موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٦ مايو / أيار ٢٠٢٦
الإنسانية الرائعة: ملخص رسالة البابا لاون حول كرامة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

أبونا :

 

الأفكار الرئيسية

 

كرامة الإنسان - حضارة الشركة - تعليم الكنيسة الاجتماعي - المحدودية والهشاشة والعلاقات بوصفها تعابير أصيلة عن الإنسانية - الخير العام وحقوق الإنسان والتنمية البشرية المتكاملة - العمل والحقيقة والحرية في ظلّ التحوّل الرقمي - أشكال جديدة من اللامساواة والسيطرة والحروب التكنولوجية - حضارة المحبة كبديل عن ثقافة القوة.

 

 

خلاصة

 

تقدّم الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة" رؤىً حول حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، مع الإقرار بأنّ العالم يشهد تحوّلًا تاريخيًا عميقًا. وهي تضع كرامة الإنسان في المركز بوصفها المعيار الذي ينبغي أن يوجّه التقدّم التقني.

 

ويرافق تعليم الكنيسة الاجتماعي هذه التحوّلات. وتشير الرسالة إلى الخير العام، والتضامن، والتكافل، باعتبارها المرتكزات الأساسية لفهم التحوّل الجاري وتفسيره. كما تقترح، بديلًا عن ثقافة القوة والحرب، حضارة محبةٍ تقوم على العدالة، والحوار، والمسؤولية المشتركة.

 

 

المقدّمة – "الشؤون الجديدة" في عصرنا

 

تستهلّ الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة" نصّها بإعلانٍ يحدّد نبرة النقاش بأكمله. فالإنسانية تقف اليوم عند مفترق تاريخي لا يتعلّق بالتقدّم التقني فحسب، بل بالمعنى العميق للتنمية وللعيش الإنساني المشترك. ومن هنا يؤكّد النص أنّ: «الإنسانية الرائعة التي خلقها الله تقف اليوم عند مفترق طرق وعليها أن تختار: إما أن تبني برج بابل جديدًا وإما أن تبني المدينة حيث يسكن الله والإنسانية معًا». ويقدّم هذا التصوير الرمزي، منذ البداية، التباين بين مشروعٍ يقوم على القوة والاكتفاء الذاتي، ومسارٍ يرتكز على المسؤولية المشتركة والشركة.

 

كل جيل يرث مهمة تكوين عصره. لكن، لكل عصر أيضًا يواجه خطر بناء عالم لا إنساني وفيه مزيد من الظلم. والمعيار الحاسم لفهم هذه المرحلة التاريخية هو معيار أنثروبولوجي ولاهوتي، إذ لا يمكن فهم الإنسان بمعزل عن سرّ التجسّد، لأنّ: «لا تُلقى الأضواء الحقة على سرّ الإنسان إلا بسر الكلمة المتجسّد». ومن دون هذا المرجع، قد يتحوّل التقدّم إلى اختزال الإنسان في وظيفة، أو رقم إحصائي، أو مجرّد أداء.

 

أمّا "الشؤون الجديدة" في عصرنا، أي التحوّلات التاريخية الكبرى التي تشكّل تحديًا للضمير المسيحي، فتتمثّل في التوسّع السريع للمعرفة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وهي تحوّلات تؤثّر بعمق في البُنى الاجتماعية، وعمليات اتخاذ القرار، والوعي الجماعي.

 

وتعترف الرسالة بأنّ التكنولوجيا جزء لا يتجزّأ من التنمية البشرية، إذ تنبع من الحرية والإبداع: «جب ألا نعتبر التكنولوجيا، في حد ذاتها، قوّة معادية للإنسان. بل العكس، إنّها متجذّرة في تاريخنا منذ البداية». غير أنّ قوّة التكنولوجيا تفرض مسؤولية جديدة وغير مسبوقة. وفي هذا السياق، يلاحظ النصّ أنّ: «لم يسبق للبشرية أن امتلكت مثل هذا السلطان على نفسها»، وهو ما يبرز الحاجة الملحّة إلى توجيه هذه القوّة نحو الخير العام.

 

وهكذا، تشكّل الصورتان من الكتاب المقدس، بناء برج بابل (تكوين 11، 1-9) وإعادة بناء أسوار أورشليم (نحميا 2-6)، المفتاح لفهم الوثيقة بأكملها: فالمسألة ليست في قبول التكنولوجيا أو رفضها، بل في الاختيار بين استخدامٍ يقوّض إنسانية الإنسان، وآخر يصونها ويحفظها.

 

 

الفصل الأول - فكر ديناميكي مخلص للإنجيل

 

يوضّح هذا الفصل المنهج الأساسي الذي تنوي الرسالة اعتماده في مقاربة تحوّلات العصر الحاضر. إذ يُقدَّم تعليم الكنيسة الاجتماعي لا بوصفه مجموعة ثابتة من المفاهيم، ولا كنظامًا أيديولوجيًا يُفرض من الأعلى، بل كتقليدٍ حيّ قادر على قراءة التاريخ في نور الإنجيل ومرافقة البشرية في ظروفها الملموسة. فهو ينطلق من كنيسة لا تضع نفسها خارج العالم، بل تسير مع البشرية، وتتعامل مع التاريخ بوصفه المكان الذي يلتقي فيه الإنجيل بالتجربة الإنسانية.

 

ويؤكّد النصّ أنّ التعليم الاجتماعي ليس تدخّلًا غير مبرّر في المسائل الزمنية، بل هي تعبير عن مسؤولية الكنيسة تجاه الخير العام، إذ تشكّل «في المسيح، نوعًا ما، سرّ وعلامة للاتحاد الوثيق مع الله ووحدة الجنس البشري بأسره». ومن هذا الوعي تنبثق مقاربة تقوم على الإصغاء والحوار مع لغات العصر، لا بوصفه اهتمامًا اجتماعيًا صرفًا، بل كتمييز روحي أصيل.

 

وفي هذا السياق، تشير الرسالة إلى توجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي يعتبر أنّ من واجب شعب الله «أن يُصغي إلى علامات الأزمنة وتمييزها وتفسيرها»، بحيث تُعلن الحقيقة الموحاة بأساليب تتلاءم مع الظروف التاريخية. وهكذا يظهر التعليم الاجتماعي كإرث ديناميكي ينمو عبر الزمن دون أن يتخلى عن جوهر الإيمان.

 

ومن خلال تتبّع تطوّر سلطة تعليم الكنيسة الاجتماعي من البابا لاون الثالث عشر وحتى يومنا هذا، يبيّن الفصل أنّه ليس مجموعة حلول تقنية، بل يقدّم «مبادئ للتفكير، ومعايير للتمييز والحكم، وتوجيهات واقعية للعمل». فوظيفته لا تقوم على استبدال المسؤوليات السياسية والمؤسساتية، بل على دعم التمييز الجماعي تجاه التحوّلات الجارية.

 

وأخيرًا، يؤكَّد النص أن الحقيقة التي تحفظها الكنيسة ليست ملكًا يُحتكر، بل عطية تُشارك عبر الزمن. ولذلك يُقال إنّ «الزمن يسبق المكان»، بما يعني إعطاء الأولوية لإطلاق عمليات تنمو عبر التاريخ، بدل السعي إلى السيطرة الفورية على مواقع القوة.

 

 

الفصل الثاني - الأسس ومبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعي

 

يبدأ هذا الفصل الثاني بالعودة إلى أسس ومبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة، التي تُعتمد كمعايير حاسمة لتوجيه التمييز في عصر الذكاء الاصطناعي. ويكمن جوهر هذا التأمل في رؤية للإنسان قائمة على العلاقة: فالإنسان مخلوق على صورة الله الثالوث، وهو مدعو للدخول في مسيرة شركة. ومن هذا الأصل تنبثق كرامة تسمو على أيّ تقييم وظيفي أو إنتاجي أو اجتماعي.

 

تميّز الرسالة بين أبعاد متعدّدة لكرامة الإنسان، لكنها تؤكد على بُعد حاسم لا يعتمد على الظروف أو القدرات الفردية. إذ يُصرَّح بوضوح بوجود «مستوى أعمق وأهمّ، وهو الكرامة الوجودية»، مع توضيح أنّها «الكرامة في إنسان لمجرّد موجوده». وهذه الكرامة تؤسس لـ«القيمة السامية لحقوق الإنسان»، التي لا تُعدّ منحة من السلطة، بل تعبيرًا عن طبيعة الشخص نفسه، وتجعل الحق في الحياة الشرط الأساس لكل الحقوق الأخرى.

 

وتُبنى مبادئ التعليم الاجتماعي على هذا الأساس الأنثروبولوجي. فـ«مبدأ الخير العام» لا يُفهم بوصفه مجموع المصالح الفردية، بل كواقع علاقاتي بامتياز، يُعرَّف بأنه «مجموعة الشروط الحياة الاجتماعية التي تمكّن الجماعات وكلّ فرد من أعضائها من بلوغ كماله الخاص بشكل أتمّ وأسهل».

 

ويُوسَّع «مبدأ الغاية الشاملة لخيرات الأرض» ليشمل خيرات عصرنا غير المادية والرقمية، في حين يحمي مبدأ اللامركزية والتكامل في اتخاذ القرار» مسؤولية الأفراد والعائلات والهيئات الوسيطة من أيّ تركّز مفرط للسلطة. وأخيرًا، يُستدعى «مبدأ التضامن» بوصفه وعيًا حقيقيًا بالترابط بين الأفراد والشعوب، ويُختصر ذلك في القول: «لا أحد يخلُص بمفرده».

 

وتتلاقى هذه المبادئ جميعها ضمن إطار «التنمية البشرية المتكاملة»، التي يُدعى إلى تعزيزها لكل إنسان ولكل أبعاد الحياة، بما في ذلك البعد الروحي والاجتماعي والبيئي.

 

 

الفصل الثالث - التقنية والسيطرة: عظمة الإنسان أمام وعود الذكاء الاصطناعي

 

يركّز هذا الفصل على تحليل العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة والإنسان، بهدف وضع وعود الذكاء الاصطناعي ضمن تحوّل ثقافي أوسع يعيد طرح معنى التقدّم ذاته. ويُقرّ بأن التطوّر التكنولوجي تعبير عن الإبداع الإنساني، إلا أنّ النصّ يحذّر في الوقت نفسه من خطر تحوّله إلى معيار مطلق للحكم، مما يؤدي إلى ما يُعرَّف بـ«النموذج التكنوقراطي» القادر على اختزال الواقع إلى ما هو قابل للقياس والحساب والتحسين.

 

في هذا السياق، يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة قوية قادرة على تقديم فوائد حقيقية، لكنه قد يفاقم أيضًا أشكال الهيمنة إذا ما انقطع عن التوجيه الأخلاقي والأنثروبولوجي. ويؤكّد النصّ أنّ ازدياد القوة التقنية لا يتطابق تلقائيًا مع الخير، إذ «الأكثر قوة لا يعني بالضرورة الأفضل». ويبقى المعيار الحاسم هو كرامة الشخص لا كفاءة الوسائل.

 

ويمرّ عبر الفصل تمييز أساسي بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. فبالرغم من قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة بعض اللغات والسلوكيات، فإنها تبقى غريبة عن الخبرة الإنسانية الحقيقية. إذ يوضح النصّ أنّ «ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي لا يعيش خبرة، ولا يمتلك جسدًا، ولا يمرّ بالفرح والألم، ولا ينضج في العلاقات، ولا يعرف من الداخل معنى الحب والعمل والصداقة والمسؤوليّة». ولذلك فهو لا يستطيع تحمّل المسؤولية الأخلاقية، ولا يدرك المعنى النهائي للقرارات، ولا يتحمّل عبء العواقب المترتبة على ذلك.

 

ويصبح الخطر أكثر حدّة عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرار التي تمسّ حياة الناس وسمعتهم وفرصهم وحقوقهم بشكل مباشر. ففي مثل هذه الحالات، قد تؤدي «الحيادية الظاهرية» للخوارزميات إلى إقصاءات يصعب تداركها. ويحذّر النصّ من أنّ «إسناد سلطة تحديد من يستحق ومن لا يستحق إلى خوارزمية بشكل كامل، يعني إسناد مهمة إعادة تعريف حدود الإمكانات البشرية إليها»، بما يترتّب عليه من تراجع في المسؤولية السياسية والأخلاقية.

 

كما يخصّص الفصل حيّزًا نقديًا مهمًا لـ«أصول الرواية: ما بعد الإنسانية وما يتجاوز الإنسانية»، التي ترى التقدّم بوصفه تجاوزًا لحدود الإنسان. ويقابل ذلك برؤية تعتبر أنّ المحدودية ليست عيبًا ينبغي التخلص منه، بل بُعدًا تكوينيًا في الإنسان. إذ يُؤكَّد بوضوح أنّ «الإنسان لا يزدهر بالرغم من الحدود، بل غالبًا من خلالها»، مع الاعتراف بأنّ الضعف والهشاشة هما المجال الذي تنمو فيه العلاقات والرعاية والانفتاح على الآخر.

 

 

الفصل الرابع - حماية الإنسان خضم التحوّل الرقمي: الحقيقة، والعمل، والحرية

 

يركّز هذا الفصل على الآثار العملية للتحوّل التكنولوجي في الحياة الشخصية والاجتماعية، محدِّدًا ثلاثة مجالات أساسية تتعرّض فيها حماية البُعد الإنساني للخطر اليوم: الحقيقة، والعمل، والحرية. ويُبيّن النص أنّ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لا تؤثر في الأدوات فحسب، بل تُعيد تدريجيًا تشكيل السلوكيات والعلاقات وبُنى التعايش الاجتماعي.

 

المجال الأول هو الحقيقة، التي تُعدّ خيرًا مشتركًا أساسيًا للحياة الديمقراطية. ففي النظام الرقمي، يؤدي انتشار المعلومات المضللة، والصور المعدّلة، والسرديات المُستقطِبة إلى طمس الحدود بين الحقيقي والزائف. ويشدّد النص على أنّ الحقيقة لا تنبثق من آليات تقنية تلقائية، بل من علاقات موثوقة وممارسات مسؤولية مشتركة، مع التذكير بأنّ «جودة التواصل العام تعتمد بشكل مباشر على الثقة في المجتمع». وهكذا تُقدَّم الحقيقة بوصفها واقعًا هشًّا يجب حمايته عبر التربية النقدية والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

 

أما المجال الثاني فهو العمل، الذي يُوصف بأنه عنصر أساسي في كرامة الإنسان ووسيلة طبيعية للمشاركة في الحياة الاجتماعية. ورغم ما يتيحه الأتمتة والذكاء الاصطناعي من إمكانات حقيقية للتحوّل، فإنهما ينطويان أيضًا على مخاطر كبيرة من عدم الاستقرار والإقصاء. ويحذّر النص من نموذج انتاج «يجد العمّال أنفسهم مرارًا مجبرين على التكيّف مع سرعة الآلات ومتطلّباتها، بدل أن تكون هذه الآلات مصمّمة لمساعدة الذين يعملون». فعندما تصبح الكفاءة هي المعيار المسيطر، يفقد العمل بعده الإنساني والعلاقي.

 

وأخيرًا، يتناول النص مسألة الحرية، التي تتعرض للتهديد من جهة الإدمان الرقمي، ومن جهة أخرى من أشكال جديدة من السيطرة الاجتماعية القائمة على جمع البيانات على نطاق واسع. إذ يمكن للتقنيات أن تُشكّل القرارات والسلوكيات بشكل غير مرئي، مما يقلّص مساحة القرار الحر الحقيقي. ولهذا يؤكّد النص بوضوح أنّ «الحرية في العصر الرقمي ليست مجرد حقيقة داخلية: إنها أيضًا مسألة عامة»، تتطلب قواعد عادلة، ومسؤولية مشتركة، وتربية واعية.

 

وفي المحصلة، تُظهر هذه المجالات الثلاثة أنّ التحوّل الرقمي ليس محايدًا، بل يستدعي التزامًا جماعيًا بحماية شروط الحياة الإنسانية الحقيقية، القادرة على الحقيقة، والعمل اللائق، والحرية الأصيلة.

 

 

الفصل الخامس - ثقافة القوة وحضارة المحبة

 

يبلغ الصدام بين القوة التكنولوجية ومصير البشرية ذروته في الفصل الخامس. إذ يتمحور حول الارتباط المتزايد بين التكنولوجيا والقوة والعنف، ضمن سياق عالمي يتسم بأزمة التعددية الدولية والتطبيع التدريجي للحرب. ولا تقتصر الابتكارات التكنولوجية، ولا سيّما الذكاء الاصطناعي، على جعل أنظمة الدفاع أكثر كفاءة، بل تؤثر بعمق في طبيعة الصراع نفسها، عبر تسريع اتخاذ القرار وجعل استخدام القوة أكثر لاشخصية وأبعد عن المسؤولية الأخلاقية.

 

إن إمكانية تفويض قرارات الحياة والموت إلى أنظمة آلية تُسهم في خفض العتبة الأخلاقية لاستخدام العنف، وفي طمس إدراك العواقب الحقيقية للقرارات المتخذة. وفي هذا الإطار، تتشكّل ما يمكن تسميته «ثقافة القوة»، حيث تميل فعالية الوسائل إلى أن تحل محل الحكم الأخلاقي، ويُصبح حماية المدنيين خاضعًا للمنطق الاستراتيجي. وفي مواجهة هذا الواقع، يؤكد النص بشكل واضح أنّه «لا توجد خوارزميّة يمكنها أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقيًّا»، مجددًا التأكيد على أنّ التمييز في استخدام القوة لا يمكن اختزاله إلى حساب تقني.

 

ويترافق هذا التحول مع سرديات عامة تُصوّر الحرب وكأنها حتمية بل وضرورية، مما يحجب الذاكرة التاريخية لآثارها ويُخدّر الضمائر. وكبديل عن هذا المنطق، تُستعاد رؤية «حضارة المحبة» بوصفها مشروعًا تاريخيًا ملموسًا يقوم على العدالة والأخوّة والحوار.

 

تضع هذه الحضارة منظور الضحايا معيارًا للحكم، وتعتبر الدبلوماسية والحوار الوسيلة الطبيعية لبناء السلام. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى السلام كعلامة ضعف، بل كخيار واقعي ومُلزِم، إذ «مع السلام لا يُفقد شيء، ومع الحرب يُفقد كل شيء».

 

 

الخاتمة - روحانية لعصرنا

 

يركّز هذا القسم الأخير على البعد الروحي واللاهوتي الذي يشكّل الأساس الكامن لكل مسار الرسالة العامة ويكشف معناها النهائي. وفي صلب هذا الفهم تبرز الحقيقة العقائدية الجوهرية: أنّ «الكلمة صار جسدًا»، وهو حدث يشكّل المعيار الحاسم لفهم عظمة الإنسان وهشاشته في آنٍ معًا. وفي عصر تتكاثر فيه وعود التقدّم القادرة على تجاوز كل حدود، يُعاد التأكيد على أنّ ملء الحالة الإنسانية لا ينشأ من القوة التقنية، بل من علاقة تقوم على الحرية والمحبة والنعمة.

 

ولا يفصل هذا المنظور أبدًا بين البعد الروحي والبعد التاريخي أو الاجتماعي. فالإنسانية مدعوّة إلى أن تدرك نفسها كجزء من شركة أوسع، لا تُلغى فيها الاختلافات بل تُسهم في إعادة بناء الوحدة وتجديدها. وفي هذا الضوء، تتردد صدى الصورة البولسية لإنسانية مُصالَحة، مدعوّة لأن تكون «جسدًا واحدًا في المسيح»، بوصفها تعبيرًا عن أخوّة تتجاوز الشعوب والثقافات والأجيال.

 

إنّ الالتزام بحماية الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي يُفهم بالتالي كمسؤولية مشتركة. فلا يمكن تبنّي أي تحوّل تكنولوجي بشكل كامل من دون تغيّر في القلب، ومن دون التزام عملي بالعدالة والتضامن ورعاية الأضعف. ويُوصَف التاريخ بأنه عمل لا يزال في طور التشكّل، وموقع بناء لم يكتمل بعد، حيث يُدعى الجميع إلى المشاركة فيه.

 

أما أفق هذا الرجاء فيتجلى في نشيد مريم «تعظّم نفسي الرب»، بوصفه علامة على منطق يقلب موازين القوة ويعيد الاعتبار لقيمة التواضع. ومن هنا تنبثق الدعوة الختامية لاختيار نوع البنّائين الذين نريد أن نكونهم في التاريخ: «أن نكون بُناة للتواصل، لا مهندسي بابل»، حتى لا تفقد الإنسانية عظمتها، ويجد العالم في قلب الإنسان المكان الذي يريد الله أن يسكن فيه.