موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تعكس هذه العبارة رؤية أخلاقية-قانونية عميقة، مفادها أن القانون (ius) لا يُختزل في كونه منظومة من القواعد المجردة، بل يكتسب الحياة والمعنى الحقيقيين عندما يُستلهَم بالمحبة (بمعناها الإنساني والرحيم) ويُنظَّم وفقاً للعدالة (بمعاييرها الأخلاقية والإنسانية. فالقانون لا يكون حيًّا وأصيلًا إلا إذا كان موجَّهًا بالمحبة ومنظَّمًا بالعدالة. أما إذا افتقر إلى هذين الركنين، فإنه يتهدد بأن يصبح جافًّا، تعسفيًّا، أو حتى قمعيًّا.
تتلاقى هذه الرؤية مع فكر فلاسفة ولاهوتيين أمثال القديس توما الأكويني، الذي اعتبر أن القانون ليس مجرد قاعدة، بل هو تعبير عن الناموس الأخلاقي الطبيعي، المرتكز على العقل والمحبة الإلهية. فالقانون، في هذا التصور، لا يُستمد شرعيته من السلطة فحسب، بل من توافقه مع الخير العام، والرحمة، والعدالة المتجذّرة في الطبيعة البشرية. وقد شدّد توما الأكويني على أن القانون البشري يجب أن ينبثق من القانون الطبيعي، الذي يستند بدوره إلى العقل والمحبة.
وبالتالي، فإن القانون لا "يحيا" إذا كان مجرد أداة قسرية أو تقنية، بل يحيا حينما يُستلهَم بالمحبة ويُبنى على العدالة. هذه الرؤية تتعارض مع النزعة الوضعية التي ترى أن القانون صالح فقط لأنه صادر عن سلطة، وتؤكد أن شرعية القانون تتوقف على عدالته وإنسانيته. في اللاهوت المسيحي، تُعد المحبة(caritas) أسمى أشكال الحب، وهي تعكس محبة الله للإنسان ومحبة الإنسان لله وللقريب. وعندما يُقال إن القانون "مُفعم بالمحبة"، يُقصد بذلك أنه يجب أن يتحرك بدافع الرحمة، والمغفرة، واحترام الكرامة الإنسانية. أما "العدالة المُنظَّمة"، فتعني أن القوانين يجب أن تكون عادلة، متناسبة، وموجَّهة نحو الخير العام. وبهذا المعنى، تُعد العبارة تلخيصًا لجوهر التعليم الاجتماعي المسيحي، حيث يُنظر إلى القانون لا كمجرد أداة تنظيم، بل كوسيلة لتحقيق العدالة الإلهية في العالم.
في عالمٍ مثقلٍ بالجراح، حيث تتقاطع المعاناة اليومية مع صرخات الرجاء، نرفع صوتًا كنسيًا يؤمن بأن القانون لا يُختزل في نصوص جامدة، بل يحيا حين يُستلهَم بالمحبة ويُنظَّم بالعدالة. في سوريا، حيث الأزمات الاقتصادية والنزوح والانقسامات تُهدّد كرامة الإنسان، نُعيد التأكيد على أن القانون الدولة، حين يُنطق بلغة الرحمة ويُصاغ بروح الإنصاف، يصبح أداة شفاء لا عبئًا إضافيًا. إنَّ الدولة، حين تُمارس سلطتها بروح الخدمة، وحين تُطبّق قوانينها كعلامات رجاء، تُجسّد فعلًا أن القانون يمكن أن يحيا، ويُحيي، ويُقدّس. لهذا، فإن عبارة«Cum caritate animato et iustitia ordinato, ius vivit» ليست مجرد تأمل لاهوتي-فلسفي، بل هي دعوة عملية لكل راعٍ، ولكل مسؤول، ولكل مؤمن، لكي يجعل من القانوني فعل محبة وعدالة، في خدمة الإنسان، وفي خدمة الله.
إن هذه الرؤية لا تقتصر على التنظير، بل تُلزمنا بمراجعة كل إجراء إداري، وكل خطاب، على ضوء المحبة والعدالة. فحين يُستدعى القانون لحسم نزاع، أو لتنظيم حياة جماعة، يجب أن يُصاغ بلغة تُنصت إلى الجراح، وتُراعي السياقات، وتُحافظ على الكرامة. لا يكفي أن يكون القانون صحيحًا من الناحية الشكلية، بل يجب أن يكون عادلًا في جوهره، رحيمًا في تطبيقه، ومُلهِمًا في أثره. في أرضٍ كأرضنا، حيث الألم ليس نظرية بل واقع يومي، يصبح القانون دعوة إلى بناء جسور، لا إلى ترسيخ الحواجز. يصبح وسيلة لتجديد الثقة بين المسؤولين والمؤمنين، بين المؤسسات والأشخاص، بين النصوص والقلوب. إننا لا نطلب قانونًا مثاليًا، بل قانونًا حيًّا، قادرًا على أن يُصغي، ويُرافق، ويُصلح، ويُحيي. قانونًا يُجسّد وجه الكنيسة الأم، لا الكنيسة القاضية.
حين نقول إن "القانون يحيا حين يُستلهَم بالمحبة ويُنظَّم بالعدالة"، فإننا نُعلن أن الطاعة الحقيقية لا تُبنى على الخوف، بل على الثقة. لا تُمارَس في الفراغ، بل في إطار قانون حيّ، يُنظّم العلاقات، ويُحفظ الكرامات، ويُرشد المسارات، دون أن يُطفئ الحرية أو يُهمّش الضمير. وهكذا، فإن الطاعة ليست تنازلًا عن الكرامة، بل تعبير عنها. ليست انكسارًا أمام السلطة، بل انفتاحًا على الشركة. وكلما كان القانون حيًّا، كان الطريق إلى الطاعة أكثر نورًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قداسة.
فبوسعنا أن نقول: "أؤمن بقانون لا يعاقب، بل يحمي. لا يهيمن، بل يخدم. لا يُفرّق، بل يوحّد. فبالمحبة والعدالة وحدهما، يحيا القانون حقًا." أؤمن بقانونٍ حيّ. ليس قانونًا مكوّنًا من مواد ونصوص فحسب، بل قانونًا مُفعمًا بالمحبة، ومنظّمًا بالعدالة. المحبة قوة تستقبل، وتصغي، وتُمدّ اليد لمن سقط. هي القلب النابض خلف كل تشريع يرمي إلى الحماية لا العقوبة. العدالة هي توازن، واحترام، وكرامة. هي الصوت الذي يقول: "كل إنسان له قيمة. كل حياة تستحق الاحترام." وحينما يُقاد القانون بهذين النورين — المحبة والعدالة — لا يعود مجرد نظام. بل يصبح رجاءً يسير بيننا. أنا أريد أن أكون جزءًا من ذلك القانون الحي. قانون لا يُفرّق، بل يُوحّد. لا يهيمن، بل يخدم. لا ينسى، بل يتذكّر.
المحبة ليست ترفًا روحيًا، بل ضرورة رعوية، إنها القوة التي تدفع الدولة إلى الإصغاء، إلى احتضان الجراح، إلى الدفاع عن الضعفاء، والعدالة ليست مجرد توازن قانوني، بل التزام أخلاقي بأن كل قرار وكل إجراء وكل نص يجب أن يُكرّس كرامة الإنسان ويخدم الخير العام. إننا نؤمن أن القانون، حين يُفعَّل بهذه الروح، لا يُقسّم بل يُوحّد، لا يُعاقب بل يُرشد، لا يُهيمن بل يخدم، وحين تلتقي المحبة بالعدالة، يصبح القانون فعلًا رعويًا حيًّا يُعيد بناء الثقة ويُجسّد الرجاء ويُعلن أن الدولة، حتى في زمن الانهيار، لا تزال بيتًا للرحمة والحق. لأن القانون الذي لا ينبض بالمحبة ولا يُنظَّم بالعدالة، يفقد روحه ويصبح أداة صمّاء لا تُنصف ولا تُعالج. أما القانون الذي يستمد حياته من الرحمة ويستند إلى الإنصاف، فإنه يتحول إلى خدمة راعية، وإلى صوتٍ للذين لا صوت لهم، وإلى ملجأٍ للذين ضاقت بهم السبل.
في واقعنا، حيث تتشابك التحديات الإنسانية مع الأزمات الاجتماعية، نحن مدعوون إلى إعادة اكتشاف القانون كمسارٍ للسلام والخير، لا كعبءٍ إداري. فكل إجراء مدنيّ، من تعيين إلى انتقال، من توجيه إلى مساءلة، يجب أن يُقرأ بعين المحبة ويُنفَّذ بروح العدالة، لكي لا يُصبح القانون أداة فصل، بل جسرًا نحو الوحدة.