موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الثلاثاء، ٢٥ أغسطس / آب ٢٠٢٦
الكنيسة ليست قلعة خارج العالم بل هي في قلب العالم

الكاردينال لويس روفائيل ساكو :

 

تجد الكنيسة نفسها اليوم أمام تحدٍّ كبير يتمثل في إدارة علاقة جديدة مع العالم، علاقة قادرة على أن تحمل إليه الرجاء والأمل. وباعتقادي، فإن هذا هو أحد أكبر التحديات التي تواجهها الكنيسة، ولا سيما كنائسنا الشرقية.

 

إن رسالة الكنيسة، حتى في بعدها المحلي، هي أن تكون في قلب العالم، حاملةً تعليم يسوع المسيح الذي قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14: 6). إنها كنيسة التجسّد الدائم والقيامة المجيدة، تجعل حضور المسيح حيًّا وفاعلًا في واقع الناس الحالي.

 

وعليه أن تدرك  الكنيسة أن علاقتها بالناس هي، في جوهرها، علاقة إنسانية، وجدانية وروحية. فالكنيسة هي أساسًا من أجل الإنسان، لكي ترافقه وتعتني به، كما اعتنى المسيح بالناس وقال: «أتيت لتكون لهم الحياة، وليكون لهم أفضل» (يوحنا 10: 10). فإذا بقيت الكنيسة منغلقة داخل قلعة السلطة والتقليد، فإنها تتحول إلى كيان جامد، غير قادر على ا محاطبة الناس والتواصل معهم!

 

الكنيسة لا تلعب دورًا  في الصراعات السياسية، لكنها مدعوّة إلى إنارة الضمائر حيال القضايا العامة، وإلى التعبير عن هموم الناس وتطلعاتهم، والدفاع عن قيم السلام والأمان والكرامة والحرية والحياة، ورفض الظلم والحرب. ةالكنيسة التي لا تهتم بالإنسان ولا تدافع عن كرامته، تبتعد عن جوهر رسالة المسيح.

 

ومن هنا، لا تستطيع الكنيسة أن تقوم برسالتها بحرية عندما تصبح رهينةً لعطايا ومساعدات جهة سياسية؛ لأن مثل هذا الارتباط يفقدها استقلالها وحريتها، ويضعف قدرتها على قول كلمة الحق عندما تقتضي الضرورة ذلك.

 

 

التجديد ضرورة لا خيار

 

إن معارضة التغيير والإصرار على إبقاء القديم على حاله لا ينسجمان مع روح الإنجيل ولا مع تعليم الكنيسة كما يتضح ذلك  في مسيرة المجمع الفاتيكاني الثاني وتعاليم البابوات المتعاقبين، من بولس السادس  وصولًا إلى البابا لاون الرابع عشر.

 

فالينابيع لا تتوقف عن الجريان؛ وإذا توقفت مياهها تحولت إلى مياه آسنة. وكذلك الكنيسة من دون التجديد لا تستطيع أن تخاطب الإنسان المعاصر، ولا سيما الجيل الجديد.

 

التجديد  لا يعني تغيير الحقيقة، بل إيجاد لغة ووسائل  تجعل الحقيقة أكثر وضوحًا وقربًا من الإنسان امام  الفكر المعاصر، والثقافة الجديدة، والتحولات الاجتماعية والنفسية، والواقع الرقمي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان.

 

هذه مسؤولية كبيرة تقتضي استمرار تطوير التعليم والطقوس ووسائل التنشئة، بحيث تتلاءم مع حاجات الإنسان اليوم ، ومن دون أن تتحول إلى قوالب جامدة أو جاهزة.

 

الآباء صاغوا إيمانهم بمفردات عصرهم، وتمكنوا من التعبير عن حقيقة الإيمان بلغة مفهومة لإنسان زمانهم. أما اليوم، فكثير من تلك المفردات لم تعد مفهومًا للإنسان المعاصر بالمعنى نفسه. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة صياغة طريقة تقديم إيماننا بوضوح، وبكلام بسيط، وبمفردات  مفهومة.

 

 

ما الذي تحتاج إليه الكنيسة؟

 

أولًا: تحتاج الكنيسة إلى تفسير النصوص الدينية تفسيرًا علميًا ومعاصرًا، من خلال البحث  عمَّا كانت تعنيه للناس في زمانها، وما الذي يمكن أن تعنيه لنا اليوم، مع اعتماد لغة واضحة ومفردات مختارة.

 

ثانيًا: ينبغي التمييز بين ما هو ثابت في الإيمان، وبين ما هو قابل للتطور والتجدد في طرق التعبير عنه. فالكنيسة مدعوّة إلى توضيح تعليمها، وبلورة عقيدتها، ومراجعة صيغها وقوانينها وليتورجياتها في ضوء القضايا الراهنة والمستجدات، بحيث تبقى هذه كلها مصدر نور للمؤمنين.

 

ثالثًا: الليتورجيا هي صلاة شعب الله الرسمية، أي الكنيسة المجتمعة حول المسيح للاحتفال بحضوره. والمسيح هو محور الليتورجيا؛ فنحن نحتفل بحضوره بفرح ورجاء. والليتورجيا ليست مجرد مجموعة من الطقوس أو الممارسات الشكلية، بل هي لقاء حيّ مع الله، وتساعد الإنسان على اختبار حضوره و الشهادة له بفرح. و في الوقت نفسه،هي  وسيلة أساسية للتنشئة والتعليم المسيحي، إذ يتعرف المؤمن إلى المسيح من خلال قراءات الكتاب المقدس، والترانيم، والأدعية، والرموز الغنية، والعظة. ومن هنا، فإن الصلاة الليتورجية الحيّة  تمنح المشاركين فيها القوة لعيش إيمانهم  وسط تحديات الحياة المتعددة.

 

رابعًا: تنشئة الإكليروس. تحتاج الكنيسة إلى   تنشئة  اكليروسها  تنشئة مستدامة  شاملة وعميقة وراسخة، تمكّنهم من القيام برسالتهم الراعوية بأفضل صورة، ولا سيما في الظروف الصعبة  والتحديات النفسية والاجتماعية والفكرية الحالية.

 

هذا كان، في جوهره، أحد أهداف الرياضات الروحية واللقاءات التثقيفية التي بدأنا بها منذ بضع سنوات، إيمانًا منا بأن تجديد الكنيسة يبدأ بتجديد  الكهنة  خدام رسالتها.