موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الأحد، ٨ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
مستقبل الفلسطينيين المسيحيين: بين الهجرة والبقاء

ألفرد عصفور :

 

شكلت القضية الفلسطينية محور اهتمام العرب المسيحيين في البلاد السورية وبشكل خاص في فلسطين منذ أوائل القرن العشرين وكانوا من أوائل الذين تنبهوا للخطر الصهيوني تجاه بلادهم وحذروا منه وقاوموه وشاركوا في النضال ضده مشاركة فعالة وسقط منهم شهداء في سبيل وطنهم.

 

وهؤلاء لم يكونوا وحدهم بل كان مثلهم مسيحيون من لبنان وسوريا والأردن أيضًا. في عام 1905 وضع المفكر اللبناني المسيحي نجيب عازوري (1873-1916) كتابه "يقظة الأمة العربية" وكان فيه سباقًا بإدراك الخطر الصهيوني وكانت رؤيته في هذا الشأن واضحة وبعيدة المدى. فقد أدرك وفي وقت مبكر الخطر الصهيوني وحذر منه وأكد حتمية الصراع منبها العرب بأن مصيرهم ومصير العالم مرتبط بهذا الصراع.

 

كان العازوري من الرواد الأوائل الذين آمنوا بالقومية العربية ودعا إلى تأسيس حزب قومي عربي أطلق عليه اسم جامعة الوطن العربي عام 1904 وأصدر في باريس مجلة "الاستقلال العربي".

 

أما في فلسطين نفسها فظهر نجيب نصار (1865-1948) الذي أصدر جريدة الكرمل سنة 1911 وله كتاب عن الصهيونية حذر فيه من خطرها على مستقبل فلسطين.

 

كذلك نشط عيسى العيسى (1878-1950) في دور فاعل في  التوعية من أخطار الصهيونية عبر جريدة فلسطين التي أصدرها عام 1911 وشارك في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية عام 1917.

 

وهناك أيضا توفيق كنعان (1882-1964) الذي أصدر كتابا بعنوان قضية عرب فلسطين حذر فيه من خطر الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين.

 

وهناك أيضا العديد من الشخصيات الفلسطينية المسيحية التي لعبت دورا نضاليا وسياسيا في الدفاع عن  الثوابت الوطنية الفلسطينية وتركت أثرا عبر تاريخ فلسطين الحديث.

 

من بين هؤلاء على سبيل المثال توفيق طوبي وإميل توما وإميل حبيبي وخليل السكاكيني الذي كان من مؤسسي المجلس الإسلامي المسيحي وجورج حبش واسبير المنير والبطريرك ميشيل صباح والمطران عطالله حنا والأب إبراهيم عياد والمطران إيليا خوري والأب قسطنطين قرمش وغيرهم كثيرون.

 

أما في الجهاز الحكومي فقد كانوا وفاعلين مشاركين في الشرطة الفلسطينية ففي عام 1923 ومن بين 945 رجل شرطة كان  هناك 174 مسيحيا بينهم 7 ضباط.

 

وبرغم قلتهم  العددية لعب الفلسطينيون المسيحيون أدوارا مهمة في تاريخ فلسطين الحديث. كذلك كان لهم دور اقتصادي مهم في التجارة والتعليم والمهن الطبية بوجه خاص.

 

في فترة الانتداب البريطاني كان دور الفلسطينيين المسيحيين ذا أهمية كبرى إذ كانوا مجتمعا فريدا أكدوا على مؤهلاتهم القومية العربية بمشاركتهم الفاعلة في النضال الفلسطيني والمقاومة. فالقضية الفلسطينية هي قضية كل الفلسطينيين بجميع فئاتهم وعقائدهم وأديانهم.

 

أما العلاقة المسيحية الإسلامية في فلسطين فهي كما يقول المطران عطا الله حنا علاقة الجذور الواحدة والانتماء الواحد والقضية الواحدة.

 

فالفلسطينيون المسيحيون هم اقدم الجماعات المسيحية في العالم لكن الهجرة وعوامل أخرى مهمة قلصت عددهم بشكل ملموس. بعد هزيمة 1967 وأفول أصوات القوميين العرب ضعف الصوت المسيحي العربي المؤيد للقضية الفلسطينية وبات الوجود المسيحي في فلسطين اليوم يكاد لا يصل إلى واحد في المئة من مجمل عدد السكان وفق آخر تعداد عام 2017 (47-50 ألف من بين أربعة ملايين وسبعمئة ألف مواطن) مع انهم خارج فلسطين يزيدون عن ثلاثة ملايين نسمة.

 

في عام 1850 كان عدد سكان فلسطين يصل إلى 340 ألف نسمة منهم 27 ألف مسيحي، أما في القدس وحدها فكان 25% من سكانها مسيحيون. وعند انتهاء الحكم العثماني عام 1922 كان المسيحيون في فلسطين يشكلون ما نسبته 22% من السكان. لكن تناقص أعداد المسيحيين في فلسطين بدأ منذ عشرينيات القرن العشرين.

 

في العام 1948 كان في القدس وحدها 26 ألف عربي مسيحي لكن هذا العدد تقلص إلى 8 آلاف فقط في العام 1991 وفي العام 2024 لم يكن عددهم ليزيد عن ثلاثة آلاف.

 

وما ينطبق على القدس ينطبق على باقي مدن فلسطين وخصوصًا تلك التي كانت ذات حضور مسيحي واضح مثل الناصرة وبيت لحم ورام الله وحيفا واللد والرملة وعكا ويافا.

 

بطبيعة  الحال كان لنكبة عام 1948 الأثر الأكبر في تقليص أعداد المسيحيين الذين عانوا مثل بقية السكان من أثارها وتأثيرها حيث تم تهجير حوالي خمسين ألف مسيحي من ضمن ثمانمئة ألف فلسطيني تم تهجيرهم قسرًا من فلسطين. كما تم إخلاء العشرات من القرى المسيحية في شمال فلسطين وتهجير سكانها.

 

فلماذا ضعف الصوت المسيحي الفلسطيني؟ هناك أسباب عديدة تتفاوت في مدا تأثيرها ومنها:

1. الوضع السياسي المضطرب بشكل عام.

2. الهجرة الكثيفة التي قلصت أعداد المسيحيين في فلسطين.

3. انحسار الموجة القومية التي كان عمادها المسيحيون العرب مقابل تصاعد موجات الإسلام السياسي.

4. مشاريع التوطين المشبوهة.

5. التوترات الأمنية والسياسية التي تجتاح البلاد  العربية وخصوصا في الشرق الأوسط.

 

وبرغم أن المسيحيين الفلسطينيين أقلية عددية فإنه لا يمكن تقييم مكانتهم بالأرقام فقط. فهم اضطلعوا بدور مهم في الحفاظ على الهوية الوطنية وعملية البناء الوطني. فقد كانوا على الدوام شركاء في المعاناة وفي البناء.

 

يثير انخفاض أعداد المسيحيين في فلسطين قلق الكنيسة والمؤمنين معًا ويشكل هذا الانخفاض تحديًا يتطلب موقفًا حازمًا. ولمعالجة هذه المعضلة لا بد من تشجيع المسيحيين الفلسطينيين على البقاء في وطنهم بدعم ولائهم للكنيسة وللوطن والإيمان برسالة الأرض المقدسة. وكل مؤمن يحمل مسؤولية بقاء الكنيسة ورسالتها ولو بتحمل الحياة الصعبة. فبقاء المسيحيين في فلسطين ليس فقط أمرًا مهمًا بل ضروريًا أيضًا فهم الجسر الحقيقي بين الشرق والغرب ويمكنهم أن يكونوا عنصر سلام حقيقيًا لأنهم جزء لا يتجزأ من نسيج الشعب العربي بصورة عامة إلى جانب انهم تراث وشاهد على تاريخ الإيمان في هذه الأرض.

 

واقع الأقلية العددية يدفع المسيحي إلى الهجرة لكن الهجرة لا تحل مشكلة الجماعة بل تزيد من حدتها. فالهجرة إذ تحل مشكلة الأفراد إلا أنها تضخم من مشكلة الجماعة الباقية وتزيدها ثقلاً. فما هي دوافع الهجرة؟ هناك أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وانعدام الأفق السياسي بالإضافة إلى الإجراءات الإسرائيلية.

 

فالفلسطينيون المسيحيون يواجهون الاضطهاد الإسرائيلي وتنكيل الاحتلال مثلهم مثل إخوانهم غير المسيحيين وعندما هاجمت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية هاجمت أيضًا القرى المسيحية من بينها. ومثلما تصادر سلطات الاحتلال أراضي المسلمين فهي أيضا تصادر أراضي المسيحيين وتحاصرهم في أرزاقهم أيضا.

 

يهاجر الفلسطينيون عمومًا والمسيحيون من ضمنهم بحثًا عن الأمان والمساواة فهم يشعرون بالقلق من الظروف المحيطة بهم. وقد عانى المسيحيون العرب مثلما باقي العرب تحت الحكم العثماني وذكريات تلك الحقبة تدفع كثيرين منهم لاسترجاع ما حصل للأرمن والسريان والأشوريين والكلدان في ظل حكم الأتراك.

 

في بعض الأحيان أو في بعض المناطق يشعر الفلسطيني المسيحي بنوع من القهر الديني والضغط الذي يمارس عليه. وقد تعرض كثير منهم للتمييز ضدهم وفق استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسيحية عام 2020. وأشار ذلك الاستطلاع أيضا إلى أن 43 في المئة من المسيحيين الفلسطينيين يشعرون انهم غير مرغوب بوجودهم في البلاد.

 

هجرة المسيحيين من فلسطين لا تضر المسيحيين فقط بل تضر الكيان الفلسطيني بأكمله فالهجرة مشكلة وطنية عامة وليست مشكلة فئة من المواطنين. والحفاظ على المسيحيين في أرضهم ووطنهم مهمة كبرى لا تقع مسؤوليتها على كاهل المسيحيين وحدهم بل هي مسؤولية الجميع في هذه البلاد.