موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
شهدت ساحة ليما في العاصمة الإسبانية مدريد مساء السبت المحطة الأخيرة من اليوم الأول لزيارة البابا لاون الرابع عشر إلى إسبانيا، حيث ترأس أمسية صلاة شبابية شارك فيها أكثر من ستمئة ألف شخص احتشدوا على طول الشارع الرئيسي المؤدي إلى الساحة وفي الشوارع المحيطة بها.
وتخللت الأمسية، التي اختُتمت بسجود للقربان الأقدس، حوارات مباشرة بين البابا وممثلين عن الشباب، تناولت قضايا الإيمان والشهادة المسيحية والحياة في العالم المعاصر. وبعد الكلمات الافتتاحية التي ألقاها رئيس أساقفة مدريد الكاردينال خوسيه كوبو كانو، متحدثًا عن التحديات التي تواجه الشباب اليوم، استمع البابا إلى أسئلة المشاركين وأجاب عنها تباعًا.
وفي رده على سؤال حول الأشخاص الذين ألهموا مسيرته الإيمانية، أشار البابا أولاً إلى القديس أوغسطينوس، ثم إلى القديس يوحنا الذهبي الفم، الذي أعجب به بسبب جمعه بين الحقيقة والاستقامة، وإلى القديس توماس دي فيلانويفا الذي شكّلت أعماله الخيرية مصدر قوة له في الأوقات الصعبة، وكذلك إلى القديس توريبّيو دي موغروفيخو المعروف بدفاعه عن العدالة وخدمته للشعب. كما استعاد خبرته الشخصية خلال سنوات خدمته الإرسالية في البيرو، مؤكدًا أن لقاءاته مع جماعات عانت من الفقر والصعوبات ساهمت في تعميق إيمانه وتغيير حياته بقوة الإنجيل.
وأثناء إجابته عن أسئلة الشباب، شدّد البابا لاون الرابع عشر على أن الحياة المكرسة والزواج هما دعوتان أصيلتان ومتكاملتان، كما دعاهم إلى الإصغاء لصوت الله من خلال الصلاة والصمت، مؤكدًا أن الإنسان المعاصر يعيش وسط ضجيج متواصل ومشتتات لا تنتهي، ما يعيق قدرته على التمييز الروحي واكتشاف الحقيقة.
وقال الأب الأقدس: «كثيرًا ما نسير ونحن نضع سماعات الأذن، وننشغل بالموسيقى وبمختلف المشتتات، فلا نجيد فن الصمت. وأعتقد أننا غالبًا ما نتمكن من سماع صوت الله وتمييزه تحديدًا في اختبار الصمت. فعندما نختار الصمت، نقرر أي الأصوات لا نريد الإصغاء إليها، وأي ضوضاء لن نسمح لها بأن تشتت انتباهنا. وعندما نتحرر من صخب آلاف الأصوات، نكتشف أن بعضها يخدع رغباتنا، وبعضها يستميلنا من دون أن يغذينا، وبعضها الآخر يتحدث بدافع المصلحة. وفي الصمت نفهم أن الإيديولوجيات تزول، أما الحقيقة فتبقى».
كما دعا الشباب إلى التمسك بالحقيقة في زمن تنتشر فيه المعلومات المضللة والأكاذيب، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلًا: «ابحثوا دائمًا عن الحقيقة. فالله هو الحقيقة، وكل ما يبعدكم عن الله ليس حقيقة. لا تنسوا ذلك». كما شدد قداسته على أن الشهادة المسيحية الحقيقية تنطلق من الانسجام بين الإيمان والحياة، ومن التواضع الشخصي، مذكّرًا المربين والقادة بأن الإنسان يبقى تلميذًا قبل أن يصبح معلّمًا.
كما تحدث قداسته عن عيش الإيمان في المجتمع المعاصر، مستشهدًا بـ« الرسالة إلى ديوجنيس» من القرون المسيحية الأولى، موضحًا أن المسيحيين مدعوون إلى الانخراط الكامل في العالم من دون أن يصبحوا أسرى للموضات العابرة أو الإيديولوجيات المتقلبة. وأكد أن الإيمان يمنح الإنسان حرية حقيقية ورجاءً يتجاوز النجاح المادي واللذة والسلطة، مشيرًا إلى أن الإيديولوجيات والاتجاهات تزول، أما الحقيقة فتبقى.
وقال: «هذا هو أسلوب حياتنا: فتلاميذ يسوع يعيشون في قلب عصرهم ويواكبون زمانهم، لكنهم لا يصبحون أبدًا أسرى له. نحن أحرار في المسيح الذي حررنا بمحبته، وبفضل هذه المحبة نبقى أحرارًا أمام كل أشكال الإكراه والتضليل. نحن أحرار من صرعات الموضة العابرة لأننا تلاميذ الحقيقة، ومنفتحون على المستقبل لأننا نعلم أن الموت ليس نهاية الطريق. فمعنى التاريخ يبلغ كماله في الشركة الأبدية للحياة التي أعدّها الله للجميع».
وفي ختام اللقاء، دعا البابا لاون الرابع عشر الشباب إلى أن يكونوا عناصر تغيير إيجابي في المجتمع، بما في ذلك في الفضاء الرقمي، وأن ينقلوا قيم الإنجيل وجماله إلى الآخرين، وأن يواجهوا اللامبالاة والعنف والأكاذيب. وحثّهم على أن يصبحوا «شرارات إنسانية جديدة»، وأن يكونوا أمناء وجديرين بالثقة، ويسعوا إلى العدالة، ويعاملوا الآخرين كما يحبون أن يُعامَلوا.
وفي ندائه الأخير، دعا البابا الشباب إلى أن يكونوا إنسانيين بحق من خلال الاقتداء بالمسيح، موضحًا أن الإيمان ليس مجرد اعتقاد فكري، بل أسلوب حياة يُترجم بالمحبة. ووصف المحبة بأنها الفضيلة الأقدر على تغيير مجرى التاريخ، والقوة التي تمكّن الإنسان من الإسهام في بناء عالم أفضل.