موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٧ يوليو / تموز ٢٠٢٦
أساقفة فرنسا ينددون بتشريع المساعدة على الموت: منعطف خطير في تاريخ البلاد

أبونا :

 

البرلمان الفرنسي يقرّ قانون «المساعدة على الموت». ففي تصويت وصف بأنه محطة مفصلية، أقرّت الجمعية الوطنية الفرنسية في 15 تموز قانونًا يشرّع «المساعدة على الموت»، بما يشمل القتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير في حالات معينة.

 

وأعرب رئيس مجلس أساقفة فرنسا، الكاردينال جان مارك أفلين، رئيس أساقفة مرسيليا، عن أسفه لأن «أعضاء البرلمان أدرجوا في القانون الفرنسي إمكانية التسبب بالموت». وقال نيابة عن الأساقفة: «إن هذا الخيار يقطع مع التقليد الطويل للرعاية التي تهدف إلى تخفيف المعاناة ومرافقة كل إنسان حتى النهاية الطبيعية لحياته».

 

ودعا البيان، الذي وقّعه أيضًا نائبا رئيس المجلس، المؤسسات الصحية الكاثوليكية إلى «الامتناع عن أي سلوك يتعارض بوضوح مع الأخلاق، بما ينسجم مع كرامة كل حياة بشرية». ورأوا أن «15 تموز 2026 يشكل منعطفًا خطيرًا في تاريخ بلادنا».

 

 

الجمعية الوطنية تشرّع القتل الرحيم في فرنسا

 

يمثل هذا التصويت المرة الرابعة منذ أيار 2025 التي يصوّت فيها نواب الجمعية الوطنية لصالح مشروع قانون يشرّع «المساعدة على الموت». وكان مجلس الشيوخ قد رفض المشروع بأغلبية كبيرة في ثلاث مناسبات، كما انخفضت نسبة النواب المؤيدين له مقارنة بالتصويت الأول، إلا أن هذا التراجع لم يكن كافيًا لمنع إقراره.

 

وفي تصويت 15 تموز، أيد المشروع 291 نائبًا، مقابل 241 نائبًا عارضوه، فيما تغيب 29 نائبًا عن الجلسة.

 

ويجيز القانون «المساعدة على الموت»، ويتيح في بعض الحالات للطبيب أو الممرض أن يقوم بنفسه بإعطاء المادة القاتلة، ما يجعل القتل الرحيم قانونيًا في فرنسا. ولا يزال القانون بانتظار مراجعة المجلس الدستوري الفرنسي قبل دخوله حيّز التنفيذ.

 

 

الرئيس ماكرون يرحّب

 

رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحرارة بتصويت الجمعية الوطنية، الذي اعتُبر نهائيًا، وذلك في منشور عبر منصة «إكس» عقب التصويت مباشرة. وكان ماكرون قد أعلن دعمه لهذا القانون بصورة علنية، ووعد شخصيًا بتشريع القتل الرحيم قبل انتهاء ولايته الرئاسية الثانية.

 

وقال في 15 تموز: «في عام 2022 التزمت بأن أمهّد هذا الطريق مع الشعب الفرنسي... وقد أوفيت بهذا الالتزام». في المقابل، أعرب الأساقفة عن أسفهم لأن الرئيس «انحاز بصورة أحادية إلى قرار الجمعية الوطنية»، رغم الجدل الواسع الذي أثاره مشروع القانون.

 

وقالوا: «لقد أعلن رئيس الجمهورية عن نقاش هادئ ومستنير ومحترم، لكن من الواضح أن اعتبارات سياسية وأيديولوجية، وربما اقتصادية أيضًا، متخفية وراء خطاب مضلل، قد أحبطت هذا الطموح». وأضافوا: «إن قضية بهذه الأهمية بالنسبة إلى عقدنا الاجتماعي كانت تستحق دراسة كاملة للنتائج الإنسانية والطبية والأخلاقية والاجتماعية المترتبة على القتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير».

 

 

تحذير من تداعيات أخلاقية واجتماعية

 

يرى الأساقفة أن أحد أخطر جوانب القانون يتمثل في أن مبدأ اعتبار الموت استجابةً طبية للمعاناة أصبح الآن جزءًا من الإرث التشريعي للبلاد، ما قد يؤدي لاحقًا إلى اعتبار اختيار الموت حقًا يمكن توسيع نطاقه ليشمل فئات أخرى.

 

وأشاروا إلى أن «التجارب في دول أخرى تُظهر أن معايير الحصول على المساعدة على الموت تتوسع دائمًا، على حساب الرعاية التلطيفية». وأضافوا أن «آثار مثل هذا التشريع لم تتضح بالكامل بعد، لكنها بدأت بالفعل في الظهور».

 

وقالوا: «ستتغير نظرتنا إلى الهشاشة والشيخوخة والإعاقة والمرض».

 

وحذر الأساقفة من أن «الأشخاص الأكثر فقرًا قد يكونون أول من يدفع الثمن، إذ قد يشعر المسنون الذين يعيشون أوضاعًا هشة بأنهم يشكلون عبئًا على أبنائهم أو أحفادهم، فيتعرضون لضغوط تدفعهم إلى اختيار الموت».

 

 

المؤسسات الصحية الكاثوليكية قد تواجه تحديات قانونية

 

أوضح الأساقفة أن أكثر ما يثير قلقهم في الوقت الراهن هو أن مرافق الرعاية، وفي مقدمتها المؤسسات الكاثوليكية، قد تواجه إجراءات قانونية إذا رفضت السماح بإجراء عمليات القتل الرحيم أو الانتحار بمساعدة الغير داخل منشآتها، في حال دخل القانون حيّز التنفيذ.

 

وبحسب الصيغة الحالية للقانون، سيكون مدير المؤسسة أو القسم ملزمًا بالسماح لممارسين من خارج المؤسسة بالدخول لإجراء هذه العمليات. ولهذا أعلن الأساقفة أنهم «سيراقبون عن كثب الطعون المقدمة إلى المجلس الدستوري»، والتي أُعلن عنها قبل التصويت.

 

 

المجلس الدستوري الفرنسي يراجع القانون

 

في 14 تموز، وبينما كانت فرنسا تحتفل بيوم الباستيل –أكبر أعيادها الوطنية- فاجأ رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو كثيرين بإعلان نيته تقديم طلب إلى المجلس الدستوري لعرض نص هذا القانون –الذي يعارضه شخصيًا- للمراجعة. وبرر هذه الخطوة الأخيرة بعدم التوصل إلى توافق بين غرفتي البرلمان، الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.

 

وكان رئيس مجلس الشيوخ، جيرار لارشيه، قد أعلن قبل أيام عزمه اتخاذ الخطوة نفسها. ويستطيع المجلس الدستوري أن يوافق على القانون بالكامل، أو يبطل بعض مواده، أو يصدر تحفظات تفسيرية قبل أن يصدره الرئيس ماكرون رسميًا.

 

وسيركز الطعن الذي قدمه رئيس الوزراء بصورة خاصة على غياب بند يضمن حق المؤسسات الصحية في الاعتراض الضميري، بحيث تتمكن دور الرعاية الكاثوليكية من رفض تقديم خدمات «المساعدة على الموت» داخل منشآتها.

 

وفي انتظار قرار المجلس الدستوري، جدّد أساقفة فرنسا دعوتهم إلى الكاثوليك في البلاد «ليشهدوا بأن طريقًا آخر ممكن، طريق يقوم على الحضور الأمين والرعاية اليقظة التي تخفف الألم الجسدي والنفسي، من دون التخلي عن أي إنسان».