موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١ أغسطس / آب ٢٠٢٦
الأخت يوديتا تشاكوفا: خدمة الله والناس وسط الحرب والمعاناة

أبونا :

 

منذ 33 عامًا، تنتمي الأخت يوديتا تشاكوفا إلى جمعية بنات المحبة للقديس منصور دي بول. وهي ممرضة متخصصة، خدمت في أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك مخيمات اللاجئين ومناطق النزاعات، قبل أن تصل إلى العاصمة السورية دمشق.

 

وتستذكر الراهبة موقفًا بقي راسخًا في ذاكرتها. فعندما كان الناس يسألون: «من هي هذه المرأة التي تساعدنا؟»، كان المترجم يجيب ببساطة: «إنها امرأة تحب الله والناس». وتقول إن هذه الكلمات رافقتها منذ ذلك الحين.

 

وتوضح أن قرارها التطوع في الرسالات الإنسانية جاء بعد قراءة مقال أثّر فيها بعمق. وتقول: «تأثرت بالفقر المدقع الذي كان يعيشه أشخاص فرّوا من الحرب والعنف من دون أن يحملوا معهم شيئًا، وكانوا بحاجة حتى إلى أبسط أشكال المساعدة».

 

واليوم، أخذت رسالتها شكلًا مختلفًا. وتقول: «تقع على عاتقي مسؤولية إدارة المستشفى بطريقة تضمن استدامته ماليًا، مع البقاء أوفياء لرسالتنا في خدمة الفقراء». ويُعرف المستشفى في دمشق باسم «المستشفى الفرنسي»، وهو تابع لجمعية بنات المحبة للقديس منصور دي بول. وبينما تتولى الراهبات إدارته، يعمل فيه موظفون من خلفيات دينية مختلفة.

 

 

بداية مليئة بالتحديات

 

عندما وصلت الأخت يوديتا إلى سوريا، لم تكن تتحدث العربية، واضطرت إلى التأقلم مع نظام صحي مختلف تمامًا. وتقول مبتسمة: «كنت أعرف قليلًا من الفرنسية والإنجليزية، لكن جميع اللغات اختلطت في رأسي».

 

ومع مرور الوقت، وجدت وسائل للتواصل، واستقرت في عملها داخل غرفة العمليات، مضيفة: «كنت أستمتع خصوصًا بالمشاركة في العمليات القيصرية، لأن الإجراءات كانت مطابقة لما اعتدت عليه». كما وجدت دعمًا كبيرًا من طبيبين درسا في روسيا، إذ تقول: «كان ذلك عونًا كبيرًا، فقد كنت أطرح عليهما الأسئلة، وكانا يشرحان لي كل شيء بصبر».

 

ويضم المستشفى اليوم 108 أسرّة، ويعمل فيه نحو 250 موظفًا، بالتعاون مع حوالى 130 طبيبًا.

 

وتوضح: «مسؤوليتي هي أن أضمن دفع رواتب الموظفين بانتظام، وأن أوفّر لهم ظروف عمل جيدة».

 

غير أن الحفاظ على الاستقرار المالي يشكل تحديًا دائمًا، مع التمسك برسالة المستشفى. وتقول: «لا يمكننا أن نخدم الفقراء فقط، لأننا لا نملك جهة تستطيع تمويل جميع نفقات علاجهم. لذلك نستقبل أيضًا المرضى القادرين على الدفع، مما يتيح لنا مواصلة علاج غير القادرين».

 

ويتعاون المستشفى بشكل وثيق مع كاريتاس وعدد من المؤسسات الخيرية في سوريا، والمدعومة من مانحين دوليين. كما استفاد خلال السنوات الماضية من مبادرة «المستشفى المفتوح» التي أطلقها السفير البابوي في سوريا الكاردينال ماريو زيناري. وتؤكد: «بفضل هذا الدعم، تمكن كثير من المرضى من الخضوع لعمليات جراحية أنقذت حياتهم، حتى في الحالات الطارئة».

 

 

تزايد مشاعر عدم اليقين

 

وترى الأخت يوديتا أن المجتمع السوري تغيّر جذريًا منذ اندلاع الحرب عام 2011. وتقول: «كثيرون يعملون في وظيفتين فقط من أجل البقاء. كما شهدت البلاد هجرة واسعة لأصحاب الكفاءات، ولا سيما المسيحيين وأبناء الأقليات، إلى أوروبا وأميركا وأستراليا».

 

أما الذين بقوا، فتضيف، فهم في الغالب أشخاص لا يملكون إمكانية المغادرة.

 

وزادت التوترات الإقليمية من حجم المعاناة، حتى أصبحت الانفجارات وسقوط الصواريخ جزءًا من الحياة اليومية. ولا تزال تتذكر الهجوم الذي استهدف كنيسة مار الياس للروم الأرثوذكس وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا، إذ نُقل معظم الجرحى إلى المستشفى الفرنسي.

 

وتقول: «عالجنا نحو 80% منهم». وكان كثير من المصابين من الشباب. وتضيف: «بعد العمليات الجراحية، كنا نسألهم كيف يمكننا مساعدتهم، فكان الجواب نفسه يتكرر تقريبًا لدى الجميع: نريد مغادرة البلاد».

 

 

مكان للسلام والترحيب

 

ورغم العنف المحيط به، يسعى المستشفى إلى أن يبقى واحة رجاء.

 

وتقول الأخت يوديتا: «تسود مستشفانا أجواء مسيحية تقوم على الاحترام والتعاون والرغبة الصادقة في خدمة الآخرين». ويُشجَّع العاملون على رؤية المسيح في كل إنسان، والتعامل مع كل مريض بكرامة ورحمة، مؤكدة: «ولهذا يشعر الناس بالأمان هنا».

 

وفي بلد تهيمن فيه المستشفيات الحكومية على القطاع الصحي، أصبح المستشفى الفرنسي رمزًا للثقة لدى كثير من العائلات. كما يواصل المستشفى تطوير خدماته، إذ افتتح مؤخرًا قسمًا جديدًا لأمراض القلب يوفّر خدمات القسطرة وجراحة القلب المفتوح. وتقول: «من المهم أن يتمكن الجميع، بمن فيهم المسيحيون، من الحصول على رعاية صحية عالية الجودة».

 

وكثيرًا ما تتجاوز رسالة المستشفى حدود العلاج، ففي أوقات الأزمات وفّر أماكن إقامة للعاملين في القطاع الصحي الذين فقدوا منازلهم ووظائفهم، كما أمّن وسائل نقل للموظفين بعدما أصبح التنقل في دمشق ليلًا شديد الخطورة.

 

وتوضح: «لا توجد كهرباء، والمدينة غارقة في الظلام، والناس يعيشون في خوف».

 

 

رجاء لا ينطفئ

 

وتقرّ الأخت يوديتا بأن المستشفى يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الدولي. وتقول: «كل أشكال المساعدة مرحب بها، سواء كانت مالية أو عينية. نحن بحاجة ماسة إلى سيارة إسعاف جديدة، كما نحتاج إلى دعم لتغطية تكاليف العمليات الجراحية للمرضى الفقراء».

 

لكن وسط الحرب والمعاناة وعدم اليقين، تبقى القصص الإنسانية مصدر رجائها الأكبر. وتروي قصة طفلة وُلدت في الشهر السادس من الحمل. وتقول: «وُلدت في عيد القديس ميخائيل، لذلك اقترحنا أن تُسمّى ميشا». واليوم أصبحت تلك الطفلة في الثانية من عمرها، وتنعم بصحة جيدة.

 

وتختم الأخت يوديتا قائلة: «لحظات كهذه تمنحنا فرحًا عظيمًا، وتذكّرنا دائمًا بسبب استمرارنا في هذه الرسالة».