موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٩ مايو / أيار ٢٠٢٦
على درب القوافل من ماردين إلى القامشلي: قصة نجاة عائلة أرمنية من الإبادة
في القامشلي، حيث بقيت الذاكرة حيّة أكثر من قرن، نصب شهداء الإبادة الأرمنية - كنيسة القديس هاكوب للأرمن الأرثوذكس

في القامشلي، حيث بقيت الذاكرة حيّة أكثر من قرن، نصب شهداء الإبادة الأرمنية - كنيسة القديس هاكوب للأرمن الأرثوذكس

رافي سايغ :

 

في 24 نيسان من كل عام يتذكر العالم شهداء الإبادة الأرمنية التي وقعت عام 1915، ومثلها مثل مدن كثيرة تقف مدينة القامشلي السورية على إيقاع ذاكرة لا تهدأ. عشية الذكرى عند النصب التذكاري لشهداء الإبادة الأرمنية في كنيسة القديس هاكوب للأرمن الأرثوذكس، تتقاطع خطوات الناس من جهات مختلفة، يحملون الورود والشموع، ويتركون للصمت أن يكمل بقية الحكاية.

 

لم تكن هذه الذكرى يوماً عابراً عندي. فهي حكايات سمعتها منذ الطفولة، كانت تصل إليّ بصوت الأجداد، محمّلة بصور الرحيل الطويل بداية من ماردين ولتنتهي لاحقا في صحاري دير الزور السورية.

 

أما ماردين، مسقط رأس أجدادي، حيث البيوت التي تُركت على عجل، والأغاني التي انقطعت فجأة، فقد كانت كما رُويت لي مدينةً يتقاسم فيها الناس أفراحهم وأتراحهم، قبل أن تتحول تلك الصورة فجأة إلى مسيرات تمضي نحو المجهول، هناك كُتبت قصص الشهادة والرحيل، ومنها بدأت الحياة لاحقاً.

 

كنتُ كطفل أترقّب بشغف كلمات والدي "هاكوب" كلما جلس أمام الآخرين ليروي كيف نجت عائلته من ذلك المصير. كان صوته يتحول في تلك اللحظات إلى نافذة على عالم آخر، أُصغي له وكأن القصة تُروى لأول مرة، رغم أنها كانت تتكرر في كل ذكرى لهذا اليوم، وفي بقية الأيام أيضاً. كانت تلك اللحظات تشكّل أول ملامح علاقتي بالذاكرة، لا كحدث يُقال، بل كحياة تُعاد في كل مرة وأنا أحاول أن أفهمها.

 

منذ طفولتي، أحمل هذه الذاكرة من عائلتي كما لو أنها جزء من تكويني الشخصي، كنت أستمع إلى قصص أجدادي الذين هُجّروا من مدينة ماردين، كبرتُ ولكن ومع كل يوم كان يزداد الحنين في قلبي لمدينة تسكنني ولم أزرها يوماً.

 

كانت ماردين حلماً من أحلامي. كنت أتخيل مشاهد تلك القوافل: وجوه متعبة، خطوات ثقيلة، وأرض تُترك للمرة الأخيرة نحو مصير مجهول. لم تكن القصص بالنسبة لي مجرد حكايات عائلية، بل مشاهد حاضرة في مخيلتي تتكرر بصمت داخلي. ومع كل رواية، كان يتشكل داخلي سؤال لم أجد له إجابة واضحة: كيف يمكن للإنسان أن يخسر كل شيء ويستمر؟

 

نجا أجدادي من بين العائلات القليلة من مصير الموت، وكان ذلك بفضل عائلة من الجاجان، حيث كانت تربطهم علاقة وشراكة طيبة بعائلة جدّي. وكان الفضل الأكبر لتلك السيدة الطيبة التي لم أعرف اسمها، وكان شقيقها شريكاً لعائلتي حينها، لكنه لم يُرزق بأولاد.

 

حينها، كانت القوافل تُساق من ماردين نحو رأس العين، في رحلة شاقة تجاوزت مئتي كيلومتر، واستمرت قرابة سبعة أيام وسط الجوع والعطش والخوف. وعند وصول القوافل إلى رأس العين، أُقيمت الخيام للعائلات المنهكة، بينما كان الجنود يطوفون يومياً بين الناس، يفتشون عن الذهب والممتلكات، وينتزعون ما تبقى بحوزتهم. وكانت العائلات تعيش ظروفاً قاسية إلى حد أنها تضطر للتخلي عن آخر ما تملك مقابل لقمة طعام أو جرعة ماء.

 

النجاة التي تحولت لاحقاً إلى عائلة وحياة كاملة: فرج خباز وزوجته عطية سلوك (جد وجدة الكاتب)

تمكنت عائلة جدي آنذاك من إخفاء "كمر" من الذهب، قُدّرت قيمته بنحو ثلاثمئة ليرة ذهبية. وعندما وصل أحد الجنود، سأل والد جدي (داؤود خباز) عمّا يملكون، فقال له: "هذا كمر الذهب". وفوراً عرف الجندي أنهم صيّاغ، وقال له: "يا صايغ، بكم تريد هذا الكمر؟"

 

فأجابه بأن الكمر يساوي ثلاثمئة ليرة ذهبية، لكنه مستعد أن يعطيه إياه مقابل ما يعادل قيمة مئة وخمسين ليرة ذهبية.

 

فقال له الجندي: "مالك ليس مالك… بل مالي"، ثم انتزع الكمر من والد جدي.

 

عندها، خفض والد جدي رأسه، وغرقت عيناه بالدموع. فسأله الجندي مستغرباً: "لماذا تبكي أيها الشايب؟"

 

فأجابه بصوت مثقل بالحسرة: "أبكي لأن أصلان بك لو كان حياً لما وصلنا إلى هذا الحال. كنا إخوة وشركاء في العمل منذ أيام ويران شاه وصاصون، ثم في ماردين. كنت شريكه وأمدّه بالمال… لكنه مات ولم يُخلّف".

 

وفي لحظة غير متوقعة، توقّف الجندي فجأة عندما سمع اسم أصلان بك. وعلى الفور رمى الكمر في وجه والد جدي، وعاد مسرعاً إلى والدته، وكانت من عائلة أصلان بك نفسها. أخبرها بما جرى، وروى لها قصة الشايب الذي قال إنه شريك أخيها الراحل.

 

فقالت لأبنها بلهجة حاسمة: "يا ابني، هذا خالك. وإن لم تُعِد بهم جميعاً إلى بيتنا فحليبي حرام عليك".

 

عاد الجندي على الفور مع عدد من المسلحين إلى المخيم، وطلب من عائلة جدي أن تستعد للرحيل. ظنت العائلة أن لحظة الموت قد حانت، وأنهم يُقتادون إلى مصير مجهول كما حدث مع كثيرين قبلهم. فاضت الدموع في عيون زوجة والد جدي وعمته، وشدّوا رحالهم وهم يسيرون خلف الجنود نحو نهاية اعتقدوها.

 

لكن الطريق انتهى أمام بيت شقيقة أصلان بك، وهناك طريق حياة جديدة بدأ.

 

وما إن رأت المرأة عائلتي حتى خرجت إلى الباب تطلق الزغاريد، تستقبلهم كأنهم عائدون من موت محقق إلى حياة جديدة. ثم قالت عبارتها التي بقيت تتردد في ذاكرة العائلة جيلاً بعد جيل: "أصلان مات ولم يُخلّف، لكن أخته خلّفت. هذا بيتكم، وستبقون فيه، ولو جاءت العثمانية كلها فلن تستطيع أن تأخذكم من هنا. أنا أختكم، وأولادي أولادكم… أصلان لم يمت، أصلان حي."

 

وهكذا خرجت عائلة أجدادي بمعجزة من مصير الموت المحتم، لتحتضنهم تلك السيدة في منزلها بمدينة رأس العين حتى هدوء الأحوال. وبعد مسيرة تنقل وهجرات، استقرت عائلتي في مدينة القامشلي السورية، وهناك بدأت من الصفر، تعمل وتؤسس وتعود لتحمل مهنة العائلة في صياغة الفضة والذهب، وتكتب قصة نجاة عائلة أرمنية من ماردين، حاملة معها إرث الحنين وذكريات الموطن الأول.

 

في إحدى المرات قررت عائلتي زيارة ماردين. لم تكن الرحلة عادية بالنسبة لي، بل محاولة للبحث عن أثر ملموس لكل ما سمعته، وتحقيق أجمل حلم لدي. هناك، بين حجارة مدينة ماردين القديمة وهوائها النقي، حاولت إيجاد عنوان منزل عائلة جدّي، وهذا بالفعل ما حصل. وجدت العنوان، لكننا لم نتمكن من الوصول إلى مكان البيت بسبب حجج تذرع بها أهل المنطقة، وبدت المسافة بيني وبين المكان أكبر من مجرد خطوات.

من هنا ارتفعت الصلوات قبل أن تبدأ مسيرة القوافل، كنيسة القديس يوسف للأرمن الكاثوليك - ماردين فيها رفع القديس مالويان الصلوات،

عدت إلى القامشلي وأنا أحمل شعوراً ثقيلاً، كأن الذاكرة أقرب ما تكون حين تبقى بعيدة. لكن مع ذلك تجدد الحلم لدي بزيارة ثانية، وكأن الأحلام بعد تحققها لا تنتهي، بل تتشكل من جديد.

 

في القامشلي استمرت الحياة، لكن الذاكرة بقيت حاضرة. ومع مرور السنوات، لم تعد تقتصر على الألم فقط. ففي ذكرى 24 نيسان العام الماضي، كان المشهد مختلفاً بالنسبة لي: لم يكن الأرمن وحدهم في إحياء الذكرى، بل حضر العرب والأكراد واليزيديون وكل مكونات المدينة تقريباً. وقفوا معاً، وضعوا الورود، وساروا في مسيرة شموع واحدة. كان المشهد بسيطاً، لكنه عميق في معناه، كأن المدينة كلها تقول إن الذاكرة يمكن أن تُحمل بشكل جماعي، وإن الإنسان يعزي أخاه الإنسان ويبلسم جراح الماضي بصيغة العيش المشترك.

 

في القامشلي كانت حياتنا مشتركة، تتميز بلحظات العمل والحياة العامة مع الأكراد والعرب. ارتبطنا بهم بصداقات قوية، وكانوا حاضرين في أفراحنا وأحزاننا، وجمعتنا بهم أيضاً شراكات في العمل، وبمحبة يومية صنعت تفاصيل أيامنا.

 

لكن في بدايات حياتي، ربما لم تكن علاقتي بالعيش مع الآخر سهلة تماماً، إذ كان في داخلي شيء من التردد تجاه هذا التنوع الواسع من حولي، غير أن هذا الإحساس بدأ يتغير تدريجياً مع السنوات، من خلال التجارب التي قادتني إليها الصحافة والحوارات التي جمعتني مع زملاء من خلفيات مختلفة. هناك، وسط قصص الناس وصداقاتهم، وجدت نفسي أعيد النظر في كثير من المسلّمات التي كبرتُ معها، لأرى التنوع من زاوية أكثر اتساعاً وإنسانية.

 

وهكذا، شيئاً فشيئاً، خرجت من دائرتي الصغيرة. لم تختفِ الأسئلة القديمة عندي تماماً، ولم تُمحَ الذاكرة، لكنها أصبحت أقل قسوة وأكثر قابلية للفهم. صرت أرى في قصص الآخرين امتداداً لقصتي، لا تناقضاً معها.

 

بين ماردين التي بقيت أبوابها مغلقة، وقصة المرأة الجاجانية التي فتحت باب النجاة لنا، تتشكل حكايتي. حكاية تحاول أن توازن بين جراح الماضي وإمكانيات الحاضر.

حين تنتقل الحكاية من جيل إلى آخر: هاكوب وجاد، ابنا أخ الكاتب

في صباح 24 نيسان هذا العام، وقفتُ أمام نصب شهداء الإبادة الأرمنية أحمل قصتي كإنسان أرمني وسوري في آن واحد، أبن عائلة أرمنية كاثوليكية ناجية. أودع في قلبي ذكريات أجدادي وأنا أضع إكليل الزهور حيث ترقد عظام شهدائنا.

 

هناك، صليت وأنا أستحضر كل ما مرّ به أجدادي من محطات الألم، وفي الوقت نفسه استعدت نعمة الحياة التي أعيشها اليوم، والتي وُلدت من محبة تلك السيدة لعائلتي ووفائها الإنساني.

 

وبين هذا كله، أحمل اليوم من ماردين إلى القامشلي قصة نجاة عائلتي، التي بقيت ممكنة بفضل الآخر. أصلي أمام النصب التذكاري الذي بالكاد يظهر والورود تغرقه، فيما تملأ أصوات عزف فريق الكشافة المكان وترتفع الصلوات بالأرمنية.

 

أقف وأنا أفكر وكأنني على درب مسير القوافل المنطلقة من ماردين، وأكتب وأحلم أن تجد كلماتي هذه طريقها نحو أبناء تلك السيدة لأبادلهم الامتنان، وتكتمل فصول قصة حياة بلقاء ولو خيالي.

 

ولكي تبقى هذه القصة ذكرى حيّة وأمانة كما حفظتها، أودعها اليوم لأولاد أخي الكبير "هاكوب" و"جاد" ليكملا بدورهما فصول القصة.

 

وربما حينها أكون بعد في رحلتي قد وجدت أيضاً جواباً لسؤالي القديم:

 

كيف يمكن للإنسان أن يخسر كل شيء… ويستمر بالحياة؟