موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
البابا في العشية الفصحية: أيامنا لا تخلو من قبور تحتاج لأن تُفتح

أبونا وفاتيكان نيوز :

 

ترأس البابا لاون الرابع عشر قداس العشية الفصحية في بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان، حيث أكد أن «أيامنا لا تخلو من قبور تحتاج لأن تُفتح»، وأن الحجارة التي تغلقها غالبًا ما تكون ثقيلة ومحروسة لتبدو وكأنها لا تتزحزح. وأوضح أن بعضها يثقل قلب الإنسان، كفقدان الثقة والخوف والأنانية والضغينة، فيما يقطع بعضها الآخر الروابط بين البشر، كالحرب والظلم والانغلاق بين الشعوب والأمم.

 

وشدد البابا على ضرورة عدم الاستسلام لهذه الحجارة، مشيرًا إلى أن كثيرين عبر التاريخ، وبمعونة الله، تمكنوا من دحرجتها، أحيانًا بجهد كبير وبذل الذات. ودعا المؤمنين إلى أن يستلهموا من مثالهم، وأن يتحركوا بنعمة القائم من بين الأموات، لكي تنمو في العالم عطايا الفصح من الوئام والسلام، ويُفتح ما يبدو مغلقًا أمام الحياة.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للعظة:

 

 

إنّ سرّ هذه الليلة المقدّس [...] يبدّد الكراهية، ويحني كبرياء الأقوياء، ويعزّز الوئام والسلام". هكذا، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، ترنّم الشمّاس في مستهل هذا الاحتفال بنور المسيح القائم من بين الأموات، الذي ترمز إليه الشمعة الفصحية. ومن هذه الشمعة الواحدة، أشعلنا جميعًا شموعنا، وإذ حمل كلٌّ منا شعلةً أشعلها من النار نفسها، أضأنا هذه البازيليك العظيمة. إنها علامة النور الفصحي الذي يوحّدنا في الكنيسة كمصابيح للعالم. وعلى إعلان الشمّاس أجبنا بكلمة "آمين"، مؤكدين التزامنا باعتناق هذه الرسالة، وعمّا قليل سنكرّر الـ"نعم" الخاصة بنا عبر تجديد وعود المعمودية.

 

أيها الأحباء، هي عشيّة مفعمة بالنور، وهي الأقدم في التقليد المسيحي، وتُسمّى "أم العشيّات جميعًا". فيها نحيا مجدّدًا تذكار انتصار رب الحياة على الموت وعلى الجحيم. ونقوم بذلك بعد أن عبرنا، خلال الأيام الماضية، وكأننا في احتفال واحد كبير، في أسرار آلام الإله الذي صار لأجلنا رجل أوجاع، مزدرىً ومتروكًا من الناس، ومُعذَّبًا ومصلوبًا. هل هناك محبة أعظم؟ أو مجانية أشمل؟ إنّ القائم من بين الأموات هو خالق الكون نفسه الذي، كما أعطانا الوجود من العدم في بدايات التاريخ، كذلك وهبنا الحياة على الصليب ليُظهر لنا حبه اللامحدود.

 

لقد ذكّرتنا القراءة الأولى بذلك، مع رواية الأصول. في البدء خلق الله السماوات والأرض، مستخرجاً من الفوضى كونًا منظمًا، ومن الاضطراب تناغمًا، وأوكل إلينا نحن، الذين جُعلنا على صورته ومثاله، مهمة أن نكون حراسًا لهذا الكون. وحتى عندما لم يمتثل الإنسان لهذا المشروع بسبب الخطيئة، لم يتركه الرب، بل كشف له عن وجهه الرحيم بطريقة أكثر دهشة من خلال الغفران.

 

إن "سر هذه الليلة المقدس"، إذًا، يجد جذوره أيضًا في الموضع الذي تمَّ فيه الإخفاق الأول للبشريّة، ويمتد عبر القرون كمسيرة مصالحة ونعمة. لقد اقترحت علينا الليتورجيا بعض محطات هذه المسيرة من خلال النصوص المقدسة التي استمعنا إليها. وذكّرتنا كيف أوقف الله يد إبراهيم، الذي كان مستعدًا للتضحية بابنه إسحق، ليشير لنا إلى أنه لا يريد موتنا، بل بالأحرى أن نكرّس أنفسنا لنكون بين يديه أعضاءً حية في سلالة من المُخلَّصين. كذلك دعتنا للتأمل حول كيف حرّر الرب الإسرائيليين من عبودية مصر، محوّلاً البحر -الذي كان مكان موت وعائقًا لا يُقهر- إلى باب عبور لبداية حياة جديدة وحرّة. وتردّد صدى الرسالة نفسها في كلمات الأنبياء، التي سمعنا فيها مدائح الرب كعريس يدعو ويجمع، وينبوع يروي، وماءٍ يُخصِّب، ونورٍ يهدي إلى طريق السلام، وروحٍ يغيّر ويجدد القلب.

 

في كل هذه اللحظات من تاريخ الخلاص، رأينا كيف يجيب الله على قسوة الخطيئة التي تفرق وتقتل، بقوة الحب الذي يوحّد ويعيد الحياة. لقد استعدنا ذكراها معًا، متخللين الرواية بالمزامير والصلوات، لكي نتذكر أننا بفصح المسيح "دُفنا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن أيضا حياة جديدة [...] أموات عن الخطيئة وإنما أحياء لله في يسوع المسيح"، مكرّسين في المعمودية لمحبة الآب، ومتحدين في شركة القديسين، وقد جعلتنا النعمة حجارة حية لبناء ملكوته.

 

في هذا السياق نقرأ رواية القيامة التي سمعناها في إنجيل متى. في صباح الفصح، انطلقت المرأتان في طريقهما، وتغلّبتا على الألم والخوف. أرادتا أن تذهبا إلى قبر يسوع، وتوقعتا أن تجدانه مختومًا بحجر كبير على مدخله مع جنود يحرسونه. هذه هي الخطيئة: حاجز ثقيل جدًا يغلق علينا ويفصلنا عن الله، ويحاول أن يُميت فينا كلمات الرجاء. غير أن مريم المجدلية ومريم الأخرى لم تستسلما للترهيب. بل ذهبتا إلى القبر، وبفضل إيمانهما ومحبتهما، كانتا أول شاهدتان على القيامة. ففي الزلزال وفي الملاك الجالس على الحجر المدحرج، أبصرتا قوة محبة الله، الأقوى من أي قوة شر، والقادرة على "تبديد الكراهية" و"إحناء كبرياء الأقوياء". يمكن للإنسان أن يقتل الجسد، لكن حياة إله الحب هي حياة أبدية تذهب أبعد من الموت ولا يستطيع أي قبر أن يسجنها. وهكذا مَلك المصلوب من على الصليب، وجلس الملاك على الحجر، وتراءى يسوع لهما حياً وقال: "السَّلامُ علَيكُما!".

 

هذه، أيها الأحباء، هي رسالتنا للعالم اليوم أيضًا، وهذا هو اللقاء الذي نريد أن نشهد له، بكلمات الإيمان وبأعمال المحبة، منشدين بالحياة "هللويا" التي نعلنها بالشفاه. ومثل المرأتان اللتان أسرعتا لإعلان الخبر للإخوة، نريد نحن أيضًا أن ننطلق الليلة من هذه البازيليك، لنحمل للجميع البشرى السارة بأن يسوع قد قام، وبأننا بقوته -وقد قمنا معه- يمكننا نحن أيضًا أن نبعث الحياة في عالم جديد، عالم يسوده السلام والوحدة، "كحشد من البشر ومعًا [...] كإنسان واحد، لأنه رغم كثرة المسيحيين، إلا أنَّ المسيح واحد".

 

لهذه المهمة يكرّس أنفسهَم الإخوة والأخوات الحاضرين هنا، والقادمين من مختلف أنحاء العالم، إذ سينالون المعمودية بعد قليل. فبعد مسيرة الموعوظين الطويلة، سيولدون اليوم ثانية في المسيح ليكونوا خلائق جديدة وشهودًا للإنجيل. ولأجلهم ولأجلنا جميعًا، نكرر ما قاله القديس أوغسطينوس لمسيحيي عصره: "بشّر بالمسيح، ازرع [...]، وانشر في كل مكان ما حبلت به في قلبك".

 

أيها الإخوة والأخوات، إنَّ أيامنا لا تخلو من قبور تحتاج لأن تُفتح، وغالبًا ما تكون الحجارة التي تغلقها ثقيلة جدًا ومحروسة بدقة لتبدو وكأنها لا تتزحزح. بعضها يثقل قلب الإنسان كفقدان الثقة، والخوف، والأنانية، والضغينة؛ وبعضها الآخر -كنتيجة لتلك الباطنية- يقطع الروابط بيننا، كالحرب، والظلم، والانغلاق بين الشعوب والأمم. لا نسمحنَّ لها بأن تُشلَّنا! فكثير من الرجال والنساء، عبر القرون وبمعونة الله، قد دحرجوا هذه الحجارة، ربما بجهد جهيد وأحيانًا ببذل حياتهم، لكنهم تركوا ثمار خير لا نزال ننعم بها اليوم. هؤلاء ليسوا شخصيات بعيدة المنال، بل هم أشخاص مثلنا، استمدوا القوة من نعمة القائم من الموت، وبالمحبّة والحقيقة، تجرأوا كما يقول القديس بطرس على التحدث "بكلام الله" والعمل "بالقوة التي يمنحها الله، لكي يُمجَّد الله في كل شيء". لنسمح لمثالهم أن يحركنا، وفي هذه الليلة المقدسة لنتبنَّ التزامهم، لكي تنمو وتزهر في كل مكان ودائمًا، في العالم، عطايا الفصح للوئام والسلام.