موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٥ مايو / أيار ٢٠٢٦
مركز سيدة السلام على الخارطة العالمية في مجال الكشف والتدخل المبكر للرضع
بقلم: مديرة التأهيل والتعليم والتطوير في مركز سيدة السلام

حنان ذيب :

 

في عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية حول أهمية السنوات الأولى من حياة الطفل، يبرز التدخل المبكر كأحد أهم المفاتيح التي تُحدث فرقاً حقيقياً في مستقبل الأطفال، خاصة أولئك المعرضين لخطر الإصابة بالمشاكل العصبية أو التأخر النمائي. فكل يوم في حياة الرضيع خلال المراحل المبكرة يشكل فرصة ذهبية لتعزيز النمو الحركي والمعرفي والتواصلي والاجتماعي، ومن هنا تأتي أهمية البرامج المتخصصة التي تستند إلى العلم والإنسانية معاً.

 

وفي هذا الإطار، يواصل مركز سيدة السلام في الأردن رسالته الإنسانية والمهنية، من خلال اهتمامه العميق بالأطفال المعرضين لخطر الإصابة بالمشاكل العصبية، عبر برامج الكشف المبكر والتدخل المبكر والتأهيل متعدد التخصصات، والتي تهدف إلى دعم الأطفال وأسرهم وتمكينهم من الوصول إلى أفضل مستوى ممكن من التطور والاستقلالية.

 

وقد كان مركز سيدة السلام رائداً في عدة مبادرات نوعية في الأردن، حيث يُعد أول مركز في المملكة يسلط الضوء بشكل منهجي وعلمي على الحاجة الملحة للكشف المبكر والتدخل المبكر للأطفال الرضع الذين قد يواجهون تحديات عصبية، وخاصة الشلل الدماغي.

 

ومن خلال خبرته الطويلة، لمس المركز بقلق بالغ التأخر الكبير في تحويل الأطفال الرضع إلى خدمات التأهيل والتدخل المبكر، خاصة وأن تشخيص الشلل الدماغي في الأردن كان يتم غالباً بعد عمر السنتين، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الطفل فرصة ثمينة للتدخل خلال المرحلة الذهبية من نمو الدماغ. فالأشهر الأولى و خصوصا الثلاثة الأولى من حياة الطفل يُعتبران الأهم على الإطلاق، حيث تكون قدرة الدماغ على التكيف مع الإصابة العصبية في أعلى مستوياتها، مما يمنح الرضيع فرصة أكبر للتحسن والتطور إذا تم التدخل بشكل مبكر ودقيق منذ الأيام والأشهر الأولى من الحياة. وللأسف، العديد من الأطفال المصابين بالشلل الدماغي لا يتم تشخيصهم حتى عامهم الثاني.

 

ولمعالجة هذه المشكلة، أخذ مركز سيدة السلام منذ سنوات عديدة المبادرة لتنظيم دورات تدريبية متخصصة للغاية، تتماشى مع المعايير الدولية للكشف المبكر والتدخل المبكر للأطفال الرضع المعرضين لخطر الإصابة بالمشاكل العصبية. وقد رحبت هذه الدورات بالعديد من المهنيين من القطاعين العام والخاص، كما قدم المركز العديد من المنح التدريبية للعاملين في القطاع الحكومي، بما في ذلك أطباء حديثي الولادة، وأطباء الأعصاب، وأخصائيو العلاج الطبيعي من مؤسسات وطنية رائدة مثل الخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الحكومية.

 

وكان الهدف من هذه المبادرات زيادة الوعي حول هذا الموضوع الحيوي، وخفض العمر الذي يمكن فيه الكشف عن الشلل الدماغي بشكل موثوق، إضافة إلى تطبيق برامج التدخل المبكر المستندة إلى الأدلة العلمية العالمية الحديثة، خاصة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حياة الطفل، وهي المرحلة الأكثر أهمية وتأثيراً في مستقبل الطفل النمائي والحركي.

كما حرص مركز سيدة السلام على تطبيق أحدث أدوات الكشف المبكر للتقييم العصبي المعتمدة عالمياً للكشف المبكر عن الأطفال المعرضين لخطر الإصابة بالشلل الدماغي والمشاكل العصبية، بهدف ضمان التدخل المبكر والدقيق منذ الأشهر الأولى من الحياة.

 

ومن أبرز هذه الأدوات العالمية تقييم GMA (General Movements Assessment)، والذي يُعتبر من أكثر وسائل الكشف المبكر دقة وحساسية على مستوى العالم و يعتبر أدق من  MRIفي تحديد المشاكل العصبية. ويعتمد هذا التقييم على تحليل الحركات التلقائية الطبيعية للرضيع، والتي تعكس سلامة ونضج الجهاز العصبي المركزي، مما يسمح بالكشف المبكر جداً عن مؤشرات الخطر العصبي حتى قبل ظهور العلامات السريرية الواضحة.

 

كما يستخدم المركز تقييم HINE (Hammersmith Infant Neurological Examination)، وهو أحد أهم الفحوصات العصبية العالمية المعتمدة لتقييم الأداء العصبي والحركي للرضع، ويُستخدم بشكل واسع في برامج الكشف المبكر عن الشلل الدماغي ومتابعة تطور الأطفال المعرضين للخطر. ويساعد هذا التقييم في تحديد مستوى الخطورة ووضع الخطط العلاجية المناسبة ومتابعة تطور الطفل بشكل علمي ومنهجي.

 

وقد ساهم دمج أدوات التقييم المتقدمة مثل GMA و HINEفي رفع مستوى دقة التشخيص والكشف المبكر داخل المركز، الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على سرعة التدخل وتحسين نتائج الأطفال على المدى البعيد وهو يتماشي مع المعايير الدولية وتوصيات الأكاديمية الأمريكية لشلل الدماغ وطب التطور. وقد ساهم هذا التوجه العلمي في تطوير مستوى الخدمات المقدمة وتعزيز فرص الأطفال في التطور وتحسين جودة حياتهم.

ومن أبرز البرامج المتقدمة التي أدخلها المركز برنامج Ei SMART، وهو نظام بريطاني متقدم للتدخل المبكر يستند إلى أحدث الأدلة العلمية العالمية والممارسات المرتكزة على الأسرة والطفل. ويهدف البرنامج إلى تطوير خدمات التدخل المبكر ، مع التركيز على تمكين الأسرة والعمل ضمن البيئة الطبيعية للطفل. ويتميز برنامج Ei SMART بتركيزه على بناء قدرات الأهل ومقدمي الرعاية ليكونوا شركاء حقيقيين في عملية التطور، بدلاً من اقتصار التدخل على الجلسات العلاجية التقليدية فقط. كما يعتمد البرنامج على تعزيز فرص التعلم والتطور الحركي والحسي والتواصلي والمعرفي بشكل مستمر وطبيعي.

 

وقد ساهم تقديم برنامج Ei SMART البريطاني في ظهور مركز سيدة السلام على الخارطة العالمية في مجال التدخل المبكر، حيث أصبح المركز من الجهات الرائدة التي تعمل على نقل الممارسات البريطانية الحديثة القائمة على الأدلة العلمية إلى أرض الواقع، مع التركيز على الجودة والاستدامة وقياس الأثر الحقيقي على الطفل والأسرة. ويعكس هذا الظهور العالمي رؤية مركز سيدة السلام في أن التدخل المبكر ليس مجرد خدمة علاجية، بل منظومة متكاملة تهدف إلى بناء مستقبل أفضل للأطفال منذ الأيام الأولى للحياة، وتمكين الأسر، وتحقيق أثر حقيقي ومستدام على الطفل والمجتمع

 

وأيضًا يقدم المركز برنامج NBO (Newborn Behavioral Observations System)، والذي يُعد من البرامج العالمية المتقدمة التي تركز على فهم سلوك الرضيع وإشاراته العصبية والتنظيمية منذ الأيام الأولى للحياة. ويهدف البرنامج إلى تعزيز العلاقة بين الطفل ووالديه، ومساعدة الأهل على فهم احتياجات الرضيع واستجاباته الحسية والسلوكية، خاصة للأطفال المعرضين للخطر أو الذين وُلدوا بظروف طبية دقيقة.

 

وبفضل الله، شهد المركز خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً في حالات الرضع، حيث أصبح بالإمكان تخريج العديد من الأطفال خلال فترة زمنية أقصر مقارنة بالسنوات الطويلة التي كانت تُحتاج سابقاً عند بدء التدخل بعد عمر السنتين. كما لوحظ تحسن واضح في تخفيف شدة الإصابة وتحسين القدرات الوظيفية والحركية للأطفال، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الطفل والأسرة والمجتمع والدولة ككل.

 

ولم يقتصر دور المركز على الجانب العلاجي والتدريبي فحسب، بل امتد أيضاً إلى نشر المعرفة وبناء الوعي العلمي، من خلال تقديم محاضرات متخصصة لعدد من المؤسسات الأكاديمية والطبية، بما في ذلك الجامعة الأردنية، دعماً لتطبيق المعايير العالمية الحديثة في الكشف المبكر والتدخل المبكر، وحتى نستطيع أن نغير حياة الرضع وذويهم ونخفف عبئاً كبيراً عن الدولة.

إن ظهور مركز سيدة السلام ضمن مبادرات وبرامج عالمية متخصصة في هذا المجال، يعكس المكانة العلمية والإنسانية التي وصل إليها، ويؤكد أن الجهود الأردنية أصبحت جزءاً من الحركة العالمية الداعية إلى حماية الطفولة المبكرة والاستثمار في قدرات الأطفال منذ الأيام الأولى للحياة.

 

ويبقى مركز سيدة السلام نموذجًا أردنيًا رائدًا في مجال التأهيل والتدخل المبكر، حاملاً رسالة إنسانية تنطلق من كرامة الإنسان وحق كل طفل في الحياة والنمو والفرص المتكافئة، ومؤمنًا بأن التدخل المبكر لا يغيّر حياة الطفل فحسب، بل يصنع أملاً جديدًا للأسرة والمجتمع بأسره.