطريركي في كاتدرائية القديس يوسف في بغداد، وتضم الكنيسة عدة أبرشيات داخل العراق وخارجه. ويبلغ عدد المؤمنين أكثر من 600 ألف، يعيش نحو 300 ألف منهم في العراق، بعدما كان عددهم يتجاوز 1.3 مليون قبل الغزو الأميركي عام 2003، إذ دفعت الحروب والعنف أعدادًا كبيرة إلى الهجرة نحو بلدان الانتشار.
وعن كلمات البابا لاون الرابع عشر التي وجهها لأساقفة الكنيسة الكلدانية مع بداية أعمال السينودس، حين قال إن «البطريرك الجديد يجب أن يكون أولًا أبًا في الإيمان وعلامة شركة مع الجميع وبين الجميع»، رأى البطريرك نونا أن البابا عبّر عن «رؤية عميقة جدًا» لما تحتاج إليه الكنيسة اليوم.
وقال: «أراد الأب الأقدس أن يؤكد أن البطريرك هو أب للجميع، رغم اختلاف الآراء والتباينات بين الأشخاص، وعليه أن ينظر إلى الجميع من دون تمييز. وهذا الأمر مهم جدًا اليوم، خصوصًا كنيسة الشرق الأوسط التي تواجه تحديات وصعوبات كبيرة. ليس من السهل الحفاظ على الوحدة، لكنها مهمة لا يمكن التخلّي عنها».
وأشار البطريرك الجديد إلى أن مسيرة الوحدة داخل الكنيسة الكلدانية بدأت بالفعل خلال السينودس الذي أفضى إلى انتخابه، موضحًا أن المشاركين أجروا «مراجعة عميقة» لما حدث في الماضي والدروس المستفادة منه.
وأضاف: «لا يمكن أن تكون هناك انقسامات داخل الكنيسة في ظل الظروف الحالية التي يعيشها العالم عمومًا والشرق الأوسط خصوصًا. أعتقد أن العمل الأهم بدأ فعلًا خلال السينودس، وقد كان إيجابيًا وبنّاءً، لأن الجميع تحدثوا بصراحة عن القضايا المختلفة وما ينبغي فعله مستقبلًا».
وأوضح البطريرك نونا أن الكنيسة تواجه اليوم عدة تحديات، تبدأ بالاهتمام بأوضاع الكنيسة في العراق والشرق الأوسط، وتعزيز العلاقة بين الرعاة والمؤمنين، والتأكيد أن الكنيسة «كنيسة الجميع». كما شدّد على أهمية تعزيز العلاقات مع الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية الأخرى، لأن المسيحيين يشكّلون أقلية في هذه البلدان، ما يجعل الوحدة أكثر إلحاحًا.
وتحدث أيضًا عن التحديات المرتبطة بجماعات الانتشار في أستراليا والولايات المتحدة وكندا وأوروبا، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على الروابط بين أبناء المهجر وبلدانهم الأصلية، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي لا تعرف الكثير عن أوطان آبائها.
وعن تأثير خبرته في الموصل وأستراليا على رسالته الجديدة، قال البطريرك: «أشكر الله على الخبرات التي عشتها كأسقف. ففي مدينة الموصل اختبرتُ ما حدث بعد اجتياح تنظيم داعش والتهجير الجماعي للمسيحيين نحو إقليم كوردستان العراق. ثم عشت تجربة الانتشار في أستراليا مع شعب اختار الهجرة وبناء حياة جديدة». وأضاف أن التحدي الكبير يكمن في إيجاد نقطة لقاء بين جذور المؤمنين في الشرق الأوسط والواقع الجديد الذي يعيشونه في بلدان الاغتراب.
وفي حديثه عن ذكرى الكاهن الكلداني رغيد كني والمطران بولس فرج رحو، اللذين قتلا على يد متطرفين، قال البطريرك نونا: «الرسالة الأولى والأهم هي أن المحبة أقوى من الكراهية. والاحترام أقوى من إنكار حقوق الآخرين. لقد ضحّى الأب راغيد والمطران رحو بحياتهما من أجل هذه الرسالة». وأضاف أن هذه الشهادة ما تزال حيّة داخل الجماعة المسيحية، وأن مدينة الموصل بدأت اليوم تستعيد حياتها شيئًا فشيئًا عبر إعادة الإعمار والعمل من أجل مستقبل أفضل.
وعن اختياره شعار «لا تخف، آمن فقط»، أوضح البطريرك نونا أن الخوف لم يعد مرتبطًا فقط بالاضطهاد والعنف، بل أصبح يطبع حياة الناس في العالم كله. وقال: «في الموصل كنتُ أظن أن الخوف مرتبط بالاضطهاد والعنف، لكن عندما انتقلت إلى أستراليا اكتشفت أن الخوف حاضر هناك أيضًا: الخوف من الموت، ومن الآخرين، ومن المرض، ومن الوحدة. عالمنا اليوم يعيش غارقًا في الخوف، ولهذا فإن رسالة المسيح تبقى أكثر أهمية: لا تخافوا، بل آمنوا».
وعن عودته إلى العراق، قال البطريرك الجديد إنه يلمس لدى الناس «رغبة كبيرة في الحياة الطبيعية والعيش بسلام»، مضيفًا أن العراقيين «متعبون من الحروب والكراهية والصراعات. وفي ختام المقابلة، شدّد على أهمية الحفاظ على الوجود المسيحي في العراق والشرق الأوسط، والعمل من أجل وقف الهجرة وضمان استمرار الحضور المسيحي في المستقبل.