موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في 25 أيار 2026، شهد الفاتيكان لقاءً رسميًا ترأسه قداسة البابا لاون الرابع عشر لتقديم أول رسالة عامة في حبريته بعنوان "الإنسانية الرائعة"، والمخصصة لموضوع "حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي". ويُعدّ هذا الحدث من أبرز محطات بداية الحبريّة الجديدة، نظرًا لما تحمله الرسالة من رؤية أخلاقية وروحية تجاه التحولات العميقة التي يشهدها العالم في ظل الثورة الرقمية والتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد كان هذا الحدث استثنائيًا ومهمًا للكرسي الرسولي، إذ شارك البابا للمرة الأولى شخصيًا في تقديم الوثيقة التي كتبها.
وشارك في اللقاء عدد من الشخصيات الكنسية والأكاديمية البارزة والسفراء المعتمدون لدى الكرسي الرسولي، وفي مقدمتهم رئيس دائرة عقيدة الإيمان الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، ورئيس دائرة خدمة التنمية البشرية المتكاملة الكاردينال مايكل تشيرني. كما لفت الأنظار حضور الباحث الأمريكي كريستوفر أولاه، المؤسس المشارك لشركة Anthropic والمتخصص في أبحاث قابلية تفسير الذكاء الاصطناعي، حيث رحّب به البابا وشكره على مساهمته في النقاش حول مستقبل هذه التكنولوجيا وتأثيرها في حياة البشر.
وتتوجه الرسالة إلى الكنيسة والعالم معًا، مقدّمةً مقاربة إنسانية وإيمانية للتحديات المعاصرة المرتبطة بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية ومستقبل الحضارة البشرية. ومنذ الصفحات الأولى، يُظهر البابا إدراكًا عميقًا للتأثير المتزايد لثورة الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، مؤكدًا أن التكنولوجيا ليست شرًا في ذاتها، لكنها ليست محايدة أيضًا، لأنها تعكس القيم والخيارات التي يتبناها مطوّروها ومموّلوها ومستخدموها. وبما أنها تبدو في سباق لا حدود له، يشدّد قداسته على ضرورة وضع الضوابط والقوانين لتنظيم استخدامها بما يحفظ البشرية وكرامة الإنسان والإيمان بقوة الله.
وتتألف هذه الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة" من خمسة فصول تضم في مجموعها 245 فقرة، وتشكل مسارًا متكاملًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا في ضوء الإيمان المسيحي وتعليم الكنيسة الاجتماعي وتلازم العلم مع الإيمان. ومن خلال هذا البناء المنهجي، يدعو البابا لاون الرابع عشر إلى إعادة اكتشاف مفهوم الخير العام بوصفه الإطار الأخلاقي الذي ينبغي أن يوجّه التطور العلمي والتكنولوجي. ويشدّد على أن الحفاظ على إنسانية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب تبنّي عقلية شجاعة قائمة على المسؤولية المشتركة والشراكة بين الشعوب والمؤسسات والأفراد، بعيدًا عن منطق الهيمنة والاحتقار. ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن نصنعه من خلالها. لذلك، يؤكد أن العالم مدعو إلى إدراك من جديد أن قلب الإنسان هو المكان الذي يريده الله أن يحل فيه، وأن أي تقدم لا يصون هذه الحقيقة يبقى تقدمًا ناقصًا مهما بلغت إنجازاته التقنية والعلمية، منوّهاً إلى أنّ الآلة مجردة من الأحاسيس والشعور.
وانطلاقًا من مبدأ الخير العام، يدعو البابا إلى توجيه الابتكار التكنولوجي نحو خدمة الإنسان وتعزيز كرامته، بدلًا من تحويله إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء أو التمييز. ويرى أن مستقبل التكنولوجيا يجب أن يُقاس بمدى مساهمتها في ازدهار الإنسان وحماية حقوقه الأساسية وتسخير التكنولوجيا للصالح العام، لا بقدرتها على تحقيق الأرباح أو توسيع النفوذ. كما تشير الوثيقة إلى أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة قد يسهمان في ظهور أشكال جديدة من العبودية والاستغلال وتهميش فئات عمّالية في قطاعات تنموية متعددة، ولا سيما عبر ظروف العمل القاسية المرتبطة باستخراج المواد الخام الضرورية للتقنيات الرقمية، وكذلك من خلال تحويل البيانات الشخصية والحياتية إلى مورد اقتصادي قابل للاستغلال، بما يشكل نوعًا جديدًا من الاستعمار الرقمي. ويؤكد البابا أن مكافحة هذه الظواهر تمثل اختبارًا أخلاقيًا حاسمًا في زمن التحول الرقمي والتطور التكنولوجي الهائل، مجددًا إدانة الكنيسة القاطعة لكل أشكال العبودية والاتجار بالبشر، ومحذرًا من أن التهاون مع انتهاك كرامة الإنسان يجعل الإنسان شريكًا فيه. كما يعبّر عن أسف الكنيسة لتأخر موقفها التاريخي في إدانة العبودية، مشدداً على التمسك بدور الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية مع مواكبة تطورات العصر. وفي إطار مشروع "حضارة المحبة" الذي طرحته الكنيسة باعتباره نموذجًا قائمًا على التضامن والعدالة والأخوّة وخدمة الخير العام العالمي. وينتقد النص تطبيع الحرب في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر، وتراجع الذاكرة التاريخية، وهيمنة المصالح العسكرية والاقتصادية التي تغذي الصراعات، كما يدعو إلى تجاوز نظرية "الحرب العادلة" بوصفها إطارًا يُستعمل كثيرًا لتبرير الحروب، مع الإبقاء على حق الدفاع المشروع عن النفس بمعناه الضيق. وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي العسكري، يؤكد أن القرار الأخلاقي لا يمكن تفويضه إلى الآلات، وأن استخدام القوة المميتة يجب أن يبقى خاضعًا لمسؤولية بشرية مباشرة، مع وضع ضوابط دولية صارمة تمنع سباق التسلح وتحمي المدنيين وكرامة الإنسان. كما نوّه إلى خطورة تعزيز ثقافة القوة التي تجعل الحرب أكثر سهولة وتجريدًا من البعد الإنساني، من خلال الأتمتة والتضليل الإعلامي وسباقات التسلح.
وتؤكد الوثيقة أن الخير العام يُعدّ التعبير الاجتماعي عن الكرامة المتأصلة في كل إنسان، ولا يمكن تحقيقه بمعزل عن احترام حق الشعوب في الوجود وحق تقرير المصير، والحفاظ على هويتها الخاصة بعيداً عن السيطرة والاحتلال، والإسهام بخصائصها المميزة في الأسرة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يُدان أخلاقيًا كل مشروع أو محاولة تهدف إلى إلغاء شعب ما أو إخضاعه، باعتبار ذلك انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية ولحقوق الشعوب الأساسية.
ومن أبرز ما تطرحه الرسالة الدعوة إلى "نزع سلاح الذكاء الاصطناعي" (To Disarm AI)، على غرار الدعوات الدولية التاريخية لنزع الأسلحة النووية. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في سياق موقف الرسالة من الحرب والعنف، مع الحفاظ على حق الدفاع عن النفس، إذ تعيد النظر في مفهوم "الحرب العادلة"، الذي استُخدم عبر التاريخ لتبرير النزاعات المسلحة، معتبرةً أنه لم يعد صالحًا لمواجهة تعقيدات العصر الراهن. وبدلًا من ذلك، تدعو الوثيقة إلى ترسيخ ثقافة الحوار والدبلوماسية والمغفرة، مؤكدة أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على أسس العدالة والتفاهم والمصالحة. وتشدد على أنه لا يجوز فصل القرارات التقنية عن الوعي الأخلاقي والمسؤولية الإنسانية، لأن إضعاف التكنولوجيا للقدرة النقدية لدى الإنسان يهدد أسس السلام الحقيقي القائم على العدالة لا مجرد غياب الحرب. وفي المقابل، لا يقتصر التحدي على الحدّ من المخاطر بما فيها إساءة استعمال الذكاء الاصطناعي، بل يتطلب أيضًا بناء مستقبل إنساني مشترك. وانطلاقًا من تجربة قداسته في إعادة الإعمار بعد الكوارث الطبيعية في البيرو، يؤكد أن البناء الحقيقي لا يعني تعويض ما فُقد ماديًا فحسب، بل يشمل ترميم العلاقات الإنسانية، واستعادة الثقة، وإحياء الأمل، في عملية جماعية لا يمكن أن ينجزها الأفراد بمعزل عن بعضهم البعض.
وقد انتقد قداسته بقوة التوجهات الفكرية المرتبطة بالتيارات المسماة ب"ما بعد الإنسانية وما يتجاوز الإنسانية" (transhumanism and posthumanism)، والتي ترى في التقدم التكنولوجي وسيلة لتجاوز حدود الإنسان الطبيعية أو إعادة تشكيله جذريًا من خلال الدمج بين الإنسان والآلة والتقنيات المتقدمة. ويرى قداسته أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الرؤية الأنثروبولوجية التي تقف وراءها؛ فعندما يُختزل الإنسان إلى مادة قابلة للتحسين أو كائن ينبغي تجاوزه، تصبح كرامته مرتبطة بالكفاءة والأداء بدلًا من كونها قيمة متأصلة فيه. وتُحذّر الوثيقة من أن هذا المنطق قد يؤدي إلى تبرير التمييز ضد الضعفاء أو اعتبار بعض البشر أقل قيمة باسم التقدم وتحسين الجنس البشري. لذلك يؤكد تعليم الكنيسة الاجتماعي على ضرورة إدماج التطور التكنولوجي ضمن رؤية إنسانية وأخلاقية تعترف بالكرامة المتساوية لجميع الأشخاص، ويرفض في المقابل أي تصور يَعِد بخلاص تقني محض أو يتخيل مستقبلًا تُلغى فيه الحدود الأساسية للحالة البشرية. وترى الوثيقة أن حدود الإنسان وضعفه وآلامه ليست نقائص يجب تجاوزها، بل جزء من إنسانيته ومصدر لنمو الرحمة والمحبة والحكمة. لذلك ينبغي أن يخدم التقدم التكنولوجي كرامة الإنسان وعلاقاته، لا أن يسعى إلى استبداله أو تجاوز طبيعته البشرية، لأن كمال الإنسان يتحقق في الحب والانفتاح على الله والآخرين لا في التفوق التقني وحده.
كما أكد البابا الدور المحوري للأسرة بوصفها مؤسسة قائمة على الاتحاد المستقر بين الرجل والمرأة، ويرى فيها خيرًا اجتماعيًا أساسيًا والخلية الأولى التي لا غنى عنها في بناء المجتمع. ولذلك يدعو إلى دعمها وحمايتها من خلال سياسات اجتماعية وعمالية تعزز الاستقرار وتراعي الإيقاع الإنساني للحياة والعمل، بما يضمن قدرة المجتمع على بناء مستقبله واستدامة تطوره، محذراً من الإفرازات السلبية لتقديم التكنولوجية على حساب التماسك الأسري.
وتستند الرسالة في رؤيتها إلى الكتاب المقدس وتعليم الكنيسة الاجتماعي، واضعةً في صلب اهتمامها الخير العام وحقوق الإنسان والتنمية البشرية المتكاملة. كما تحذر من مخاطر توظيف التكنولوجيا كأداة لفرض أشكال جديدة من الاستعمار الرقمي أو لتكريس الحروب وتعزيز أنظمة السيطرة والهيمنة. وفي مواجهة ما تصفه بـ"ثقافة القوة"، تدعو الوثيقة إلى بناء "حضارة المحبة" القائمة على التضامن والمسؤولية المشتركة واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي أحد أكثر المقاطع رمزية، يشير البابا إلى أن البشرية تقف اليوم أمام خيارين: إعادة بناء برج بابل بما يرمز إليه من انقسام وصراع وتنافس، أو تشييد مدينة القدس بوصفها رمزًا للوحدة والتعايش والشركة بين الإنسان والله. ويختصر هذا التصوير الرمزي الرسالة الأساسية للوثيقة، التي ترى أن التقدم التكنولوجي يجب أن يكون وسيلة لتعزيز الأخوّة الإنسانية لا سببًا لمزيد من الانقسامات والتشرذمات.
كما تؤكد الرسالة أن الكنيسة لا تعارض العلم أو الابتكار، بل تشجع التقدم العلمي والتكنولوجي باعتباره جزءًا من مسيرة التنمية البشرية، غير أن هذا التقدم يفرض مسؤوليات أخلاقية غير مسبوقة في زمن باتت فيه البشرية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في مصيرها ومستقبلها. ومن هنا يأتي التحذير من أن يؤدي الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا ومن خلال الذكاء الاصطناعي إلى تآكل البعد الإنساني واختزال الإنسان في معايير الإنتاجية والكفاءة والربحية.
وفي استحضار تاريخي ذي دلالة، يربط البابا لاون الرابع عشر رسالته بإرث البابا لاون الثالث عشر الذي أصدر عام 1891 الرسالة العامة "الشؤون الجديدة" (Rerum Novarum)، مدافعًا عن حقوق العمال في مواجهة تحديات الثورة الصناعية، ومذكّرًا بأنه "في اللحظات المفصلية من التاريخ، تُدعى الكنيسة إلى قراءة الأمور الجديدة في ضوء الإنجيل وكرامة الإنسان... وقد أدرك آنذاك أن الكنيسة لا تستطيع أن تبقى على هامش هذه التغيرات العميقة... فجاءت الرسالة العامة "ريروم نوفاروم" لتعبّر بوضوح عن الرؤية الإنجيلية والاجتماعية للكنيسة تجاه هذه المرحلة".
وأكد أنه كما وقفت الكنيسة آنذاك إلى جانب الإنسان في مواجهة أشكال الاستغلال الاقتصادي، فإنها تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية أخلاقية مماثلة في التعامل مع تحديات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ومن خلال "الإنسانية الرائعة"، يضع البابا لاون الرابع عشر معالم رؤية جديدة تجمع بين الإيمان والأخلاق والتكنولوجيا، مؤكّدًا أن أي تقدم حضاري حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بقي الإنسان، بوصفه مخلوقًا على صورة الله ومثاله، محور التنمية وغايتها النهائية.
وتدعو الرسالة إلى تعزيز الحوار بوصفه بديلًا عن ثقافة القوة، والانتقال نحو ثقافة تقوم على التفاوض والتفاهم، مع التأكيد على الأهمية الحاسمة للحوار بين الأديان باعتباره وسيلة لنشر رسالة السلام. كما يرفض استخدام اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب، معتبرًا ذلك تشويهًا لطبيعة الدين نفسها. ويشير إلى أن دبلوماسية الكرسي الرسولي تعتمد مبدأ الرحمة الإنجيلية كمعيار عملي للعمل السياسي، مع التأكيد على أهمية الصلاة، لأن السلام في جوهره عطية إلهية.
وفي ختام خطابه أمام الحضور، دعا قداسته الجميع إلى التحلي باليقظة والمسؤولية في مواجهة تحديات العصر، وإلى الاضطلاع بدور فاعل بوصفهم "صنّاع رجاء" يسهمون في بناء الحاضر والمستقبل، مختتمًا بتمنٍّ أن يعضد روح المسيح القائم من بين الأموات الجهود المشتركة في خدمة الإنسان والمجتمع.
إن هذه الوثيقة تعبّر عن الحكمة العميقة والإنسانية الرحيمة لقداسة البابا لاون الرابع عشر، وعن قلقه العميق تجاه كرامة الإنسان والعدالة ورفاه الإنسانية واستغلال الذكاء الاصطناعي لتدمير الإنسان وانجازاته الحضارية من خلال الحروب، وهذا ما شاهدناه في الحرب على غزة أو الحرب الدائرة بين روسيا واوكرانيا، وهي وثيقة بالغة الأهمية لبناء البشرية وحمايتها من أفعال أهل الشر.
وفي الختام نرى أن الوثيقة قد استبقت الأحداث، ومركزيتها الإنسان وحماية مستقبل البشرية مع تسارع التطور التكنولوجي وخاصة منها الذكاء الاصطناعي. مع أملنا أن تُقرأ هذه الوثيقة جيداً وأن يتمّ ربطها بوثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقعها البابا الراحل فرنسيس مع الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، وربما أدخلنا تعديلات على دستورنا المؤقت ليواكب تحديات العصر. وفي اعتقادي أنّه لمن الأهمية اتخاذ قرارٍ بإدراج هذه الوثيقة في المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، وخصوصًا الكاثوليكية منها، لإمكانية إسهامها في بناء الأمم والمجتمعات والأوطان على أسس الحق والعدل والسلام واضعين الإنسان في المركز.