موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ١٥ يوليو / تموز ٢٠٢٦
العشق الإلهي في التراث المشرقي

الكاردينال لويس روفائيل ساكو :

 

العشق هو أشدُّ درجات الحبّ. يصل إلى حالة الشغف والهيام (العاشق والمعشوق)، على صورة ارتباط الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل: «الاثنان يصيران جسدًا واحدًا» (تكوين 2: 24)، باندماج وجداني وفيضٍ من الحبّ. إنها علاقة تغيّر حياتهما!

 

على الصعيد الديني، يعني العشق العلاقة الوجدانية (التصوف) بين الإنسان والله: في الروح والعين والقلب، أي في الكيان كلّه ومشاعره. ويسمي مار أفرام هذا التعبير الجميل بـ«العين المستنيرة».

 

نجد في الكتاب المقدس، في العهد القديم، ملامح لعلاقة الحب عند الأنبياء الذين اختبروا حب الله لشعبه، وشبّهوه بعشق الزوجين. أذكر، على سبيل المثال، موقف النبي هوشع الرمزي: «سأعود إلى زوجتي»، وكذلك إرميا وأشعيا، وبالأخص سفر نشيد الأناشيد، وهو شعر غزل.

 

ونجد في الإنجيل تعبيرًا عن هذا الحب في تجسد المسيح: «والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا» (يوحنا 1: 14)، وكذلك في قول الرب: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 16).

 

ويقدم الإنجيل أمثلة عن هذه العلاقة الوجدانية القائمة على الحب والوفاء، كما في مريم المجدلية، والتلميذ الذي كان يسوع يحبه (يوحنا)، ومريم ومرتا من بيت عنيا.

 

الروحانية المشرقية امتداد لروحانية الكتاب المقدس، ولا سيما الإنجيل، إذ تركز على الدخول في سر معرفة الله للوصول إلى الخدر (ܓܢܘܢܐ) السماوي، كما يقول أفرام.

 

وهذه المشاركة ليست على مستوى طبيعة الله وجوهره (الأنطولوجي)، وإنما على المستوى الروحي، والفرق كبير. يقول يوحنا الدلياتي: «نتذوق شيئًا من أسرار بيت الله» (الرسالة 12/4). ويقول نرساي: «كيانه أرفع من الخلائق بما لا يقاس» (المقالة الثالثة عن الموت والصليب/20).

 

هذا ما عاشه الشهداء بدمائهم، كما عاشه النساك والرهبان الأوائل ببتوليتهم، وعزوفهم عن الزواج، وبساطة زيّهم الرهباني، وطعامهم الشظف. وسُمّي ذلك «الاستشهاد الأبيض»، لأنهم صلبوا حياتهم حبًا بالله، بالزهد، والسهر في الصلاة، والتأمل في الكتاب المقدس، والتقشف، والصوم، والتوبة، والبكاء استغفارًا عن الخطايا، على رجاء تجلّي يسوع: «ماران آثا – تعال أيها الرب يسوع». وهذا ما نقرأه في كتابات أفرهاط الحكيم، وأفرام، ويوحنا الأفامي، وإسحق النينوي، وسهدونا، ومرشدته الناسكة شيرين، وشمعون دَ طيبوثا، ويوسف حزايا، وإبراهيم النثفري، ويوحنا الدلياتي.

 

وأمام المحب ينتصب المسيح المصلوب مثالًا للحب الأعظم، بينما يصوّب الروحاني المشرقي نظره نحو المسيح القائم: «كل شيء به كان، ومن دونه لم يكن شيء مما كان» (يوحنا 1: 3). وينصبّ سعيه على التشبه بالمسيح ومطابقة حياته لحياته.

 

وثمة ثلاث مراحل لتحقيق هذا السعي:

 

المرحلة الأولى: المرحلة الجسدية (ܦܓܪܢܝܬܐ): ينصب فيها عمل الروحاني على تهذيب الذات، والسيطرة على الميول الرديئة والأفكار الخبيثة (فوضى الغرائز)، والعمل اليدوي، وتجنب الخطيئة، وممارسة الصوم والسهر والصلاة. وهي مرحلة تنقية الذات.

 

المرحلة الثانية: المرحلة النفسية (ܢܦܫܢܝܬܐ): وتقوم على ممارسة الفضائل، وأعمال التوبة، وانكسار القلب، والزهد، وحفظ الوصايا.

 

المرحلة الثالثة: المرحلة الروحية (ܪܘܚܢܝܬܐ): بعد مرحلة التنقية، وممارسة الفضائل، وحفظ الوصايا، يصل الروحاني إلى مرحلة الحب الذي يشرق في قلبه، وإلى الشفافية (ܫܦܝܘܬܐ) التي تتيح له رؤية تجليات أسرار الله بعين القلب والفكر. إنها مرحلة تمثل عربون القيامة ورجاء ملء الحياة العتيدة.

 

ويسمي يوسف حزايا هذه المراحل الثلاث ܡܘܫܚܬܐ، أي «قياسات» أو «محطات»، ويؤسس عليها خلاصة لاهوتية وروحانية متكاملة. (راجع كتاب الروحانية المشرقية، بغداد، 2020، ص 39-41).

 

ويشكّل التدبير الليتورجي، بحسب الدورة الطقسية السنوية، سياقًا تصوفيًا للتعرف إلى شخص المسيح والاندماج فيه، من خلال الالتزام ببرنامج تنشئة يقوم على التأمل في المواضيع الأساسية والمصيرية التي تكوّن الجماعة المسيحية، وتعزز وعيها بسر دعوتها، وتوجّه صلاتها ومسيرتها. وقد أثرت هذه الروحانية المشرقية في عدد من المتصوفين المسلمين، مثل رابعة العدوية والحسين بن منصور الحلاج.

 

إن المسيحية، من دون خبرة صوفية وروحية، تفقد الكثير من عمقها. فكل مسيحي مدعو إلى أن تكون له خبرة صوفية، ليست حالة استثنائية، بل خبرة ينبغي للجميع أن يختبروها، أي أن يتركوا الروح القدس يقود صلاتهم، فيدخلهم تدريجيًا إلى معرفة سر الله. فالروحانية أو الصوفية لا تعني الاعتزال عن العالم، بل أن تكون للمؤمن معرفة مباشرة بالله الآب، وأن تتعمق هذه المعرفة وتتسع وسط تفاصيل حياته اليومية العادية.

 

وثمة شرطان أساسيان للحياة الروحية، بحسب التقليد المشرقي:

 

1. التزام حياتي يومي بالسير على خطى المسيح، كل بحسب ظروفه الخاصة، وهو التزام يرتكز على علاقة حب جذرية، على مثال العرس والعهد.

 

2. ممارسة الصلاة العميقة، أي روحانية «العشق الإلهي» و«صوفية القلب»، كما نجدها عند العديد من الروحانيين المشرقيين الذين سبق ذكرهم.

 

وهذه الممارسة الوجدانية تتيح للمؤمن الاتحاد بالله عبر السجود والشكر، وتمنحه القوة والنور والسلام والبهجة وسط كفاحه اليومي. فصلاته تضمّه إلى صلاة يسوع وتتأسس عليها.