موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنّ السلطة المعنوية التي يتحدث بها الكاردينال إرنست سيموني اليوم، دُفع ثمنها باهظًا.
فقد اعتُقل عشية عيد الميلاد عام 1963، بعدما احتفل بقداس لراحة نفس الرئيس الأميركي المغتال جون ف. كينيدي. وحكم عليه النظام الشيوعي في ألبانيا بالإعدام لمجرد ممارسته خدمته الكهنوتية، قبل أن يُخفف الحكم، ليمضي بعدها 18 عامًا في السجن.
وخلال سنوات سجنه، تعرّض للتعذيب وعانى ظروفًا قاسية، لكنه واصل منح الأسرار المقدسة سرًا، ورفض كل المحاولات الرامية إلى إجباره على إنكار إيمانه أو الوشاية بالكنيسة، في بلد أصبح عام 1967 أول «دولة ملحدة» في العالم. وبعد إطلاق سراحه عام 1981، ظل يُعدّ «عدوًا للشعب»، وأُجبر على العمل في المناجم وشبكات الصرف الصحي، غير أنه استمر في ممارسة خدمته الكهنوتية سرًا حتى سقوط النظام الشيوعي عام 1990.
وقد رفعه البابا فرنسيس، الذي وصف الكاردينال سيموني بأنه «شهيد حي»، إلى رتبة الكاردينالية قبل عشرة أعوام في تشرين الثاني المقبل.
في هذه المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «ريجيستر» في روما يوم 28 حزيران، عقب الكونسيستوار الثاني للكرادلة الذي عقده البابا لاون الرابع عشر، يتوجّه الكاردينال الألباني، البالغ من العمر 97 عامًا، إلى الذين يتعرضون اليوم للاضطهاد بسبب إيمانهم. وانطلاقًا من الكتاب المقدس ومن خبرته الشخصية في زنازين السجون ومعسكرات العمل، يؤكد أن الأمانة للمسيح، وحفظ الوصايا، والمشاركة في الأسرار المقدسة، ليست مفاهيم تقوية مجردة، بل هي الطريق الحقيقي الذي يمكّن المؤمنين من الصمود أمام هجمات الأيديولوجيات والأنظمة المعادية للإنجيل.
وبصفته شخصًا لم يستسلم يومًا للكراهية تجاه مضطهديه، بل احتفل بالقداس من أجلهم، يحثّ المسيحيين على الجمع بين الصلاة والتوبة والغفران ومحبة الأعداء، وعلى النظر إلى الألم من أجل يسوع بوصفه مشاركة سرّية في فرح القيامة. كما قدّم نصائح رعوية إلى الشباب.
صاحب النيافة، ما النصيحة التي تقدمونها إلى الذين يتعرضون اليوم للاضطهاد من أجل يسوع، ويُضطهدون بسبب الكراهية للإيمان، كما حدث معكم، ولا سيما في الشرق الأوسط وبلدان أخرى؟
نحن اليوم عشية عيد القديسين بطرس وبولس، الرسولين اللذين أوكل إليهما يسوع تأسيس الكنيسة، هذه المؤسسة العالمية الممتدة عبر جميع العصور. يسأل يسوع التلاميذ: «من ابن الإنسان في قول الناس؟». فأجابوا: «بعضهم يقول يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وغيرهم إرميا أو أحد الأنبياء». فسألهم يسوع: «ومن أنا في قولكم أنتم؟». فأجاب سمعان بطرس: «أنت المسيح، ابن الله الحي»، ذاك الذي له سلطان السماء والأرض، والذي جاء ليخلّص جميع الشعوب في كل الأزمنة، إلى أن يأتي يسوع ثانية إلى العالم ليدين الأحياء والأموات.
لذلك، اثبتوا. إن حفظ الوصايا العشر يعني المشاركة في القداس الإلهي، وتقديس الزواج، ورفض جميع أشكال السلوك غير الأخلاقي. وكما يقول القديس بولس، عيشوا حياة مقدسة على مثال يسوع. فالذين هم للمسيح قد صلبوا أجسادهم وأهواءهم وشهواتهم. وهنا، في الاتحاد بيسوع وبالنعمة الإلهية، نتغلب على جميع التجارب والإغراءات التي يستخدمها الشيطان لتدمير المجتمع والكنيسة الكاثوليكية. قاوموا بالصلاة والتوبة والصوم.
إن ملكوت الله في داخلنا. وكل عمل نقوم به فليكن من أجل محبة يسوع، وكل فعل غفران فليكن تجاه أعدائنا. أحبوا أعداءكم، وصلّوا من أجل أصدقائكم، لأن يسوع يقول إن الفرح اللامتناهي لا يمكن أن يدخل قلب الإنسان إلا إذا «اتبعتموني واتّبعتم تعاليمي»، وحينئذ سيعهد بكم «إلى عناية أبي الذي في السماوات». وهذا ليس وعدًا صادرًا عن كاهن أو صنم، بل هو وعد يسوعي، المملوء محبة، الراعي الصالح، الذي يمتلك قوة القيامة، كما يقول القديس بولس.
فلولا القيامة، لكان الإيمان جميلًا، لكنه بلا جدوى. لقد دمّر يسوع الموت، ومنحنا القيامة، ولذلك لا يموت أحد موتًا حقيقيًا. فالجسد يتغير، والروح الخالدة غير المادية تغادر بحسب الأعمال التي قمنا بها. لذلك نحتاج إلى المثابرة والرجاء والصلاة والغفران ونكران الذات وتلاوة المسبحة الوردية للعذراء مريم الطوباوية، لكي ننال النعمة الإلهية ونعرف الحقيقة. فنحن عابرون، ومع يسوع يصبح كل شيء جميلًا، لأنه قال: «بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا». الجميع جسد، والجسد يتحلل في التراب، أما الروح الخالدة فستحيا إلى الأبد، لأن يسوع هو القوة التي تهزم الموت، وهو واهب الحياة والسعادة الحقيقية.
ما النصيحة التي تقدمونها إلى عامة الناس الذين قد يعانون كثيرًا في هذه الأيام؟
كما يقول يسوع: أنتم الذين بلا مأوى، وبلا مال، وبلا قميص ترتدونه، وبلا أحذية، وبلا أي شيء، تعالوا إليّ. تعالوا جميعًا إليّ كالأطفال، تعالوا إليّ الآن، وأنا أرفعكم إلى الفرح اللامتناهي، إلى الفردوس. لكن اطلبوا البر، برّ الرب ومجده، فتنالوا كل خير.
يقول لنا يسوع، ويقول الكتاب المقدس: «صلّوا بلا انقطاع». فهو لا يقول: «صلّوا ساعة أو ساعتين». وهذا يعني أنه في أثناء العمل، وأداء الواجبات، والوفاء بالالتزامات، وفي كل شيء، لا تنسوا الصلاة أبدًا، لأن الصلاة هي النجمة التي تضيء وتقودنا إلى يسوع، برفقة العذراء مريم الطوباوية.
وعندما يضطهدونكم، ويجعلونكم تتألمون، ويلقون بكم في السجن، افرحوا، لأن العالم والأمور المادية والخطأة، يا لشقاء نفوسهم، يريدون أمورًا كهذه. لكنكم قد غلبتم العالم، ولديكم الرجاء، لأن كل هذا سيزول. أما الآلام الرهيبة التي تُفرض عليكم، فسيزيلها العالم، ويبقى لكم النور والسعادة اللذان يعجز أي إنسان عن وصفهما. هناك رجاء لكل الذين يتألمون اليوم من أجل يسوع. فالألم من أجل يسوع هو فرح لا متناهٍ ينتظرنا جميعًا.
ما الذي منحكم القوة على الثبات خلال اضطهادكم؟
النعمة الإلهية والعون الإلهي. عندما واجه أول الشهداء، القديس إسطفانوس، الاستشهاد مقتديًا بيسوع، وكانت الحجارة تُرمى على رأسه وجسده مغطى بالدماء، قال لأعدائه: «إني أرى السماوات مفتوحة، ويسوع قائمًا عن يمين الآب، الذي منحني وعد الفرح اللامتناهي». وهذا هو مصير جميع الأمناء ليسوع الذين يواجهون محنة حقيقية.
صاحب النيافة، قلتم ذات مرة إنكم لم تستخدموا أبدًا كلمات تنطوي على الكراهية تجاه مضطهديكم. هل يمكنكم أن تحدثونا أكثر عن ذلك؟
لم أكرههم، بل احتفلت بالقداس من أجل خلاصهم حتى عندما كانوا لا يزالون على قيد الحياة. إن السماء وكل شيء سيزول، وكذلك كل جمال هذا العالم، وثرواته، وأفراحه، وأباطرته، وعظماؤه وأقوياؤه، وأصحاب المليارات وذوو النفوذ. نحن جسد يموت على الأرض، أما الروح فهي خالدة وغير مادية. [...] وفوق كل شيء، هناك الأم القديسة، العذراء مريم، التي لا تدين كالأم، بل تتشفع في كل لحظة من أجل خلاص العالم كله وجميع شعوبه.
إذًا، الغفران مهم جدًا أيضًا؟
أن نغفر ونصلّي. أحبوا أعداءكم، وصلّوا من أجل أعدائكم.
ما النصيحة التي تقدمونها إلى شباب اليوم، ولا سيما أن كثيرين منهم يشعرون بفقدان الرجاء؟
أقول إلى شباب اليوم، وإلى كثيرين من الموجودين داخل الكنيسة، إن عليهم أن يجسدوا يسوع الحي. فهو ليس شخصية من نسج التاريخ ولا أسطورة. وعليهم أن يسألوا أنفسهم، كما سأل الشاب يسوع: «ماذا يجب أن أفعل لأرث الحياة الأبدية؟».
قال يسوع: «إن حفظتم وصاياي وأطعتم تعليمي تثبتون في محبتي». وحفظ الوصايا يعني تقديس الزواج ورفض المساكنة وكل الخطايا المماثلة رفضًا تامًا. يجب أن يحتل يسوع المرتبة الأولى، كالشمس في الأفق التي تشرق وتنير العالم كله. إن الأمم ستزول بسبب افتقارها إلى المحبة، لأنها لا تحب كما يحب هو. وإذا غاب يسوع، سيقع العالم تحت مخالب الشيطان، ولا أحد يعرف، إن لم يتب الناس، إلى أين سيمضي العالم وكيف ستكون نهايته.
لذلك يجب أن يكون الشباب أول حاملي الراية، يحملون راية يسوع في بيوتهم، وفي الصلاة، ونكران الذات، والقداس الإلهي، ومحبة والديهم، وينشرون يسوع الحي ومحبته اللامتناهية بحسن نية، من خلال محبة الجميع: المسلمين والملحدين وكل إنسان. علينا الآن أن نرافق الجميع. لا أجد كلمات أخرى أصف بها ذلك، لكنني أشعر بقوة الحصن المضيء الذي بناه يسوع، ولا يزال يبنيه كل يوم لخلاص البشرية جمعاء، من خلال القداس الإلهي ومريم.
ما أبرز مخاوفكم بشأن الكنيسة المعاصرة؟
إنه سؤال جدي. قال لنا يسوع: «أنتم نور العالم». ونحن، رغم كوننا خطأة، ملح الأرض، لكن كم واحدًا منا هو حقًا نور يسوع؟ وكم واحدًا منا مستعد للتألم من أجل إعلان الإنجيل، وملتزم بإعلان إنجيل يسوع، قوة المحبة اللامتناهية التي تخلّص البشرية كلها؟
نحن الكهنة نعيش فقط لكي نعلن يسوع، ونخلّص النفوس بنعمته، ونكون قريبين من جميع الفقراء، ونساعد الشباب جميعًا على الابتعاد عن الانحلال والسلوك غير الأخلاقي. وكما يقول القديس بولس، فالذين هم للمسيح قد صلبوا أجسادهم ويتبعون شريعة الأخلاق والعفة. إن العفة هي جبل الانتصار المؤدي إلى الفردوس، أما من دون العفة فهناك الجحيم.
يكافئ يسوع كل همومنا وآلامنا وصلواتنا مكافأة لا حد لها، إذا بقينا قريبين منه. [...] يقول القديس بولس: «فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ». وسيكون المسيح فينا أيضًا إذا مجّدنا يسوع بأعمالنا، وأفعال التعويض، والتوبة، والقداس الإلهي، وبالامتناع عن جميع أشكال الفجور الجنسي والمخدرات، وعن كل هذه الأمور حقًا. أحبوا والديكم فوق كل شيء، بعد محبتكم لله. اصنعوا مشيئة الرب، وكونوا مصدر تعزية لآبائكم وأمهاتكم ولجميع الأبناء. اطرحوا الأسئلة، واطلبوا النصيحة، وامنحوا المحبة، وأقوى صورها محبة الأب والأم.
ما رأيكم في الكونسيستوار؟ وهل كان مفيدًا؟ وهل تمكّنتم من خلاله من مساندة قداسة البابا؟
بالتأكيد. فمنذ العام الذي رُسمت فيه كاهنًا، وكنت عضوًا متواضعًا في الكنيسة، وأنا أقول إن على جميع الكرادلة أن يكونوا متحدين بيسوع من خلال الأب الأقدس، وأن يساعدوه بأقوالهم وأعمالهم وصلواتهم وتمسكهم بالعدل، لأنه ممثل يسوع الحي في العالم. وعليهم أن يقوّوه كلما تحدث دفاعًا عن الإيمان. فلنتحد جميعًا من خلال الصلاة والإماتة والقداس الإلهي والمحبة والعفة، وعندئذ ترافقنا الملائكة في أعمالنا اليومية، ونكون سعداء برفقتها.