موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«للأسف، في هذا الوقت»، وبعد كل ما حدث وما لا يزال يحدث في غزة، «يصعب رؤية حلّ قريب الأجل» بين الإسرائيليين والفلسطينيين: «الجراح ما تزال عميقة، والشعوب في حالة ضياع، والقيادات ضعيفة. لا توجد رؤية واضحة للمستقبل يكون فيها الآخر حاضرًا إلى جانبك، وبطريقة ما، جزءًا منك. كل طرف لا يريد أن يسمع عن الآخر، والعلاقة انكسرت، وهذا هو أول ما يجب أخذه بعين الاعتبار والانطلاق منه».
لم تكن كلمات الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، التي ألقاها في لقاءٍ بكنيسة سان فرانشيسكو أريبا في روما، بتنظيم من اللجنة الوطنية للاحتفال بالذكرى المئوية الثامنة لوفاة القديس فرنسيس، تعبيرًا عن الاستسلام، بل كانت تعكس إدراكًا حقيقيًا لصعوبة الطريق المؤدي إلى المصالحة والسلام.
واعتبر البطريرك أن أحداث 7 أكتوبر والحرب التي تلتها على غزة «غير مسبوقة». وقال: «حتى نحن لم ندرك فورًا حجم ما جرى، سواء مع هجوم حماس أو مع الردّ الإسرائيلي لاحقًا. كنا نظن أننا أمام ردّ عسكري محدود كما حدث في مرات سابقة، لكن كل معالم الأمور التي كنا نعرفها انهارت».
وعن مشروع «مجلس السلام»، أعرب بطريرك القدس للاتين عن قلقه تجاه أي مبادرة تبدو مدفوعة في المقام الأول لمصالح القوى الكبرى والسيطرة عليها، من دون اعتراف فعلي بالشعب الفلسطيني وحقوقه.
وأوضح الكاردينال بيتسابالا أن «السلام والمصالحة مفهومان جميلان، لكنهما قد يبقيان مجرد شعارات إذا لم يُترجما اليوم إلى أفعال ملموسة، وإلى مبادرات وشهادات تُظهر فعليًا إمكانية إعادة بناء الثقة». وأضاف: «الكلام وحده لا يكفي. لا بد من خلق فرص للقاء، وبناء أطر ثقافية واجتماعية تساعد تدريجيًا على التفكير بطريقة مختلفة». كما شدد على الحاجة إلى قيادات سياسية ودينية، من الجانبين، تمتلك رؤية حقيقية، ولا تبني شرعيتها على الغضب والرغبة في الانتقام.
وأكد أن هذا المسار يتطلب وقتًا وصبرًا.
وقال: «في هذه الأثناء، علينا أن نثابر، مُقتنعين بأنّنا لا نستطيع ترك الأمور بيد المتطرفين. وبالنسبة لنا كمسيحيين، الأهم اليوم هو أن نكون حاضرين، وأن نبقى على هويتنا. فالأرض المقدسة تعلّمنا أن كوننا أقلية ليس مأساة، إذا كان لدينا ما هو جميل وعظيم لنقدمه». وأضاف: «علينا أن نصغي، لنعرف ما الذي يقوله لنا الإيمان في هذه اللحظة. وبالنسبة لي، حياتي هي لله وللمسيح، ولذلك كان من الطبيعي أن أقول نعم حين سُئلت إن كنت مستعدًا لأن أقدّم نفسي مقابل الرهائن المحتجزين في غزة».
واستذكر الكاردينال بيتسابالا خبرته الطويلة في الأرض المقدسة منذ وصوله إليها عام 1990، حين وصل طالبًا شابًا إلى المعهد البيبلي الفرنسيسكاني، مرورًا بسنوات خدمته كحارس للأرض المقدسة، وصولاً إلى خدمته الحالية كبطريرك القدس للاتين.
ثم تحدّث عن زياراته الأربع إلى قطاع غزة خلال الحرب. في الزيارة الأولى، في أيار 2024، قال الكاردينال: «كان صادمًا ألا أتعرف على الأماكن، وأن أرى الرعب في عيون الناس، وتأثّر الأطفال». أما الزيارة الثانية، قبيل عيد الميلاد من العام نفسه، «فكان السكان قد أنهكهم التعب، وبدا الجوع واضحًا، وازداد الدمار، وأصبحت المستشفيات خارج الخدمة».
وفي تموز 2025، وصف البطريرك الزيارة بأنها «الأصعب»، إذ دخل القطاع بعد مقتل ثلاثة أشخاص في رعية العائلة المقدسة، وقبيل هجوم إسرائيلي واسع على مدينة غزة: «وقد صدمتني رائحة الدمار والموت. لن أنساها أبدًا». أما الزيارة الأخيرة، قبيل عيد الميلاد الماضي، فقد لاحظ فيها «رغبة في استعادة الحياة، ووجوهًا مفعمة بالكرامة رغم كل شيء». ومن المساعدات الغذائية، «انتقلنا إلى توفير الأدوية، وخاصة المضادات الحيوية، لتمكين المستشفيات من علاج الناس».
وتطرّق البطريرك بيتسابالا أيضًا إلى التحديات التي تواجه المسيحيين.
وأشار إلى «تراجع وجودهم بشكل كبير منذ وصوله إلى الأرض المقدسة عام 1990. فمنذ بداية الحرب وحدها، غادرت نحو مئة عائلة من بيت لحم. وللأسف، فقد الكثيرون الأمل في إمكانية التغيير، على الأقل في المستقبل القريب». وأكد أن البطريركية تعمل جاهدة من أجل بقاء الجميع، «لكن لا يمكننا أن نحكم على من يقرّر الرحيل، فالبقاء يتطلب شجاعة عظيمة».
حتى في رعية مدينة غزة، «عانوا ألمًا لا يوصف؛ كانوا بحاجة إلى كل شيء. وفوق كل ذلك -بالإضافة إلى الأمور المادية، كالغذاء والماء والدواء- كانت هناك حاجة إلى التعاطف، إلى الرحمة، وهو ما وجدوه حينها في قرب البابا والكنيسة جمعاء».
ويُضاف إلى ذلك اليوم ما يحدث في الضفة الغربية، لا سيما بسبب المستوطنين الإسرائيليين. «في قرية الطيبة، البلدة المسيحية الوحيدة، وقع هجوم جديد قبل أيام؛ ولكن ضد الفلسطينيين عمومًا، مسلمين ومسيحيين، تُمارس شتى أنواع العنف: يُمنعون من العمل، ويُحرمون من أراضيهم، ويتعرّضون لهجمات مسلحة وتخريب، وتُدمر منازلهم أو تُهدم أو تُصادر».
وتابع الكاردينال: «تواجه مدارسنا الثلاث عشرة في القدس مشاكل مستمرة في الحصول على تصاريح للمعلمين، وخاصة القادمين من بيت لحم. ومن المُرهق أن يُضطر المرء للعمل يوميًا من أجل أمور تبدو زهيدة، حقوق كان ينبغي ضمانها منذ زمن».
وبشأن حل «شعبين ودولتين»، أقرّ الكاردينال بيتسابالا بصعوبة التفكير فيه وتطبيقه في الوضع الراهن، لكنه شدّد على ضرورة العمل من أجله، معتبرًا أن «من حق الفلسطينيين أن يشعروا بأنهم شعب، وأن يكون لهم دولة. حتى مجرّد التأكيد على هذه الإمكانية هو فعل عدالة، فهو يساعدهم على موصلة السعي لتحقيق حلمهم بامتلاك وطن خاص بهم يومًا ما».
وأخيرًا، وجّه البطريرك بيتسابالا نداءً للعودة إلى الحجّ إلى الأرض المقدسة.
وقال: «لقد حان وقت العودة. كفى طوارئ، وحان الوقت التحلّي بالشجاعة. يمكنكم القدوم إلى الأرض المقدسة، بل يجب عليكم ذلك؛ فبيت لحم والقدس آمنتان. نحن اليوم بحاجة إلى أن نرى الكنيسة والجماعة المسيحية حاضرتين». وأضاف أن هذه الخطوة «هي أيضًا رسالة للفلسطينيين والإسرائيليين معًا بأننا موجودون في هذه الأرض، وأن لنا فيها جذورًا راسخة».
وخلال الأمسية، التي تخللتها معزوفات موسيقية، أطلقت «مؤسسة إيطاليا من أجل العطاء» حملة تبرعات لمشروع في القدس بعنوان «تمكين النساء والشباب المسيحيين»، والذس يهدف إلى توفير فرص عمل للنساء والشباب المسيحيين في المنطقة، بالإضافة إلى دعم مبادرات ريادة الأعمال.
الكاردينال بيتسابالا من جنيف: لا سلام بلا عدالة ولا عدالة من دون الاعتراف بالآخر