موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تصوير: إعلام البطريركية اللاتينية
في خضم أزمة إنسانية حادة ناجمة عن الحرب وتدهور الظروف المعيشية في غزة والضفة الغربية والقدس، برزت البطريركية اللاتينية، إلى جانب فريق عملها وموظفيها والمؤسسات العاملة تحت مظلتها، كجنود مجهولين في ميادين الإغاثة، متحملة مسؤولية شاملة تجاوزت حدود التوزيع التقليدي للمساعدات، وشملت أيضًا تجنيد الأموال وإدارتها بمسؤولية وشفافية لضمان استمرارية الاستجابة وتوجيه الدعم إلى مستحقيه.
عملت البطريركية خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2024 حتى تشرين الأول 2025 على إيصال مساعدات واسعة النطاق إلى غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، تجاوزت 1500 طن، واستفاد منها نحو 200 ألف شخص. وشملت برامجها المتكاملة الغذاء والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، إضافة إلى دعم البنية التحتية والخدمات الأساسية، في إطار جهد شامل للتخفيف من وطأة الأزمة على مختلف فئات المجتمع.
ولم تكن هذه الجهود محصورة بزمن محدد، بل امتدت جذورها إلى الأشهر الأولى للحرب على غزة، حين بدأت البطريركية إيصال المساعدات الأساسية إلى الأسر الأكثر تضررًا، شملت الغذاء ولوازم النظافة، ونسّقت شحنات إضافية للمجتمعات المسيحية والمجاورة. وأسهم هذا الدعم المبكر والمستمر في تخفيف معاناة السكان وصون كرامتهم، وشكّل قاعدة للحملات الإنسانية الموسّعة لاحقًا، مؤكدًا التزام البطريركية الدائم بمرافقة أهل غزة في أصعب الظروف.
تميزت جهود البطريركية ليس فقط بالقدرة اللوجستية والتنظيمية، بل بكونها شاملة لمختلف الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية. فقد قادت حملات جمع تبرعات واسعة وأدارت التمويل بعناية لضمان استمرارية الدعم، كما لعبت دورًا في الوساطات المحلية والدولية لحماية المدنيين والمجتمعات المتضررة، ومساندة الأسر المسيحية والمهاجرة، مع الحفاظ غالبًا على خصوصية هذه المبادرات بعيدًا عن الأضواء الإعلامية.
منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، قام الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، بأربع زيارات إلى غزة، حيث كان حضوره مباشرًا ومؤازرًا للسكان في أصعب الظروف. جسدت هذه الزيارات رسالة تضامن وروح رعوية لم تتردد في الوصول إلى قلب الأزمة، في وقت غاب فيه الكثيرون أو اكتفوا بإدارة الوضع عن بُعد. وأتاح هذا الحضور متابعة الاحتياجات الإنسانية على الأرض، ودعم الجهود المباشرة، وتعزيز الثقة بين المجتمع المسيحي والمجتمعات المحلية، مؤكدًا التزام البطريركية بمرافقة السكان وتخفيف معاناتهم بشكل عملي ومستمر، بعيدًا عن أي تلميع إعلامي.
في غزة، شكّل مجمّع كنيسة العائلة المقدسة للاتين مركزًا إنسانيًا متكاملًا، حيث قدّمت البطريركية أكثر من 1.2 مليون وجبة غذائية للنازحين داخل المجمّع والمناطق المحيطة، إضافة إلى توفير الاحتياجات الأساسية لما يُقدّر بنحو 10% من سكان شمال غزة. كما أُنشئ مخبز ميداني، وعيادة طبية، وآبار مياه، وأنظمة طاقة شمسية، ومرافق لغسيل الملابس، إلى جانب برامج تعليمية وفرص توظيف لحوالي 200 شخص، ما أسهم في تمكين الأسر والمحافظة على كرامتها وسط ظروف صعبة للغاية.
في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ركّزت البطريركية على منع انهيار الأسر والبنية المجتمعية، من خلال خلق فرص عمل عبر برامج العمل مقابل الأجر والتدريب، وتوزيع القسائم الغذائية، ودعم أصحاب المحال المتضرّرة من الركود، إلى جانب توفير الرعاية الصحية والأدوية. كما تم تأمين التعليم لنحو 5000 طالب، والدعم السكني والإيجار لأكثر من 4000 أسرة، فضلًا عن تقديم مساعدات للأطفال الرضّع والمساعدات الشتوية لآلاف المستفيدين، في مسعى للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وصون كرامة العائلات الأكثر هشاشة.
وقال الكاردينال بيتسابالا: "في هذا الزمن، اختبرت الكنيسة أن الثقة المتبادلة تفتح أعيننا لرؤية الواقع بشكل بنّاء وإيجابي. وعندما تغيب الثقة، تنغلق أعيننا ونفقد القدرة على التمييز السليم. وقد جعلتنا الثقة التي وُلدت وسط المآسي ندرك أننا مدعوون ليس فقط للاهتمام بالآخرين، بل أيضًا لنتصرّف بروح صغار الإنجيل".
ومن الجدير بالذكر أن عمل وتدخلات البطريركية لم يقتصر على تقديم الغذاء والمساعدات فحسب، بل شمل مبادرات دبلوماسية دقيقة وبناء شراكات مع المنظمات المحلية والدولية، إلى جانب جهود غير معلنة لإنقاذ القطع الأثرية التي تروي تاريخ غزة. كما تضمنت برامج لدعم الأسر الأكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا، مع مراعاة خصوصية الأوضاع الإنسانية الحساسة. وقد جرى ذلك غالبًا بعيدًا عن الإعلام، ما يعكس التزام البطريركية بالعمل المخلص غير المرئي، حيث يتركّز الاهتمام على النتائج والإنسان قبل أي احتفاء أو ظهور إعلامي.
وبينما تبقى التحديات كبيرة، تؤكد البطريركية أنها ستواصل تكثيف تدخلاتها الإغاثية والتعليمية والتنموية في عام 2026، مع الالتزام بالبقاء قريبًا من الفقراء والمجروحين، متجذّرة في رؤية كنيسة ترافق شعبها في آلامه وتعمل على صون كرامة الإنسان والحفاظ على الرجاء الحي في المستقبل.