موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ترأس البابا لاون الرابع عشر قداس عيد الفصح في ساحة القديس بطرس، وفي عظته أكّد أن قيامة المسيح ليست حدثًا من الماضي، بل قوة حياة جديدة تشعّ في الخليقة وتمنح الإنسان رجاءً لا يغيب ونورًا لا يَغرُب وفرحًا لا يُنتزع، لأن الموت قد غُلب إلى الأبد ولم يعد له سلطان علينا. هذا الرجاء يرافقنا حتى في عمق الألم والضعف، حيث يشعر الإنسان بثقل الخطيئة والعزلة والرفض والظلم والعنف الذي يملأ العالم.
ودعا قداسته إلى رفع النظر وتوسيع القلب لاكتشاف أن القبر فارغ، وأن في كل موت نعيشه إمكانية لحياة جديدة تنبثق، لأن المسيح القائم يرافق التاريخ ويقود البشرية نحو ملء الحياة، مؤكدًا أن القيامة هي بداية خليقة جديدة تدعونا لنحمل فرحها ونبشر به في العالم، حتى يشرق نور الحياة حيث ما زال الموت يخيّم.
وفيما يلي النص الكامل للعظة:
كلّ الخليقة تشعّ اليوم بنور جديد، ومن الأرض يرتفع نشيد تسبيح وتهليل، ويهتف قلبنا فرحًا: المسيح قام من بين الأموات، ومعه نحن أيضًا قُمْنا إلى حياة جديدة!
هذه البشرى الفصحيّة تعانق سرّ حياتنا ومصير التّاريخ، وتصل إلينا حتّى في هاوية الموت، الذي نشعر بأنّه يهدّدنا وأحيانًا يسيطر علينا. وهي تفتح أنفسنا على رجاء لا يغيب، وعلى نور لا يَغرُب، وعلى ملء فرح لا يستطيع شيء أن يلغيه: لقد غُلب الموت إلى الأبد، ولم يَعُدْ له سلطان علينا!
هذه رسالة ليست سهلة القبول دائمًا، ووعدٌ نجد صعوبة في قبوله، لأنّ سلطان الموت لا يزال يهدّدنا، في داخلنا وخارجنا.
في داخلنا، عندما تمنعنا أثقال خطايانا من الانطلاق، وعندما يثقل علينا فشلنا أو عزلتنا التي نختبرها وتستنزف آمالنا، وعندما تخنق الهموم أو الأحقاد فرح الحياة فينا، وعندما نشعر بالحزن أو التعب، أو عندما نشعر بأنّ النّاس خانتنا أو رفضتنا، وعندما نواجه ضعفنا، وآلامنا، وتعب كلّ يوم، إذّاك يبدو لنا كأنّنا دخلنا في نفقٍ لا نرى له مخرجًا.
وفي خارجنا أيضًا، الموت حاضر دائمًا واقفٌ لنا بالمرصاد. نراه في المظالم، وفي الأنانيّات الفرديّة، وفي ظلم الفقراء، وفي قلّة الاهتمام بأشدّ النّاس ضعفًا. ونراه في العنف، وفي جِراح العالم، وفي صرخة الألم التي ترتفع من كلّ مكان بسبب المظالم التي تسحق الأضعفين، وبسبب عبادة المنفعة التي تنهب خيرات الأرض، وبسبب عنف الحروب التي تقتل وتدمّر.
في هذا الواقع، قيامة الرّبّ تدعونا إلى أن نرفع نظرنا ونوسِّع قلبنا. إنّها تستمرّ في تغذيّة بذرة الغلبة الموعودين بها في أرواحنا وفي مسيرة تاريخنا. وهي تدفعنا إلى الحركة مثل مريم المجدلية والرّسل، لنكتشف أنّ قبر يسوع فارغ، وبالتّالي في كلّ موت نختبره يوجد أيضًا مجال لحياة جديدة تنبثق. الرّبّ يسوع حيّ وباقٍ معنا. أشعة من قيامة الرّبّ تتسلّل إلى الظّلمات، وتمنح قلوبنا رجاءً يسندنا: إنّ سلطان الموت ليس المصير الأخير لحياتنا. لقد وُجّهنا مرّة واحدة وإلى الأبد نحو ملء الحياة، لأنّنا في المسيح القائم من بين الأموات قُمْنا نحن أيضًا.
ذكّرنا بذلك وبكلامٍ مؤثّرٍ البابا فرنسيس في إرشاده الرّسوليّ الأوّل، ”فرح الإنجيل“، وأكّد أنّ قيامة المسيح من بين الأموات "ليست حدَثًا من الماضي. إنّها تزخر بقوّةِ حياةٍ اخترقت العالم. حيث كلُّ شيءٍ يبدو ميْتًا، تظهر بذارُ القيامة من كلّ الأطراف. إنّها قوّةٌ لا تُعادَل. صحيحٌ أنّ الله يبدو مرارًا غيرَ موجود: نلاحظ أنّ الظّلمَ والشّرَّ واللامبالاةَ والوحشيّة متفشّية. إلّا أنّه من المؤكّد أيضًا أنّ شيئًا جديدًا، في الخفاء، يأخذ دائمًا في النّموّ وسيُعطي ثمرًا، عاجلًا أم آجلًا" (رقم 276).
أيّها الإخوة والأخوات، قيامة الرّبّ يسوع تُعطينا هذا الرّجاء، وتذكّرنا بأنّه في المسيح القائم من بين الأموات يمكن أن يكون هناك خليقة جديدة كلّ يوم. الإنجيل الذي أصغينا إليه اليوم يقول لنا ذلك، وقد وضع حدث القيامة في إطار دقيق: "في يَومِ الأَحَد" (يوحنّا 20، 1). هكذا يَعود بنا يوم قيامة المسيح إلى الخلق، إلى اليوم الأوّل الذي خلق الله فيه العالم، ويُعلن لنا في الوقت نفسه أنّ حياة جديدة، أقوى من الموت، بدأت تنبثق الآن من أجل البشريّة.
قيامة الرّبّ هي الخليقة الجديدة التي صنعها الرّبّ القائم من بين الأموات، وهي بداية جديدة، وحياة صارت أخيرًا أبديّة بفضل انتصار الله على العدوّ القديم.
هذا النّشيد من الرّجاء نحن بحاجة إليه اليوم. ونحن، الذين قُمْنا مع المسيح، علينا أن نحمله في طرقات العالم. لِنُسرِعْ إذًا مثل مريم المجدليّة، ولنُبَشِّرْ الجميع به، ونحمل بحياتنا فرح قيامة الرّبّ، لكي يشرق نور الحياة حيث ما زال شبح الموت مخيِّمًا.
ليباركنا المسيح، فصحنا، ويمنح سلامه للعالم أجمع!