موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بألم عميق، يقف مرصد الحضور المسيحي في الأرض المقدسة أمام دماء الشهداء الذين سقطوا في العملية الإرهابية التي استهدفت كنيسة الروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك في الأردن خلال مراسم جنازة، مخلفة شهداء وجرحى.
نتقدم بالتعازي إلى عائلات الشهداء وذويهم، وإلى أبناء حمود والكنيسة والشعب الأردني، ونرفع صلاتنا من أجل الجرحى، سائلين الله أن يمنح العائلات المفجوعة الصبر والعزاء.
وندين هذه الجريمة التي انتهكت حرمة بيت من بيوت الله، واعتدت على حق الإنسان في الحياة والأمن والعبادة بحرية وكرامة.
لكن مسؤوليتنا لا تنتهي عند الإدانة.
بعد كل جريمة إرهابية تتعالى كلمات الشجب، ثم تنحسر الصدمة وتتراجع الأسئلة حتى تأتي المأساة التالية. لذلك تضعنا دماء الشهداء أمام سؤال لا يجوز تأجيله: ماذا سنفعل حتى لا يتكرر ما حدث في حمود؟
إيماننا المسيحي يعلمنا أن كل إنسان مخلوق على صورة الله، وأن الاعتداء على حياته وكرامته جرح لهذه الصورة. ويعلمنا ألا نرد على الكراهية بالكراهية. لكن المغفرة لا تعني التخلي عن العدالة، والصلاة لا تعفينا من المسؤولية، والمصالحة لا تُبنى من دون حقيقة.
لذلك لا يكفي أن نعرف من أطلق الرصاص، بل علينا أن نسأل: ما الفكر الذي سبق الرصاصة؟ فالإرهاب يبدأ قبل إطلاق النار، حين تُنزع إنسانية الآخر، ويتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير، والتكفير إلى تبرير للعنف.
ويجب أن يمتد ملف حمود، إلى جانب ملاحقة منفذي الجريمة وتحقيق العدالة، إلى فهم البيئة الفكرية التي أنتجت التطرف ومواجهة خطاب الكراهية والتكفير.
ولا نريد أن يكون الرد تحويل الكنائس إلى قلاع. فحماية دور العبادة واجبة، لكن الأمن الحقيقي يبدأ في البيت والمدرسة والجامعة والمنبر والإعلام والفضاء الرقمي. نريد كنيسة آمنة لأن المسلم يعتبر الاعتداء عليها اعتداء عليه، ومسجدًا آمنًا لأن المسيحي يعتبر الاعتداء عليه اعتداء عليه أيضًا.
وحماية كرامة الإنسان لا تتحقق بعزل أي جماعة أو التعامل معها بوصفها بحاجة إلى حماية منفصلة، بل ببناء مجتمعات تصون حياة الإنسان وكرامته، وتحمي المواطنة والتعددية وحرية الدين والعبادة. ومن هذا المنطلق، فإن حماية الحضور المسيحي هي جزء من حماية الإنسان والمجتمع بأسره، فالمسيحيون أبناء هذه الأرض وشركاء في تاريخها وحاضرها ومستقبلها.
وندعو الجهات الرسمية والكنسية والدينية، والمؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمعية، إلى إطلاق مسار "ما بعد حمود: من الإدانة إلى الوقاية"، يترجم الحوار إلى خطوات عملية في التربية والخطاب الديني والإعلام والفضاء الرقمي والعمل مع الشباب وتعزيز المواطنة والعيش المشترك.
ونعبّر عن تضامننا مع الأردن، قيادة وشعبًا، وتقديرنا لكل جهد لحماية المواطنين وكشف الحقيقة وتحقيق العدالة وصون وحدة المجتمع.
إلى عائلات الشهداء نقول: أفضل وفاء لدمائهم ألا تتحول أسماؤهم إلى أرقام، ولا مأساتهم إلى خبر عابر.
سنصلّي من أجلهم، وسنطالب بالعدالة، وسنرفض الكراهية.
ماذا سنفعل حتى لا يتكرر ما حدث في حمود؟