موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
صعود تنظيم داعش، بما حمله من سفك للدماء ودمار وموت وتهجير، وسحب المرسوم الرئاسي الذي كان يعترف بسلطته البطريركية، هما جرح لم يلتئم بعد، إلى جانب هجرة المسيحيين التي خفّضت، خلال عشرين عامًا، عددهم إلى ثلث ما كانوا عليه في العراق.
في المقابل، جاءت الزيارة الرسولية للبابا فرنسيس إلى العراق، في 5-8 آذار 2021، بينما كان العالم يحاول التعافي من جائحة كوفيد-19، لتكون من أكثر محطات خدمته إشراقًا، إلى جانب شعوره بأنه خدم «كنيسة شهيدة لديها الكثير لتقدمه للكنيسة الجامعة».
هذه بعض الصور التي يستعيدها الكاردينال لويس روفائيل ساكو، البطريرك الفخري للكلدان في بغداد، في مقابلة مع آسيا نيوز، بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على استقالته. يقول إنه يمضي هذه الفترة في القراءة والدراسة والصلاة: «إني أعيش بهدوء وسلام. أصلي مع الإكليريكيين في جو عائلي. يأتي الأصدقاء لزيارتي، وأساعد المحتاجين بحسب إمكانياتي. والأهم أنني أكتب؛ ففي أربعة أشهر أنهيت كتابي الأخير باللغة العربية بعنوان: "بهجة الإيمان"، وسيصدر خلال أيام قليلة. كما أنشأت صفحة على فيسبوك أنشر فيها تأملات قصيرة».
يبدأ الكاردينال حديثه من الدمار الذي خلفته الحروب في الشرق الأوسط، ويرى أن جذورها تكمن في غياب التفاهم المتبادل وصعوبة الحوار بين الشرق والغرب.
يقول: «العالم منقسم. الغرب يقوم على المصالح الاقتصادية، والعلمانية، والبراغماتية، والقوة العسكرية، ويجد صعوبة في فهم طبيعة منطق الشرق المختلف جذريًا، حيث لا تمثل الديانة مجرد عقيدة، بل تتحول إلى أيديولوجيا تؤثر في جميع مجالات الحياة». ويضيف: «الناس مستعدون للموت من أجل العقيدة والإيمان، وهنا يكمن معنى الشهادة».
ويرى أن هذا الأمر اتضح خلال الأحداث الأخيرة في إيران والعراق، مشيرًا إلى أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة تكشف عن طريقتين مختلفتين جذريًا في التفكير. ويتابع: «علينا أن ندرك أننا أمام حضارة فارسية عمرها آلاف السنين، تجمع بين العقيدة والإيمان الديني، ومفهوم الجهاد باعتباره كفاحًا مسلحًا حتى التضحية بالذات، ففكرة الموت في سبيل الوطن والدين متجذرة».
ويؤكد أن الحوار ليس سهلًا، لأن الشرق والغرب ينطلقان من تفكير مختلف، قائلًا: «عندما نتحدث عن إيران، لا نتحدث عن ظاهرة سياسية فقط، بل عن عنصر ديني يغيب غالبًا عن فهم الغرب». ويرى أن المسيحيين والكنيسة قادرون على لعب دور الجسر بين العالمين، ويشدد قائلًا: «السلام لا يُصنع بالأسلحة».
يتوقف ساكو عند أصعب مراحل خدمته، ويقول إن اجتياح داعش كان الحدث الأكثر تأثيرًا في حياته، لما سببه من تهجير مئات الآلاف من المسيحيين من الموصل وسهل نينوى. ورغم عملية إعادة الإعمار، فإن العودة ما تزال بطيئة، ولا توفر الأمن والاستقرار الكافيين، وهو ما جعل دعوات عودة المسيحيين من المهجر غير مثمرة. ويشير إلى أن عدد المسيحيين في العراق انخفض منذ عام 2003 من نحو 1.3 مليون نسمة إلى أقل من 400 ألف اليوم.
يقول: «قبل الحديث عن عودة المسيحيين، يجب دراسة الأسباب التي دفعتهم إلى المغادرة». ويعدد أبرز هذه الأسباب، ومنها: غياب الاستقرار المستدام، وفقدان الثقة بالمستقبل، وارتفاع الانتماءات الطائفية على مفهوم المواطنة، وعدم تعويض المتضررين من جرائم داعش، وعدم إعادة الممتلكات المصادرة، وانتشار الفساد، وتراجع الخدمات الأساسية والبنية التحتية، كالمدارس والمستشفيات، ونقص فرص العمل.
ويضيف: «لن يعود المسيحيون ما لم تتغير الثقافة، والعقلية، والقوانين، ويُبنَ وطن يقوم على المواطنة، لا على المحاصصة الطائفية، مع إصلاح التشريعات، خصوصًا المتعلقة بأسلمة القاصرين والاستيلاء على حقوق المسيحيين ومقدراتهم وممتلكاتهم».
كما يشدد على أن مكافحة الفساد وتحسين الخدمات ليست مطالب مسيحية فقط، بل هي مطالب وطنية تخص جميع العراقيين. ويقول إنه دافع طوال سنوات خدمته عن فصل الدين عن الدولة، وبناء دولة مواطنة تحترم حقوق الجميع على قدم المساواة.
ويتحدث أيضًا عن الجهود التي بذلها في الحوار الإسلامي–المسيحي، مشيرًا إلى لقاءاته مع المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيد علي السيستاني، الذي زاره مرتين في النجف، والمجمع الفقهي السني في بغداد، مؤكدًا أن هذه الجهود ساعدت في إنهاء خطاب الكراهية ضد المسيحيين داخل كثير من المساجد.
غير أنه يصف سحب المرسوم الجمهوري الذي كان يعترف بسلطته البطريركية بأنه أكثر ما آلمه، معتبرًا أن وراءه مصالح وتحركات قامت بها ميليشيا معينة تصف نفسها بأنها مسيحية! ويؤكد: «إني رفضت دائمًا إنشاء ميليشيات مسيحية أو طائفية». كما يرى أن الكنيسة مطالبة أولًا بدعم المسيحيين الموجودين في العراق، في ظل استمرار الهجرة، وتعزيز الأمل لديهم بالاستمرار والتواصل، قبل مطالبة المهاجرين بالعودة.
وبعد مشاركته في الكونسيستوار الأخير الذي دعا إليه البابا لاون الرابع عشر، يتحدث ساكو عن مستقبل الكنيسة الكاثوليكية. يقول: «إن التجربة السينودسية كانت مصدر ارتياح بالنسبة إليّ، لأن الكنائس الشرقية تعيش هذا النهج منذ زمن طويل. والسينودس بالنسبة إليها هو مساحة للعمل المشترك واتخاذ القرارات معًا».
كما يشيد بالبابا لاون الرابع عشر، ويقول إنه يقدّر أسلوبه في الخطاب: «إنه يتحدث بإيجاز وبلغة يفهمها الناس. اليوم أصبح أبًا وراعيًا للكنيسة الكاثوليكية جمعاء، وليس رئيسًا لدائرة في الكوريا الرومانية». ويأمل أن تكون رسالته موجهة إلى العالم كله، لا إلى الغرب فقط، وأن يستمر في الدعوة إلى السلام، والعيش المشترك، واحترام كرامة الناس، والحوار مع الأديان، لا سيما الإسلام.
في عصر يتميز بالسرعة، والإنترنت، والذكاء الاصطناعي، حيث تبدو الكنيسة بطيئة، يدعو ساكو إلى البحث عن طرق جديدة وإجابات قادرة على مخاطبة المجتمع المعاصر. يقول: «من الضروري البحث عن أسلوب يقوم على الحوار. فالناس لم يعودوا يقبلون أن يُقادوا باعتبارهم مجرد أتباع. نحن الأساقفة آباء ورعاة، يجب أن نفهم ثقافة الناس، وننصت إليهم، ونتبع أسلوب الحوار الأبوي والأخوي، لا سيما في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، وأن يكون الأساقفة آباءً ورعاةً أكثر منهم أصحاب سلطة».
أما بشأن خلفه، البطريرك بولس الثالث نونا، فيؤكد أنه لا يتدخل في شؤون إدارته، قائلًا: «انتهت مرحلتي، والآن بدأت مرحلة جديدة».
ويختم حديثه قائلًا: «أصلي كل يوم من أجل البطريرك والأساقفة، وقبل كل شيء من أجل الكنيسة الكلدانية، فهي كنيسة شهيدة لديها الكثير لتقدمه للكنيسة الجامعة في الليتورجيا، والروحانية، والعمل الراعوي المبني على الكتاب المقدس، وليس على الفلسفة النظرية المدرسية». ويضيف بثقة: «أنا متأكد من أن الأوضاع في العراق والشرق ستتغير نحو الأفضل، وتتحقق الحرية الدينية الكاملة، وستنمو الجماعة الكلدانية أكثر فأكثر. هذا ما أصلي من أجله».