موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الإثنين، ٢ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
الشتات المسيحي العالمي والشرق الأوسط

الأب ألبير هشام نعّوم :

 

بعد مجموعةٍ من الندواتِ والمؤتمرات التي عُقدتْ، على وجه التحديد، خلال العقودِ الثلاثة الماضية حول مسيحيّي الشرق الأوسط، والتي اكتفتْ بوصفِ أسبابِ تراجعِ وجودِهم وتحليلِها، واحتماليةِ اندثارِهم، وفي أفضلِ الأحوال قدّمتْ بعضَ الحلول المتعلّقة حصرًا بسياساتِ الدول والمجتمعات، والهادفة إلى الحفاظِ على ما تبقّى من الوجود المسيحي.

 

لقد تبيّنَ لنا، عبر السنواتِ الماضية، أنّ انتظارَ الحلولِ الخارجيّة مضيعةٌ للوقت. ولذلك أؤمنُ بضرورة أن يعملَ المسيحيّون أنفسُهم، ضمن حدود الإمكاناتِ المتاحة لهم في الدول العربيّة، على بناءِ المستقبل لهم ولإخوتِهم في بلدان الشرق الأوسط. فالقضيّة لم تعدْ مقتصرةً على البقاءِ أو حمايةِ الوجود المسيحي، بل أصبحتْ رسالةَ إيمانٍ تتجسّدُ في مشاريع كنسيّة يساهمُ فيها مسيحيّو الشرق الأوسط، في الداخل والخارج، وتسهمُ في إعادةِ تشكيلِ وجهِ المنطقة ومستقبلِها.

 

وبالانتقال إلى المعنى المسيحي، عندما بحثتُ في "معجم اللاهوت الكتابي" عن مصطلح "شتات"، أعادني المعجم إلى مصطلح "تشتيت" (Dispersion)، ويعطيه معنيين يجعلانه مُلتَبسًا؛ فقد يحدثُ التشتيت نتيجة البركة الإلهية ليتكاثر الإنسانُ ويملأُ الأرضَ (تكوين 9/ 1، راجع 1/ 28)، فيكونُ علامةَ الوحدة، أو يحدثُ نتيجةَ الخطيئة فيصبحُ علامةَ انقسامٍ وانفصال (راجع تكوين 1/ 7-8). وجسّد المعجمُ هذه النظرةَ المزدوجة على تاريخ الخلاص؛ ففي العهد القديم تشتتَ شعبُ الله بسبب عدم أمانتِه نحو الله، وعبّرتْ الترجمة السبعينيّة عن المصائب التي صاحبتْ السبيَ بكلمة (Diaspora)، ومصطلح التشتت سيُطلق فيما بعد على مجموع اليهود الذين انتشروا في العالم الوثني بعد سبي بابل، وسيُخرِجُ اللهُ خيرًا من هذا التشتت لأنّ اليهودَ سينقلونَ إيمانَهم إلى الغرباء.

 

وهذا ما مهّد للنظرة الثانية للتشتت في العهد الجديد؛ ففي المسيح سيتجاوزُ شعبُ الله إطارَهُ القومي اليهودي ليصبحَ كنيسةً، كما حدث في يوم العَنصرة. سيبتعدُ المؤمنون عن أورشليم، ولكنّ ابتعادَهم سيكون فرصةً لهم لإشعاعِ إيمانِهم، كما أمرَهم المسيحُ القائم. إذ أن هناك تشتيتًا آخر يحلُّ محلّ تفرّقِ اليهود، يريدُهُ اللهُ في سبيلِ اهتداءِ العالم.

بعد أن أدركتْ أنَّ هجرةَ المسيحيين من الشرق الأوسط ليستْ مؤقتةً، بدأتْ الكنيسةُ بإرسالِ كهنة وتأسيس أبرشياتٍ في بلدان الانتشار، وفضلاً عن وظائفِها الروحيّة، أدّتْ وظائفَ أخرى اجتماعيّة من استقبال المهجرين ودعم العائلات والمساعدة في الاندماج في المجتمعات الجديدة، وأخرى ثقافية من تعليم اللغات التراثية والحفاظ على التقاليد ونقل الهوية للأجيال الجديدة.

 

وهناك مسألةٌ أخرى أخذتْها الكنيسةُ على عاتِقها، وهي إقامةُ الروابطِ مع البلدان الأمّ، وهناك من سمّاها روابط عابرة للحدود (Transnational Ties)، فالشتاتُ لا ينفصلُ عن الوطن الأصلي بل يطوّرُ شبكةَ علاقاتٍ مستمرّة معه، منها الكنسيّة بزياراتِ رجال الدين والمؤتمرات والتواصل بين الأبرشيات وتمويل الكنائس في الشرق الأوسط، ومنها العائليّة بالزيارات والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنها الثقافية بنقل التراث للأجيال الجديدة وتعليم التاريخ المشترك وإحياء المناسبات الدينية والقومية، ومنها الإنسانيّة إذ ظهرتْ مؤسساتٌ خيرية عديدة تقدّم مساعداتٍ للفقراء ودعمٍ للنازحين وبنتْ مدارسَ ومراكزَ اجتماعية واغاثتْ المتضررين من الحروب. وتزايدَ هذا النشاطُ بشكل واضح بعد حرب العراق وسوريا وظهور تنظيم داعش.

 

هذا كلّه سيؤدي إلى نظرية قابلة للتحقيق: المسيحيون في الشرق الأوسط لا "يختفون"، بل سيقومون بـ"إعادة تشكيل" (Reconfiguration) وجودهم من خلال الهجرة والشبكات العابرة للحدود والشتات العالمي والمؤسسات الكنسية ومنظمات المجتمع المدني.