موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٣١ يوليو / تموز ٢٠٢٦
القصة وراء صورة الصليب التي أصبحت رمزًا للرجاء بعد حرائق فرنسا

أبونا :

 

وسط المشهد القاسي الذي خلّفته الحرائق في منطقة جيروند جنوب غرب فرنسا، حيث تحوّلت الأشجار إلى هياكل سوداء، وغطّى الرماد الأرض والدخان السماء، استوقفت العالم صورةٌ لصليبٍ قائم وسط الدمار. وسرعان ما انتشرت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى رأى فيها كثيرون رمزًا للرجاء في قلب المأساة.

 

لكن ما القصة الحقيقية وراء هذه الصورة؟

 

التقطها المصوّر الصحفي الفرنسي باتريك برنار في 26 تموز، بينما كان يوثّق آثار الحرائق في قرية ساوموس، التي كانت إحدى بؤر مكافحة النيران. ولم يكن يبحث عن صورة استثنائية أو عن حدث خارق، بل كان يقوم بعمله المعتاد في تغطية الكوارث، عندما لمح الصليب على جانب الطريق. تجاوز المكان للحظات، ثم عاد أدراجه وتوقّف ليلتقط سلسلة من الصور بهاتفه المحمول.

 

ويقول برنار، الذي أمضى أكثر من أربعين عامًا في تغطية الحروب والحرائق والأزمات: «عرفت فورًا أنني أمام الصورة التي كنت أبحث عنها». ويضيف أن خبرته الصحفية قادته إلى إدراك قوة المشهد، لكن إيمانه الكاثوليكي جعله يرى فيه أيضًا بُعدًا روحيًا عميقًا.

 

لذلك، نشر الصورة عبر حسابه على «إنستغرام»، وأتاح للجميع استخدامها وإعادة نشرها مجانًا، مكتفيًا بالإشارة إلى اسم المصوّر. ويوضح: «أردت أن أقدّمها هديةً للناس، من دون أي مقابل مادي. ربما كانت هذه المرة الأولى التي أقوم فيها بمثل هذه الخطوة».

 

ولم يتوقع برنار أن تنتشر الصورة بهذا الشكل الواسع، لكنها خلال أيام قليلة تجاوزت حدود فرنسا، وأثارت اهتمام آلاف الأشخاص، مؤمنين وغير مؤمنين، رأى كثيرون منهم في الصليب القائم وسط الخراب صورةً للصمود والرجاء في زمن يمتلئ بالأزمات والقلق.

 

 

قراءة إيمانية متوازنة

 

إلا أن الأب كليمان باريه، كاهن رعية كاب فيريه – سود ميدوك، يدعو إلى قراءة الصورة قراءةً إيمانية متوازنة، بعيدًا عن اعتبارها معجزة. ويقول: «هذا الصليب لم تُجنّبه النار، بل عبرها. فهو ليس فوق الكارثة أو بمنأى عنها، بل في وسطها».

 

ويشرح أن رمزية الصورة لا تكمن في أن الله صرف ألسنة اللهب عن الصليب، بل في أن المسيح لا يقف بعيدًا عن آلام البشر، وإنما يدخل إلى قلبها ويحملها معهم. فالصليب، في الإيمان المسيحي، ليس علامة على غياب الألم، بل على حضور الله وسطه.

 

أما برنار، فيرى أن الانتشار الكبير للصورة يكشف حاجة الإنسان اليوم إلى الرموز التي تمنحه معنى ورجاء. ويقول: «الناس يحتاجون إلى التمسك بأشياء قوية. ورغم أننا نعيش في زمن يبدو فيه أن الله غائب عن حياة كثيرين، فإن هذه الرموز لا تزال تلامس القلوب وتدفع الناس إلى طرح الأسئلة». ويؤكد أن الصورة كانت بالنسبة إليه «دعوة إلى الرجاء» قبل أن تكون مجرد توثيق لحرائق الغابات.

 

ويختتم الأب باريه تأمله بالقول إن صورة صليب ساوموس ليست دليلًا على أن الله أبعد النيران عن المكان، بل تذكيرًا بحقيقة أعمق: «هذا الصليب لا يقول إن الله حوّل مسار النار، بل إن الله سمح للنار بأن تبلغه. والكلمة الأخيرة ليست للنار، بل لفجر القيامة».