موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في إطار زيارته الرسولية إلى غينيا الاستوائية، وجّه البابا لاون الرابع عشر رسالة رجاء عميقة من داخل سجن باتا، مؤكدًا أن «لا أحد مستبعد من محبة الله»، وأن كل إنسان «بتاريخه وأخطائه وآلامه، يبقى عزيزًا في نظر المسيح». ودعا إلى عدم فقدان الكرامة والرجاء حتى في أصعب الظروف، مشددًا على أن العدل الحقيقي لا يقوم فقط على العقاب، بل على المصالحة وإعادة بناء الحياة.
كما شدّد البابا على أن السجن لا يجب أن يكون نهاية الطريق، بل فرصة للتغيير والنهوض من جديد، عبر التعلم والعمل واستعادة المعنى. وختم برسالة مؤثرة: «لا يتعب أبدًا من المغفرة. إنّه يفتح دائمًا بابًا جديدًا لمن يعترف بأخطائه ويريد أن يتغيّر. لا تسمحوا للماضي بأن يحرمكم رجاء المستقبل. كلّ يوم يمكن أن يكون بداية جديدة»، لأنّ «مَن ينهض بعد سقوطه يكون أقوى مما كان عليه من قبل».
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!
في بعض الأماكن يقولون إنّ المَطَر علامة على بركة الله! لنطلب من الله أن يكون كذلك! وِلْنَعِش هذه اللحظة أيضًا علامةً لقرب لله منّا، الذي لا يتكرنا أبدًا.
لقد أصغيتُ بانتباه إلى كلامكم. شكرًا على وضوحكم ولأنّكم أظهرتم لنا أنّ الكرامة الإنسانيّة والرّجاء يجب ألّا نفقدهما أبدًا، حتّى في الصّعاب.
أنا هنا اليوم لأقول لكم أمرًا بسيطًا جدًّا: لا أحد مُستبعد من محبّة الله! كلّ واحدٍ منّا، بتاريخه وأخطائه وآلامه، يظلّ عزيزًا في عينَي الرّبّ يسوع. يمكننا أن نقول ونؤكّد ذلك، لأنّ يسوع أظهر لنا ذلك في كلّ لقاء، وكلّ عمل، وكلّ كلمة. إنّه أحبّنا حتّى النّهاية، ولمَّا اعتُقل وحُكِمَ عليه وسيق إلى الموت دون أيّ ذنب، بيَّن أنّه كان يرى أنّ المحبّة قادرة أيضًا على أن تغيّر أشدَّ القلوب قَسوة.
في زيارتي هذه، أختبر أنّ غينيا الاستوائيّة أرض غنيّة بالثّقافات واللغات والتّقاليد. إنّ عائلاتكم، وجماعاتكم، وإيمانكم، هي قوّة كبيرة لهذه الأمّة. وأنتم أيضًا جزءٌ من هذا الوطن. إدارة العدل تهدف إلى حماية المجتمع، ولكي تكون فاعلة، يجب عليها أن تستثمر دائمًا في كرامة كلّ إنسان وإمكاناته. فالعدل الحقيقيّ لا يسعى إلى العقاب، بقدر ما يسعى، قبل كلّ شيء، إلى المساعدة لبناء الحياة من جديد، سواء حياة الضّحايا أو حياة المذنبين أو حياة الجماعات التي جرحها الشّرّ. لا يوجد عدل بدون مصالحة. إنّه عملٌ هائل، يمكن أن يتحقّق جزءٌ منه داخل السّجن، والجزء الآخر، الأكبر، يجب أن يشمل كلّ المجتمع الوطنيّ، لمنع الجِراح التي يُحدثها الظّلم ومعالجتها.
في الواقع، أودّ أن أكلّمكم، أوّلًا، عن الرّجاء والتّغيير. بالرّغم من أنّ السّجن يبدو مكانًا للعزلة واليأس، إلّا أنّ هذا الوقت، كما قيل، يمكن أن يصير وقتًا للتأمّل، والمصالحة، والنّموّ الشّخصيّ. لِيُبذَل كلّ جهدٍ ممكن، مثلًا، لكي تُتاح لكم في السّجن إمكانيّة الدّراسة والعمل بكرامة. لا تَتحدّد الحياة فقط بالأخطاء التي تُرتكب، والتي تكون مرارًا نتيجة ظروفٍ قاسية ومعقّدة، بل هناك دائمًا فرصة للنّهوض من جديد، والتّعلّم، والتّحوّل إلى شخصٍ جديد.
أيّها الإخوة والأخوات، أنتم لستم وحدكم. عائلاتكم تحبّكم وتنتظركم، وهناك الكثيرون، خارج هذه الجدران، يصلّون من أجلكم. وحتّى لو خشي أحدكم أن يكون قد تركه الجميع، فإنّ الله لن يترككم أبدًا، والكنيسة ستكون إلى جانبكم. فكّروا أيضًا في بلدكم، وفي شباب غينيا الاستوائيّة الذين يحتاجون إلى أمثلة في المثابرة والمسؤوليّة والإيمان. كلّ جهدٍ للمصالحة، وكلّ عمل خير، يمكن أن يصير شعلة رجاء للآخرين.
أودّ أيضًا أن أشكر الذين يعملون في هذا المركز الإصلاحيّ: المدير، ورجال الأمن، والكاهن. إنّ خدمتهم أساسيّة عندما تجمع بين الأمن والاحترام والإنسانيّة، فتضمن النّظام الضّروريّ لمرافقة الموقوفين في مسار إعادة اندماجهم وإعادة بناء حياتهم.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، الله لا يتعب أبدًا من المغفرة. إنّه يفتح دائمًا بابًا جديدًا لمن يعترف بأخطائه ويريد أن يتغيّر. لا تسمحوا للماضي بأن يَحرِمَكم رجاء المستقبل. كلّ يوم يمكن أن يكون بدايةً جديدة.
لنُوكِل هذه المسيرة إلى سيِّدتنا مريم العذراء، أمّ الرّحمة. لترافق حياتكم، وتُعزِّي قلوبكم، وتحمِي عائلاتكم. أودّ اليوم أن أؤكّد لكم قربي منكم وصلاتي من أجلكم ومن أجل كلّ شعب غينيا الاستوائيّة. وتذكّروا دائمًا: مَن ينهض بعد سقوطه يكون أقوى ممّا كان عليه من قبل. ليمنحكم الرّبّ يسوع السّلام والرّجاء والقوّة لتبدأوا من جديد.
أيّها الإخوة والأخوات، تحت هذا المَطَر، الذي هو بركة من الله، لنصلِّ معًا الصّلاة التي علّمنا إيّاها يسوع المسيح، وَلْنَقُل: أبانا الذي في السّموات...