موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
البابا لبرلمانيين من حزب الشعب الأوروبي: أقدّر اعترافكم بالإرث المسيحي لأوروبا

أبونا :

 

التقى البابا لاون الرابع عشر، يوم السبت في الفاتيكان، ببرلمانيين من حزب الشعب الأوروبي.

 

وفي كلمته، استذكر لقاءاتهم السابقة مع البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بندكتس السادس عشر، إضافة إلى رسالة وجّهها البابا فرنسيس عام 2023 عندما تعذّر عليه استقبالهم شخصيًا. وأعرب البابا عن تقديره، مستشهدًا ببندكتس السادس عشر، لاعتراف المجموعة بـ«الإرث المسيحي لأوروبا».

 

وأشار إلى أن المشروع الأوروبي نشأ «من رماد الحرب العالمية الثانية»، ليس فقط لتجنّب تكرار مثل هذا الصراع، بل أيضًا لتعزيز التعاون وتجاوز «قرون من الانقسام». ولفت إلى دور شخصيات مثل كونراد أديناور وألتشيدي دي غاسبيري وروبرت شومان، الذين استلهموا من إيمانهم الشخصي ورأوا في المبادئ المسيحية «عنصرًا جامعًا» لإعادة بناء القارة.

 

ونقل قداسته عن البابا فرنسيس قوله إن «الوحدة أعظم من الصراع»، موضحًا أن الوحدة الحقيقية «تتحلّى بالشجاعة لتجاوز أبعد من سطح الخلاف ورؤية الآخر في كرامته العميقة»، بينما يقود الصراع إلى «السعي وراء السلطة ويقود في النهاية إلى الدمار».

 

 

دور السياسة

 

وتناول البابا دور السياسة، مؤكدًا أن «المهمة الأساسية لأي عمل سياسي هي تقديم رؤية مثالية»، تتطلّب نظرة بعيدة المدى واستعدادًا لاتخاذ «قرارات صعبة، بل وغير شعبية أحيانًا، من أجل الخير العام». وأضاف أن السياسة يمكن أن تُفهم على أنها «أسمى أشكال المحبة»، لأنها موجّهة نحو خير الجميع.

 

وفي الوقت نفسه، حذّر من تحويل المثل العليا إلى أيديولوجيا، معتبرًا أن الأيديولوجيا «تشويه للواقع ونوع من العنف المفروض عليه»، إذ «تحرّف الأفكار وتُخضع الناس لأجندتها، وتخنق تطلعاتهم الحقيقية». وذكّر بأن أوروبا الحديثة نشأت أيضًا من إدراك «فشل المشاريع الأيديولوجية التي دمّرت القارة وقسّمتها».

 

 

هوية قوية

 

وفي حديثه عن هوية حزب الشعب الأوروبي، شدّد الأب الأقدس على أن «الشعب هو في صميم التزامكم، ولا يمكن تهميشه». وأكد أن المواطنين «ليسوا مجرد متلقّين سلبيين، بل شركاء فاعلون يتحمّلون المسؤولية في العمل السياسي».

 

ورأى أن الحضور بين الناس وإشراكهم هو «أفضل علاج للشعبوية والنخبوية»، اللتين وصفهما بأنهما من الاتجاهات المنتشرة اليوم. كما أشار إلى «تراجع ملحوظ في الانسجام والتعاون بين الشعوب وممثليها»، داعيًا إلى إعادة بناء هذا الرابط من خلال «تواصل مباشر بين المواطنين وممثليهم»، ولافتًا إلى أن زمن «الانتصار الرقمي» يتطلّب «العودة إلى البعد الإنساني المباشر».

 

 

الإرث المسيحي

 

وفي حديثه إلى من يستلهمون القيم الديمقراطية المسيحية، دعا قداسته إلى «إعادة اكتشاف التراث المسيحي والتمسّك به»، مع الحفاظ على التمييز بين الشهادة الدينية والشهادة المسيحية في العمل السياسي. وقال إن «أن تكون مسيحيًا في السياسة لا يعني إعلانًا طائفيًا صريحًا، بل أن يدع الإنجيل يوجّه القرارات، حتى تلك التي لا تحظى بإجماع سهل». وشدّد أيضًا على أهمية الحفاظ على «العلاقة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، وبين الجذور المسيحية والعمل السياسي».

 

 

تحديات الاتحاد الأوروبي

 

وتطرّق البابا إلى التحديات التي تواجه أوروبا، داعيًا إلى مقاربة واقعية تنطلق من هموم الناس، لا سيما ضرورة توفير «ظروف عمل كريمة» في ظل سوق «يفتقر بشكل متزايد إلى البعد الإنساني». كما أشار إلى أهمية تمكين الناس من «تجاوز الخوف من تأسيس عائلة»، وهو خوف منتشر في أوروبا، وإلى ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للهجرة» مع العناية بالمتألمين ومراعاة قدرات المجتمعات على الاستقبال والاندماج.

 

ودعا كذلك إلى مقاربة غير أيديولوجية لقضايا كبرى مثل «العناية بالخليقة والذكاء الاصطناعي»، مشيرًا إلى أن الأخير يحمل «فرصًا كبيرة» لكنه «ينطوي أيضًا على مخاطر». وفي ختام كلمته، توقّف عند معنى الحرية، داعيًا إلى تعزيز حرية «مرتكزة على الحقيقة» لا تختزل في الأذواق الشخصية، مع حماية الحرية الدينية وحرية الفكر والضمير في كل زمان ومكان. كما حذّر من «اختزال حقوق الإنسان» بطريقة تؤدي في النهاية إلى «القوة والاضطهاد».