موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بعد اختتام أعمال الكونسيستوار (مجمع الكرادلة مع البابا)، دعا الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الفخري في بغداد، إلى كنيسة أكثر واقعية وانفتاحًا، تعتمد لغة جديدة، وتعزز الحوار بين الأديان، وتلتزم بالعمل المشترك من أجل السلام. وجاءت هذه الدعوة في ظل التحديات العالمية والأزمة التي يعيشها المسيحيون في الشرق الأوسط، مع اقتراح إنشاء منتدى للأديان.
ووصف الكاردينال ساكو، في حديثه لوكالة SIR، الكونسيستوار الذي انعقد في الفاتيكان يومي 26 و27 حزيران، واختُتم بالقداس الاحتفالي بعيد الرسولين القديسين بطرس وبولس في بازيليك القديس بطرس برئاسة البابا لاون الرابع عشر، بأنه «تجربة جديدة» وفرصة حقيقية للحوار داخل الكنيسة الجامعة، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة الانتقال من النقاش إلى حلول عملية للتحديات الراهنة.
وخلال أعمال الكونسيستوار، نوقشت عدة قضايا، من بينها النزاعات وبناء السلام، والالتزام بالصالح العام، وتطبيق المسيرة السينودسية. وقال الكاردينال ساكو: «فكرة هذا الكونسيستوار عبقرية، لأنها تجسد الروح السينودسية التي تذكرنا بالتقليد الشرقي؛ ففي كنائسنا لا يتخذ البطريرك القرارات بمفرده، بل يتخذها السينودس بصورة جماعية».
وأشاد بأجواء الحوار بين نحو 178 كاردينالًا، معتبرًا أن هذا النوع من النقاش يشكل «ظاهرة جديدة في الكنيسة»، حيث أُتيحت للجميع حرية التعبير وإبداء الرأي، مشددًا على أن المرحلة الحاسمة اليوم هي مرحلة التنفيذ، مع ضرورة أن يكيّف الكرسي الرسولي المقترحات بما يتناسب مع احتياجات الحاضر.
وفي ما يتعلق بوسائل إعلان رسالة الكنيسة، أشار ساكو إلى ضرورة تجديد أسلوب الخطاب الكنسي.
وقال: «يجب أن تكون رسالة الكنيسة موجهة إلى الجميع، لا أن تتحدث إلى نفسها فقط كما يحدث أحيانًا، بل أيضًا إلى غير المؤمنين، بلغة يفهمها الجميع». وأضاف أن العالم تغيّر بشكل عميق، ليس فقط على مستوى المناخ، بل أيضًا في الثقافة والتواصل، ولا سيما مع انتشار الإنترنت والاعتماد الكبير على الهواتف الذكية. وأكد أن الكنيسة مدعوة إلى مواجهة التحديات العالمية مثل الحروب والموت والدمار والخوف والفساد والهجرة، متسائلًا: «كيف يمكننا أن نساعد الناس على التفكير الصحيح وإيجاد طريقهم؟».
وفي إحدى مداخلتيه خلال الكونسيستوار، شدد ساكو على أن الكنيسة الكاثوليكية وحدها لا تستطيع تغيير العالم، قائلاً: «لا يمكن للكنيسة الكاثوليكية وحدها أن تصنع معجزة للعالم. فعندما نتحدث عن السلام وإنهاء العنف، لا يمكن أن ننفصل عن بقية العالم».
ودعا إلى لقاء أوسع يجمع الكنائس الأخرى والديانات المختلفة، ولا سيما الإسلام، بهدف التوصل إلى موقف مشترك يدين جميع أشكال الحروب، ويرفض استغلال الدين لأغراض سياسية أو عنفية، ويعزز السلام والتعايش واحترام الكرامة الإنسانية.
وأوضح أن هذا الموقف ينبع من تجربة الشرق الأوسط، حيث قال: «بالنسبة لنا، القضية هي قضية وجود أو عدم وجود». وأضاف أن الغرب غالبًا ما تطغى فيه المصالح المادية، بينما قد يتحول الدين في الشرق الأوسط إلى أيديولوجيا تؤجج التوترات والصراعات.
وأشار ساكو إلى التراجع الكبير في أعداد المسيحيين في المنطقة، فقال: «كان عدد المسيحيين في العراق مليونًا ونصف المليون، أما اليوم فلم يبقَ سوى بضع مئات الآلاف. وفي سوريا انخفضت نسبتهم من 20% إلى 1%». وأضاف أن هذا التراجع يترافق مع موجة هجرة واسعة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
ويرى البطريرك الفخري أن الحل يكمن في الحوار وبناء مجتمعات شاملة للجميع، قائلاً: «ينبغي مساعدة العالم الإسلامي على إقامة دول مدنية لا دينية، فالدين يخص الإنسان وليس الدولة، ويجب أن تكون المواطنة متساوية بين جميع المواطنين». واعتبر أن هذا الطرح ينسجم مع مفهوم «العلمانية الإيجابية» الذي أكدت عليه مرارًا تعاليم الكنيسة.
كما تناول الكاردينال ساكو موضوع الإصلاح الكنسي.
وقال: «لا توجد حتى الآن رسالة رسمية، لكن من الواضح أن الكنيسة بحاجة إلى إصلاح واقعي وعملي، وإلى تعزيز الحوار الإيجابي مع الجميع». وأضاف: «التقليد ليس شيئًا ميتًا، بل هو روح حيّة، وعلينا أن نعيشه اليوم وأن ننقله في سياق العصر الذي نعيش فيه».
وأكد الكاردينال ساكو، المعروف بانخراطه الطويل في الحوار بين الأديان، أهمية المبادرات العملية المشتركة، داعيًا الكرسي الرسولي إلى دعمها بصورة أكبر. وقال: «يجب تشجيع هذه المبادرات والنظر إلى الحاضر، لا الاكتفاء بالعودة إلى الماضي».
أما بشأن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط، فأعرب عن عدم تفاؤله، قائلاً: «واقعيًا، الحروب والتطرف الديني في ازدياد». وأشار إلى أن الكنيسة اختارت نهجًا واضحًا يقوم على رفض منطق السلاح، مضيفًا: «لقد سعينا دائمًا إلى حماية المسيحيين برفض منطق السلاح، لأننا نرفض العنف ونريد أن نبقى أوفياء للسلام».
وفي ختام حديثه، أوضح ساكو أنه يحمل رؤية تقوم على «رغبة في تغيير العقلية»، مقترحًا إنشاء منتدى يجمع جميع الأديان للبحث معًا عن طريق السلام. وختم قائلاً: «لا يمكن القيام بهذا الالتزام بصورة فردية، بل يجب أن يتم بالتعاون مع الآخرين، لأن هذا وحده يمكن أن يسهم حقًا في إنقاذ العالم».