موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عظته لعيد الفصح، قال المطران حنا جلّوف، النائب الرسولي في سوريا، إنّ عيد القيامة يحلّ «وفي القلب غصّة كون السلام لا يزال بعيدًا، وما نزال نشهد الحروب والتهجير والجوع والعنف وانتهاك الحريات والكرامات، وأصبح الإنسان يُباع ويُشترى في أسواق المصالح».
وتساءل: «متى يصبح طموحنا أسمى من الأمن والرغيف؟ متى تعود أوطاننا، ومنها سوريا، بيتًا حقيقيًا لجميع أبنائِها؟» مشدّدًا على الحاجة إلى «نهوض ثقافيٍ، أخلاقي، اجتماعي، وسياسي»، وإلى «قيامة حقيقية من المستنقع الذي نتخبط فيه، وهذه القيامة لن تتحقق إلا بتكاتف الجميع: مسؤولين ومواطنين. فمن لا تاريخ له لا مستقبل له، وكتابة التاريخ لا تكون انتقائية بل أمينة وموضوعية».
وقال سيادته: «نحن المسيحيين قد لا نكون الأقوياء، لكننا موجودون؛ لسنا الأكثرية، لكننا أمناء؛ لسنا متفرجين، بل نحن زارعو رجاء. إن كان العالم يبني أسوارًا، فنحن مدعوون لنقيم جسورًا. وإن نادى بالانتقام، فنحن نختار المغفرة. وإن طغى الخوف، نجيب بالأمانة. وإن زُرِع الإقصاء، فلا يمكن أن نحصد السلام، لأن السلام لا يولد إلا من رحم العدالة».
ها قد بلغنا اليومَ الذي طال انتظارُه، يومَ فصحِ الربِ الذي صار ِفصحُنا، فنقفُ بخشوعٍ أمامَ قبرِ المسيحِ، لا لنحزنَ، بل لننحنيَ أمام سرّ قيامتهِ المجيدةِ، ولنستقبلَ في قلوبِنا هذه النعمة َالفريدةَ التي تُجدّد حياتنا، وفي هذا الزمن المأساوي، المليء بالعنف والألم في أرضنا وفي العالم، نتساءلُ بصدقٍ: هل ما زلنا قادرينَ على إعلانِ الحياةِ، والمحبةِ، والنورُ الذي يشعُّ من عيدِ الفصحِ؟
يكلمنا الإنجيلُ عن الليلِ والظلامِ، لكنهما لم يعودا مخيفينَ، لأنهما يوشكانِ أن يفسحا المجالَ لنورِ الصباحِ الذي يلوحُ في الأفق. يُحدثُنا عن حجرٍ كبيرٍ قد دُحرجَ، ولم يعد في مكانهِ، وعن تلاميذٍ يركضونَ بشوقٍ، وعن لفائفَ كانت علامةَ الموتِ، لكنها لم تعد تقيدُ أحدًا. يُحدثُنا عن عيونٍ ترى، وقلوبٍ تؤمنُ، وكتبٍ مقدسةٍ تكشفُ أسرارَها للجميعِ. إنه إنجيلٌ مفعمٌ بالحياةِ والرجاءِ، كلمةُ حياةٍ تصلُ إلينا اليومَ وتلامسَ أعماقَ قلوبِنا.
يدعونا إنجيلُ اليومِ أن نغادرَ أماكنَ راحتِنا، وأن نخرجَ رغم ظلمةِ الليلِ، على مثالِ نساءِ الإنجيل، للقاءِ القائمِ من بين الأموات. يدعونا أن نكونَ من الذين يختارونَ الحياة، وأن نتحلى بالشجاعةِ لنراهنَ على السلام، ونستمرَ في الثقةِ بالآخرين دون خوفٍ من الخيانةِ، وألا نتعبَ من البدءِ من جديدٍ في بناءِ علاقاتٍ أخويةٍ. ما يُحفزُنا ليسَ ضمانُ النجاح، بل عطشُ الخيرِ والحياةِ الذي زرعه فينا القائمُ من بينِ الأموات.
نؤمنُ ونثقُ أن الله حاضرٌ في حياةِ كل واحدٍ منا إلى الأبدِ، وأن القيامةَ ليست حدثًا مضى، بل هي تدفّقُ حياةِ المسيح فينا، وتدفّقُ قوةِ محبتهِ في أعماقنا. لذلك، لا يليق بنا أن نبقى جامدينَ خلفَ ستارِ الليلِ، بل أن نخرجَ نحو القبرِ الفارغِ، لنُشيّد في الكنيسةِ ومعها علاقاتٌ قائمةٌ على الحياةِ والمحبة.
فأينَ نحنُ من تلكَ المحبةِ التي لا تطلبُ مكافأةً؟
وأينَ نحنُ من السلامِ الذي يملأُ النفسَ طمأنينةً؟
ما يُحزِنُنا أن عيدَ القيامةِ يَحلّ، وفي القلبِ غصّةٌ، لأنَ السلامَ لا يزالُ بعيدًا،
وما زلنا نشهدُ الحروبَ، والتهجيرَ، والجوعَ، والعنفَ، وانتهاكَ الحرياتِ والكراماتِ.
أصبحَ الإنسانُ يُباعُ ويُشترى في أسواقِ المصالحِ.
نحنُ اليومَ بحاجةٍ إلى أن نُقلّلَ من الكلامِ، ونُكثرُ من الأعمالِ.
فالكلامُ قد يكون فارغًا، أما الأعمالُ فتثمرُ.
الشرُ يولّدُ شرًا، والعنفُ يولّد عنفاً، أما المحبةُ وحدها فتثمرُ تواضعًا.
متى يصبحُ طموحُنا أسمى من الأمنِ والرغيفِ؟
متى تعودُ أوطانُنا، ومنها سوريةُ، بيتًا حقيقيًا لجميعِ أبنائِها؟
نحنُ بحاجةٍ إلى نهوضٍ ثقافيٍ، أخلاقي، اجتماعي، وسياسي.
نحنُ بحاجةٍ إلى قيامةٍ حقيقيةٍ من المستنقعِ الذي نتخبطُ فيه،
وهذه القيامةُ لن تتحققَ إلا بتكاتفِ الجميعِ: مسؤولينَ ومواطنينَ.
فَمَن لا تاريخَ له، لا مستقبلَ له، وكتابةُ التاريخِ لا تكونُ انتقائيةً، بل أمينةً وموضوعيةً.
نحنُ المسيحيينَ قد لا نكونُ الأقوياءَ، لكننا موجودون؛
لسنا الأكثريةَ، لكننا أمناء؛
لسنا متفرجينَ، بل نحن زارعو رجاء.
إن كان العالمُ يبني أسوارًا، فنحن مدعوونَ لنقيمَ جسورًا.
وإن نادى بالانتقامِ، فنحنُ نختارُ المغفرة.
وإن طغى الخوفُ، نجيبُ بالأمانة.
وإن زُرِع الإقصاءُ، فلا ُيمكِنُ أن نحصدَ السلامَ، لأن السلامَ لا يولد إلا من رحِمِ العدالة.
عِيدُنا اليومَ هو عيدُ الانتصارِ على الموتِ، عيدُ الولادةِ الجديدةِ.
فلا حياةَ بدون عبورٍ في سرّ الموتِ، كما علمنا المسيحُ:
إن حبّةَ الحِنطة ِإن لم َتمت َتبقَ وحدها، أما إن ماتت، فإنها تأتي بثمرٍ كثير.
الإنسانُ بطبيعتهِ يميلُ إلى الأنانيةِ وحبِ الذاتِ، ويسعى للسيطرةِ واستغلالِ الآخرينَ، وهذه الأنانيةُ هي أصلُ النزاعاتِ والحروبِ. لكن يسوعَ، رسولُ المحبةِ، علّمنا بموتهِ على الصليبِ أن أعظمَ حبٍ هو أن يبذلَ الإنسانُ حياتَه عن أحبائهِ. لذلك، في نورِ القيامةِ، تزولُ كلُ العداواتِ، وتُفتَحُ دروبُ المصالحةِ بين الناسِ.
وفي هذا العيد المبارك، نرفعُ صلاتَنا إلى الربِ يسوع، كما دحرجَ الحجرُ عن بابِ قبرهِ وقام إلى حياةٍ جديدةٍ، أن يدحِرجَ أيضًا الحجرَ عن قلوبِنا، فتنفتحَ قلوبُنا على بعضنا البعضِ، ونَقبلَ بعضُنا بعضًا، ونُحبَ بعضُنا بعضًا، ونخرجَ جميعًا من الظلمةِ إلى النورِ.
المسيح قام… حقًا قام