موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
زار البابا لاون الرابع عشر جامعة «لا سابينزا» في روما صباح اليوم، حيث استهل زيارته بوقفة صلاة في كابلة الجامعة، قبل أن يلتقي مجموعة من الطلاب الذين احتشدوا لاستقباله. ثم عقد لقاءً خاصًا مع رئيسة الجامعة، وقّع خلاله في سجل الشرف، قبل أن يزيح الستار عن لوحة تذكارية توثّق هذه الزيارة. كما شملت الجولة زيارة معرض «الجامعة والباباوات» الذي يعرض تاريخ العلاقة بين الفاتيكان وجامعة «لا سابينزا».
وفي كلمته أمام الأساتذة والطلاب في القاعة الكبرى، استهل البابا حديثه معربًا عن فرحه الكبير بلقاء الجماعة الجامعية، مشيدًا بدور الجامعة الذي لا يقتصر على التميز العلمي فحسب، بل يمتد إلى التزامها بتعزيز الحق في التعليم، خصوصًا للفئات الأكثر حاجة، مثل الفقراء وذوي الإعاقة والسجناء واللاجئين الفارين من الحروب. وأشاد قداسته على وجه الخصوص بمبادرة الممر الجامعي الإنساني من قطاع غزة، معتبرًا إياها علامة إنسانية مهمة في هذا السياق.
وانتقل الأب الأقدس للحديث إلى الطلاب، مشيرًا إلى أن الحياة الجامعية تحمل في طياتها خبرات متناقضة من الحماس والقلق في آن واحد، حيث يعيش الشباب شعورًا بأن المستقبل لا يزال مفتوحًا وقابلًا للكتابة، رغم عالم مثقل بالظلم والتحديات. وأكد أن الدراسة والعلاقات التي تنشأ خلال هذه المرحلة واللقاء مع الأساتذة تشكّل وعودًا حقيقية للتحول نحو الأفضل، وأن البحث الصادق عن الحقيقة يجعل من التجربة الجامعية شهادة رجاء لعالم جديد.
كما توقف البابا عند البعد الداخلي لتجربة الشباب، مذكّرًا بارتباطه الروحي بالقديس أوغسطينوس الذي عاش قلق الشباب وسعى وراء الحكمة، مشيرًا إلى أهمية الحوار والأسئلة التي يطرحها الطلاب، وإلى دور الإرشاد الروحي الجامعي كمكان يلتقي فيه الإيمان مع أسئلة الإنسان العميقة.
وفي المقابل، حذّر قداسة البابا من الوجه السلبي للقلق الذي يعيشه الشباب، الناتج عن «ابتزاز التوقعات» وضغوط الأداء، حيث يُختزل الإنسان في أرقام ومنافسة مستمرة. وشدّد على أن الإنسان ليس مجرد معطى قابل للقياس، بل هو كائن يحمل كرامة ورغبة في المعنى، داعيًا الشباب إلى طرح السؤال الجوهري: «من أنت؟»، وإلى إدراك أن الهوية لا تُبنى في عزلة بل من خلال العلاقات واللقاء.
كما وجّه حديثه إلى البالغين، متسائلًا عن العالم الذي يُترك للأجيال الجديدة، في ظل ما يشهده من حروب وصراعات ولغة عداء متزايدة. ودعا إلى مواجهة «تلوث الفكر» الذي يحوّل الآخر إلى عدو، وإلى تعزيز الذاكرة التاريخية وعدم نسيان مآسي القرن العشرين، مؤكدًا ضرورة تجديد الالتزام بشعار «لا للحرب بعد الآن»، في مواجهة تصاعد النزعات العسكرية حول العالم.
وتوقف الأب الأقدس عند قضايا الإنفاق العسكري وتزايده، معتبرًا أن سباق التسلح لا يمكن أن يُقدَّم كدفاع، بل يفاقم التوترات ويضعف الاستثمار في التعليم والصحة، ويحرم المجتمعات من ثمار التنمية الحقيقية. كما حذّر من الاستخدامات العسكرية والمدنية للذكاء الاصطناعي حين تُسحب من الإنسان مسؤوليته الأخلاقية في القرار.
وأشار البابا كذلك إلى النزاعات الجارية في أوكرانيا وغزة والأراضي الفلسطينية ولبنان وإيران، معتبرًا أنها تعكس خطورة المسار الذي يجمع بين الحرب والتكنولوجيا في دوامة تهدد الإنسانية. ودعا إلى توجيه البحث العلمي والاستثمار نحو خدمة الحياة والسلام بدل الفناء، قائلاً: «نعم للحياة، نعم للشباب، نعم للشعوب التي تنشد العدالة والسلام».
وفي محور آخر، تناول الأب الأقدس التحدي البيئي، مستشهدًا بالرسالة العامة «كن مسبحًا» للبابا فرنسيس، ومشيرًا إلى الإجماع العلمي حول التغير المناخي، رغم محدودية التقدم في معالجته. ودعا الشباب إلى عدم الاستسلام لليأس، بل إلى تحويل القلق إلى نبوءة ورجاء، مؤكدًا أن التاريخ ليس محكومًا بالموت بل هو في يد الله الذي يخلق الحياة من جديد.
وختم البابا كلمته بدعوة الطلاب إلى أن يكونوا «صانعي سلام حقيقيين»، يعملون من أجل سلام منزوع السلاح، متواضع ومثابر، يسهم في بناء الوئام بين الشعوب وحماية الأرض. كما دعا إلى «تحالف تربوي جديد» بين الكنيسة والجامعة، مؤكدًا أن التعليم هو شكل من أشكال المحبة التي تنمّي الإنسان وتخاطب قلبه وضميره، معربًا عن ثقته بقدرة الشباب على بناء مستقبل أكثر إنسانية وعدالة.